
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد موجة تقاعد اختياري أو انتقال لأعضاء هيئة التدريس من الوظيفة العامة إلى التقاعد، بل هو نزيف حقيقي للعقول والخبرات والكفاءات التي استغرق إعدادها وتأهيلها عقوداً من الزمن، وأنفقت الدولة والمجتمع الكثير من أجل تكوينها.
إن خسارة أستاذ بدرجة أستاذ أو أستاذ مشارك لا تعني فقدان موظف فحسب، بل تعني خسارة خبرة علمية وبحثية وتراكم معرفي، ومدرسة أكاديمية كان يفترض أن تنقل تجربتها إلى الأجيال الجديدة. والأخطر من ذلك أن تعويض هذه الكفاءات، حتى إن توافرت الإمكانات، لا يتحقق بين ليلة وضحاها؛ فبناء الإنسان الأكاديمي يحتاج إلى سنوات طويلة من التأهيل والخبرة والممارسة.
المأساة الحقيقية أن الجامعات لا تفقد اليوم أسماءً وأرقاماً في كشوفات المرتبات، بل تفقد جزءاً من ذاكرتها العلمية وهويتها الأكاديمية وقدرتها على الاستمرار والعطاء. وما يُهدر اليوم قد تحتاج البلاد إلى عقود لاستعادته. والأخطر من ذلك كله احتمال نشوء فجوة بين الأجيال الأكاديمية؛ بخروج جيل يمتلك الخبرة والتراكم العلمي قبل أن تتاح الفرصة للجيل الذي يليه لاكتساب هذه الخبرة ونقلها. وهنا لا نتحدث عن خسارة عدد من أعضاء هيئة التدريس فحسب، بل عن انقطاع محتمل في سلسلة بناء المعرفة وإنتاجها وتوارثها داخل مؤسساتنا الجامعية.
إن الأستاذ الجامعي ليس مجرد موظف يتقاضى مرتباً مقابل ساعات تدريس، بل هو ركيزة أساسية في بناء الإنسان، وإنتاج المعرفة، وصناعة الوعي، وتطوير المجتمع. والجامعة ليست مجرد مبانٍ وقاعات دراسية، بل هي عقل المجتمع وذاكرته العلمية ومحرك نهضته. على أمل فيمن يمسكون بزمام المشهد اليوم أن يعوا ويدركوا، عمق هذه المأساة وأبعادها وتداعياتها على مستقبل التعليم العالي في ليبيا. فالأمم التي تفرّط في علمائها وخبراتها لا تخسر حاضرها فحسب، بل ترهن مستقبل أجيالها أيضاً.
إن تهميش الأستاذ الجامعي اليوم هو إضعاف للجامعة غداً، وإضعاف الجامعة هو إضعاف لمستقبل الوطن… كلنا أمل بأن يدرك صانعو القرار أن ما نفقده اليوم من كفاءات وخبرات لن يكون من السهل تعويضه غداً. لله الأمر من قبل ومن بعد، وهو المستعان على ما يصفون.



