
يشكل التضخم في ليبيا معضلة اقتصادية تتداخل فيها السياسات والإجراءات الاقتصادية والمالية مع الأوضاع السياسية. ولم يعد التضخم مجرد مؤشر في التقارير الاقتصادية، بل أصبح واقعًا يلامس تفاصيل الحياة اليومية للمواطن؛ فارتفاع الأسعار يعني أن الراتب نفسه أصبح قادرًا على شراء سلع وخدمات أقل، أي تراجع القوة الشرائية للدخل.
وتُظهر البيانات الواردة عن مصرف ليبيا المركزي أن معدل التضخم شهد مستويات مرتفعة خلال الفترة 2016/2018، قبل أن يتراجع إلى مستويات منخفضة في السنوات التالية، ثم يعاود الارتفاع بصورة واضحة، من نحو 1.2% في الربع الأول 2025 إلى قرابة 8.6% في الربع الأول 2026. وهذه القفزة خلال فترة قصيرة تستحق التوقف عندها، لأنها تعني تسارع ارتفاع المستوى العام للأسعار، وانعكاس ذلك بصورة مباشرة على القوة الشرائية للمواطن.
والمشكلة أن المواطن الليبي لا يواجه ارتفاع الأسعار منفردًا، بل في ظل دخول لا تنمو بالوتيرة نفسها، وارتفاع تكاليف الغذاء والخدمات والسكن والنقل، ما يجعل جزءًا متزايدًا من الدخل موجهًا لتغطية الاحتياجات الأساسية، على حساب الادخار ومستوى المعيشة. ويضاف إلى ذلك ما تشهده البلاد أحيانًا من انقطاع الكهرباء ونقص المحروقات، وما يترتب عليهما من تكاليف إضافية.
والأخطر أن استمرار هذه الاتجاهات قد يهيئ لمزيد من الضغوط التضخمية، خصوصًا مع استمرار الإنفاق العام المرتفع وغير الموحد واستنزاف النقد الأجنبي لتلبية الطلب على الواردات.
لذلك، فإن مواجهة التضخم تبدأ من ضبط الإنفاق العام وتوحيده، وترشيد الإنفاق، وتحسين كفاءة إدارة الموارد، والحد من استنزاف الاحتياطات النقدية الأجنبية.
فاستقرار الأسعار يحتاج إلى استقرار السياسات المالية والنقدية، وإلا فإن المواطن سيدفع الفاتورة من قوته الشرائية ومستوى معيشته.



