
أثارتْ الزيادات في مرتبات موظفي بعض القطاعات، والجهات الحكومية جدلًا متزايدًا حول مدى عدالتها وانعكاساتها على بقية موظفي الدولة خاصة في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي يواجها المواطن من ارتفاع تكاليف الحياة وتراجع القدرة الشرائية للدخل. وبينما تُبرَّر بعض الزيادات بطبيعة العمل أو حجم المسؤولية، أو مستوى الخطورة والتخصص يرى آخرون أن منح مزايا مالية لقطاعات محددة دون وجود منظومة واضحة وموحدة للأجور قد يؤدي إلى اتساع الهوة بين الموظفين، ويخلق شعورًا بعدم المساواة داخل مؤسسات الدولة.
كما أن تفاوت المرتبات قد لا ينعكس فقط على الوضع المعيشي للموظف بل يمكن أن يؤثر في توجهات الباحثين عن العمل فيصبح حجم المرتب والامتيازات عاملًا أساسيًا في اختيار الوظيفة حتى وإن كانت هناك مهن وقطاعات أخرى أكثر احتياجًا للكفاءات وأهمية للمجتمع. وفي ظل غياب رؤية موحدة تضمن تحقيق التوازن بين طبيعة الوظيفة وحقوق العاملين والقدرة الاقتصادية للدولة يفتح ملف الزيادات بابًا واسعًا للنقاش حول العدالة في توزيع الدخول وما إذا كانت هذه الزيادات تعالج مشكلة حقيقية أم تخلق تفاوتًا جديدًا بين فئات الموظفين. فهل الزيادات الحالية في مرتبات قطاعات معينة تتم وفق معايير عادلة؟ ولماذا تتحصل جهات، وقطاعات معينة على زيادات بينما غيرها من القطاعات لا تتحصل على تلك الزيادة؟ وما المعايير التي تُبنى على أساسها زيادة المرتبات؟ وهل أصبح اختيار الوظيفة مرتبطًا بحجم المرتب والامتيازات أكثر من ارتباطه بطبيعة العمل نفسه؟.
معيار موحد
يرى الخبير الاقتصادي وحيد الجبو أن زيادة المرتبات يجب أن تقوم على مبدأ المساواة بين موظفي الدولة , موضحًا أن الزيادات سواء بالزيادة أو النقصان يفترض أن تُطبق وفق معايير موحدة على جميع موظفي الدولة وليس على قطاعات بعينها مثل قطاع الرقابة الإدارية أو غيره. وأضاف أن بعض القطاعات قد تستحق زيادات أو علاوات خاصة نظرًا لطبيعة عملها مثل القوات المسلحة والجيش أو رجال الإطفاء والإنقاذ والعاملين في بعض المهن ذات الخطورة لكن الأفضل أن تكون هذه الزيادات في صورة علاوات مرتبطة بطبيعة العمل والخطر والمسؤولية وليس زيادة عشوائية في المرتبات الأساسية. وأكد أن تحسين دخول المواطنين أمر مهم إلا أن ظروف البلاد الاقتصادية لا تسمح بزيادات غير مدروسة مشددًا على ضرورة وجود مسار واضح وموحد للمرتبات وتطبيق القوانين المتعلقة بتوحيد المرتبات والمنظومة الرواتب.
تفاوت غير مبرر
وأشار «الجبو» إلى أن حصول جهات وقطاعات معينة على زيادات بينما تُحرم منها قطاعات أخرى يمثل بحسب وصفه ظلمًا صارخًا وغير مقبول لأن كل من يؤدي وظيفة عامة يساهم في خدمة الدولة والمجتمع ولا ينبغي أن يكون هناك تفاوت غير مبرر بين الموظفين. وأوضح أن أي فروق ضرورية يمكن معالجتها من خلال العلاوات كعلاوة الخطر لرجال الإطفاء أو العلاوات المرتبطة بطبيعة عمل رجال الجيش والإنقاذ وغيرهم بحيث تكون الزيادة مرتبطة بالمسؤولية وطبيعة الوظيفة. وفي المقابل شدد على ضرورة أن ترتبط زيادة المرتبات بالأداء والإنتاجية والانضباط الوظيفي مؤكدًا أن الموظف الذي يلتزم بعمله ويقدم قيمة مضافة للاقتصاد أو للمجتمع سواء من خلال الإنتاج أو تقديم الخدمات يجب أن يكون له تقدير مناسب أما الموظف الذي يتكاسل أو يتغيب عن العمل ولا يؤدي واجباته فيرى الجبو أنه لا ينبغي أن يحصل على زيادة في المرتب بل يجب أن تطبق بحقه الإجراءات القانونية والإنذارات المتعلقة بالغياب وعدم أداء الواجب الوظيفي.
وقال الدكتور المبروك عيسى مدير مكتب المتابعة وتقييم الأداء بوزارة التربية والتعليم... إن زيادة المرتبات لقطاعات معينة قد تكون مبررة في بعض الحالات إذا ارتبطت بطبيعة العمل التخصصي خاصة الوظائف التي تتطلب تخصصًا فنيًا أو مهنيًا أو تنطوي على مخاطر قد تؤثر في صحة الموظف أو تتسم بسرية طبيعة العمل أو تتطلب جهدًا استثنائيًا. إلا أن هذه الزيادات بحسب رأيه ينبغي أن تخضع لمعايير واضحة ومحددة تضعها الجهة المختصة وأن تكون معتمدة من السلطات العليا. وحذر من أن أي زيادة لا تستند إلى معايير اقتصادية واجتماعية واضحة من بينها مستوى الدخل العام للفرد ومستوى المعيشة ومصادر دخل الدولة من الإنتاج والتصدير وغيرها قد تؤدي إلى زيادة معدلات التضخم وهو ما ينعكس سلبًا على مستوى معيشة المواطن ويقلل من أثر الزيادة نفسها. وحول تأثير تفاوت المرتبات في اختيار الوظيفة قال إن غياب السياسات الواضحة والمدروسة إلى جانب الوضع المعيشي الراهن وغياب اقتصاد تنموي متنوع فضلًا عن ارتفاع الواردات في ظل غياب الرقابة الصارمة عليها كلها عوامل أدت إلى غلاء فاحش وصعوبة متزايدة في المعيشة.
وأضاف أن هذه الظروف تجعل البحث عن وظيفة ذات دخل أعلى يبدو بالنسبة للكثيرين الحل الأنسب لتحسين أوضاعهم المعيشية وهو ما قد يدفع المواطنين إلى اختيار الوظائف بناءً على مستوى المرتب والحوافز بدلًا من الكفاءة والتخصص وحاجة الدولة.
منظومة وطنية
وفيما يتعلق بالمعايير التي ينبغي أن تُبنى عليها سياسات زيادة المرتبات مستقبلًا أوضح عيسى أن الأمر يتطلب وضع منظومة وطنية واضحة وعادلة تراعي طبيعة العمل ومسؤوليات الوظيفة والمؤهل العلمي والتخصص والخبرة ومستوى المخاطر والظروف الاستثنائية للعمل ومؤشرات الأداء والإنتاجية وندرة التخصص ومدى حاجة الدولة إليه إلى جانب معدل التضخم وتغير القدرة الشرائية والحد الأدنى اللائق للمعيشة والقدرة المالية للدولة واستدامة الزيادة. كما شدد على ضرورة تطبيق مبدأ الأجر المتساوي للعمل المتساوي في القيمة وعدم التمييز بين العاملين لمجرد اختلاف الجهة الإدارية متى كانت الوظائف متساوية أو متقاربة في قيمتها ومسؤولياتها.
ويرى أن اعتماد هذه المعايير من شأنه تحقيق قدر أكبر من العدالة في توزيع الأجور والحد من الفوارق غير المبررة بين القطاعات وضمان أن تكون زيادات المرتبات جزءًا من سياسة اقتصادية واجتماعية مستدامة لا مجرد معالجة مؤقتة لأزمة المعيشة.
ضبط الأسعار
من جهته أكد محمد إبراهيم الشفتري مدير مدرسة )رواد العلم( بتاجوراء. أن زيادة المرتبات دون ضبط الأسعار قد تُحوّل الزيادة إلى عبء على المواطن. وأوضح “ الشفتري “ إن زيادة المرتبات رغم أنها مطلب مهم لتحسين أوضاع المواطنين قد لا تحقق الهدف منها إذا لم تتزامن مع إجراءات حقيقية لضبط الأسواق والأسعار. وأشار إلى أي زيادة في دخول المواطنين قد تدفع بعض التجار إلى رفع أسعار السلع والخدمات ما يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للراتب ويجعل المواطن وخاصة من ذوي الدخل المحدود، لا يشعر بأي تحسن حقيقي في مستوى معيشته. وأكد أن معالجة الوضع المعيشي لا تكون بمجرد زيادة المرتبات فقط بل تحتاج إلى سياسة اقتصادية متكاملة تضمن استقرار الأسعار وتشديد الرقابة على الأسواق وحماية المواطن من موجات الغلاء حتى لا تتحول الزيادة في المرتب من تحسين للدخل إلى زيادة جديدة في الأسعار بتالي يتبين أن زيادة الدخول إذا لم تترافق مع ضبط التضخم والأسواق قد تتآكل آثارها بفعل ارتفاع الأسعار.
ومن وجهة نظر سليمان الصومادي مدير مكتب الموارد البشرية بمستشفى الشقيقة العام .. أنه لا يمكن اعتبار أي زيادة في المرتبات عادلة لمجرد صدورها بقرار رسمي بل يجب أن تستند إلى معايير واضحة وموضوعية تنطبق على جميع العاملين ونحن لا نعترض على تحسين مرتبات أي قطاع لكن العدالة تقتضي مراعاة طبيعة العمل وحجم المسؤولية والمؤهلات والخبرة وساعات العمل والمناوبات والمخاطر المهنية والتضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.
وأشار إلى أن المشكلة تبدأ عندما يحصل قطاع على تحسينات متتالية بينما تعاني قطاعات أخرى من ضعف المرتبات رغم أهمية أعمالها ومسؤولياتها. وقد تكون هناك مبررات لبعض القطاعات أو قوانين خاصة تنظم مرتباتها لكن لا ينبغي أن تتحول الاستثناءات إلى قاعدة. وأوضح قائلاً لقد أصبح العامل المادي مؤثرًا في اختيار الوظيفة لكن عندما تختلف قيمة المؤهل والخبرة والمسؤولية باختلاف الجهة قد يتجه الموظفون إلى «القطاع الأعلى دخلًا» ما يؤدي إلى استنزاف الكفاءات من القطاعات الحيوية. وختم قائلاً إننا نطالب بسياسة أجور شاملة وعادلة وفق معايير موحدة ومعلنة تضمن تحسين أوضاع جميع العاملين بحيث تكون كفاءة الموظف وخبرته ومسؤوليته هي أساس تقدير قيمة عمله وليس اسم الجهة التي يعمل بها.
حلقة مفرغة
وأوضح مفتاح الطابوني متخصص في الإدارة الحديثة..أن المشهد الاقتصادي الليبي يدور منذ سنوات في حلقة مفرغة تبدأ بالمطالبة بزيادة المرتبات ثم ارتفاع الأسعار وانخفاض القوة الشرائية للدينار لتتجدد بعدها المطالبات بزيادات جديدة. واعتبر أن هذه السياسة لم تعد مجدية بل أصبحت عبئًا على الاقتصاد الوطني وتنعكس سلبًا على المواطن.
وأكد أن زيادة المرتبات دون زيادة الإنتاج المحلي تعني ضخ سيولة إضافية في سوق يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد ما يؤدي إلى زيادة الطلب على العُملة الأجنبية وارتفاع الأسعار وبالتالي تآكل قيمة الزيادة في الدخل.
وقال إن المواطن قد يحقق زيادة في راتبه على الورق، لكنه يخسرها فعليًا أمام غلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.
وأكد أن واجب الدولة الحقيقي لا يقتصر على زيادة المرتبات بشكل دوري وإنما يتمثل في بناء اقتصاد منتج ومستقر من خلال دعم قطاعي الزراعة والصناعة.
دعم الجمعيات
وأشار إلى ضرورة دعم الجمعيات الزراعية التعاونية وتوفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة والإرشاد الفني والقروض الميسرة للمزارعين إلى جانب إنشاء مخزون استراتيجي للسلع الأساسية وشراء فائض المحاصيل بأسعار ضمان بدلًا من التسعير الجبري الذي قد يؤدي إلى عزوف المزارعين عن الإنتاج. ولفت إلى أن ليبيا رغم امتلاكها الأراضي والمياه الجوفية لا تزال تستورد العديد من السلع الأساسية وهو ما وصفه بالخلل الاقتصادي الذي يحتاج إلى معالجة.
وفي القطاع الصناعي دعا إلى دعم المشاريع الصغرى والمتوسطة والكبرى خصوصًا الصناعات الغذائية والتحويلية وإنشاء مناطق صناعية متخصصة وتقديم حوافز ضريبية وجمركية مع فرض رسوم تدريجية على السلع المستوردة التي لها بديل محلي بما يحمي الإنتاج الوطني ويعزز الأمن الغذائي.. أما فيما يخص ضبط السوق ومحاربة المضاربة فدعا إلى تفعيل صندوق موازنة الأسعار بحيث تتولى الدولة استيراد السلع الأساسية وضخها في السوق بكميات كافية من خلال منافذ حكومية وتعاونية وأصحاب محلات التجزئة وبيعها بسعر التكلفة أو بهامش ربح محدود.
وأوضح أن توفير السلع الأساسية بأسعار عادلة من شأنه الحد من الاحتكار والمضاربة لأن التاجر لن يتمكن من رفع الأسعار في ظل وجود بديل متاح للمواطن ما يدفع السوق نحو المنافسة والاستقرار.
كما شدد على ضرورة تفعيل جهاز حماية المستهلك والمنافسة والاستفادة من الأنظمة الرقمية لمتابعة حركة الأسعار مع فرض عقوبات رادعة على المخالفين والمضاربين مؤكدًا أن الرقابة وحدها لا تكفي ما لم تقترن بتوفير السلع وضمان المنافسة الحقيقية.
عبد السلام كالي – مهتم بكتب التراث من أوباري: يرى أن عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي وغياب الرقابة والمحاسبة جعلا توزيع المرتبات خاضعًا لاجتهادات المسؤولين، مؤكدًا أن منح بعض القطاعات زيادات وحوافز، مقابل استثناء أخرى، أوجد خللًا في عدالة المرتبات، داعيًا إلى اعتماد معايير واضحة تراعي طبيعة العمل والواجبات.
مبارك فتح الله السنيني – فني جبس بمركز طبرق الطبي: أوضح أن العاملين بالصحة نظموا عدة وقفات احتجاجية للمطالبة بتحسين أوضاعهم المالية والوظيفية، دون استجابة كافية، مشيرًا إلى أن طبيعة العمل تفرض عليهم العمل خلال الأعياد والمناسبات دون حوافز أو بدلات كافية.
وانتقد ضعف فرص التدريب والتطوير، وخصم 50 دينارًا شهريًا للتأمين الطبي، متسائلًا عن أوجه إنفاقها.
وأضاف أن ضعف المرتبات وارتفاع تكاليف التدريب يدفعان الكفاءات الطبية إلى الهجرة، موضحًا أن راتب الطبيب قد لا يتجاوز 1800 دينار، مقابل تكاليف تطوير تصل إلى 3000–5000 دينار، فيما قد يبلغ أعلى راتب لبعض العاملين بالصحة نحو 2700 دينار.


