
لقد بات لزاماً على الجهات المُختصة في الدولة أن تضرب بيد من حَديد، وتضع ضوابط فنية وصحية صارِمة لا تقبل المُساومة لكل من تُسول له نفسه العبث بالصناعات والمنتجات الغذائية. إن الأمن الغذائي للمواطن الليبي ليس ساحة مفتوحة للاجتهادات العشوائية أو التكسب السريع على حساب صحة المجتمع، بل هو خط أحمر يستوجب إرساء معايير دقيقة تحكم كل خطوة في الإنتاج والتداول والنقل والحفظ.
إن الحملات المُكثفة التي يقودها الحرس البلدي والجهات الرقابية، والتي تكشف يومياً عن تجاوزات خطيرة وكوارث صحية، تبرز وبشكل صارخ الحاجة الماسة إلى فرض مُؤهلات فنية متخصصة. لا يمكن أن يُترك قطاع الصناعة، أو التخزين، أو التجارة، أو حتى نقل المنتجات الغذائية، بأيدي عمَالة تفتقر إلى أبجديات المعرفة المهنية، مما يحيل غذاءنا إلى قنابل موقوتة تهدد الصحة العامة وسلامة الفرد.
ومن هذا الموقع، يجب أن نعي تماماً أن الشهادة الصحية، على الرغم من أهميتها القصوى كإجراء وقائي بديهي، لم تعد كافية وحدها لضمان سلامة المُستهلك. من الواجب القانوني والأخلاقي ألا يُسمح لأي فرد بالانخراط في قطاع الغذاء، سواء بالتقديم أو النقل أو الصناعة أو الحفظ، إلا بعد حصوله على مؤهل مهني ورخصة فنية مُعتمدة تثبت أهليته وكفاءته في التعامل الآمن مع المواد الغذائية الحساسة.
وهنا يبرز الدور المحوري والمُلّحّ لمؤسسات التدريب المهني والتقني، التي يقع على عاتقها مسؤولية وطنية كبرى في تأهيل وتدريب العاملين في الصناعات الغذائية على جميع الأصعدة. إن تفعيل هذه المؤسسات لإنتاج كوادر مُسلحة بالعلم والمهارة هو الحل الجذري لاقتلاع جذور هذه الفوضى، وضمان انتقال سوق الغذاء الليبي من العشوائية المقيتة إلى الاحترافية المُنضبطة والآمنة.



