رأي

التضخم‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭.. ‬وانخفاض‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭!‬

عبد‭ ‬العظيم‭ ‬الأزرق

يشكل‭ ‬التضخم‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬معضلة‭ ‬اقتصادية‭ ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬السياسات‭ ‬والإجراءات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمالية‭ ‬مع‭ ‬الأوضاع‭ ‬السياسية‭. ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬التضخم‭ ‬مجرد‭ ‬مؤشر‭ ‬في‭ ‬التقارير‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬واقعًا‭ ‬يلامس‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬للمواطن؛‭ ‬فارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الراتب‭ ‬نفسه‭ ‬أصبح‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬شراء‭ ‬سلع‭ ‬وخدمات‭ ‬أقل،‭ ‬أي‭ ‬تراجع‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬للدخل‭.‬

وتُظهر‭ ‬البيانات‭ ‬الواردة‭ ‬عن‭ ‬مصرف‭ ‬ليبيا‭ ‬المركزي‭ ‬أن‭ ‬معدل‭ ‬التضخم‭ ‬شهد‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬2016‭/‬2018،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتراجع‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬منخفضة‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬التالية،‭ ‬ثم‭ ‬يعاود‭ ‬الارتفاع‭ ‬بصورة‭ ‬واضحة،‭ ‬من‭ ‬نحو‭ ‬1‭.‬2‭% ‬في‭ ‬الربع‭ ‬الأول‭ ‬2025‭ ‬إلى‭ ‬قرابة‭ ‬8‭.‬6‭% ‬في‭ ‬الربع‭ ‬الأول‭ ‬2026‭. ‬وهذه‭ ‬القفزة‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬قصيرة‭ ‬تستحق‭ ‬التوقف‭ ‬عندها،‭ ‬لأنها‭ ‬تعني‭ ‬تسارع‭ ‬ارتفاع‭ ‬المستوى‭ ‬العام‭ ‬للأسعار،‭ ‬وانعكاس‭ ‬ذلك‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬للمواطن‭.‬

والمشكلة‭ ‬أن‭ ‬المواطن‭ ‬الليبي‭ ‬لا‭ ‬يواجه‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬منفردًا،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬دخول‭ ‬لا‭ ‬تنمو‭ ‬بالوتيرة‭ ‬نفسها،‭ ‬وارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬الغذاء‭ ‬والخدمات‭ ‬والسكن‭ ‬والنقل،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬جزءًا‭ ‬متزايدًا‭ ‬من‭ ‬الدخل‭ ‬موجهًا‭ ‬لتغطية‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الأساسية،‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الادخار‭ ‬ومستوى‭ ‬المعيشة‭. ‬ويضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬تشهده‭ ‬البلاد‭ ‬أحيانًا‭ ‬من‭ ‬انقطاع‭ ‬الكهرباء‭ ‬ونقص‭ ‬المحروقات،‭ ‬وما‭ ‬يترتب‭ ‬عليهما‭ ‬من‭ ‬تكاليف‭ ‬إضافية‭.‬

والأخطر‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬هذه‭ ‬الاتجاهات‭ ‬قد‭ ‬يهيئ‭ ‬لمزيد‭ ‬من‭ ‬الضغوط‭ ‬التضخمية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬الإنفاق‭ ‬العام‭ ‬المرتفع‭ ‬وغير‭ ‬الموحد‭ ‬واستنزاف‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي‭ ‬لتلبية‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬الواردات‭.‬

لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬مواجهة‭ ‬التضخم‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬ضبط‭ ‬الإنفاق‭ ‬العام‭ ‬وتوحيده،‭ ‬وترشيد‭ ‬الإنفاق،‭ ‬وتحسين‭ ‬كفاءة‭ ‬إدارة‭ ‬الموارد،‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬استنزاف‭ ‬الاحتياطات‭ ‬النقدية‭ ‬الأجنبية‭.‬

فاستقرار‭ ‬الأسعار‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬استقرار‭ ‬السياسات‭ ‬المالية‭ ‬والنقدية،‭ ‬وإلا‭ ‬فإن‭ ‬المواطن‭ ‬سيدفع‭ ‬الفاتورة‭ ‬من‭ ‬قوته‭ ‬الشرائية‭ ‬ومستوى‭ ‬معيشته‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى