
تستمر معاناة التلاميذ في ليبيا يوميًا مع رحلة الذهاب والإياب من وإلى المدارس، وهم يحملون على ظهورهم «ترسانة ورقية» كاملة، وفي ظل مناهج دراسية مكثفة تتطلب لكل مادة كتابا للطالب، وكتابا للتدريبات، إلى جانب كراسات الحصة والواجب اليومي، يجد الطفل الليبي نفسه مضطرا لنقل أوزان تفوق طاقته الجسدية، أمام غياب تام للتجهيزات المدرسية البسيطة كالخزانات المخصصة وحافظات الأدوات مثل باقي مدارس دول العالم الآخر.
في عام 2006، حذرت الجمعية الأمريكية للعلاج الطبيعي «APTA» من المخاطر الصحية الجسيمة للحقائب المدرسية الثقيلة، مؤكدة أن تجاوز وزن الحقيبة نسبة 10% إلى 15% من وزن الطفل يحدث تغيرا تشريحيا في وضعية الجسم ويقلل من سرعة المشي الطبيعية، وتعرّض التلاميذ لإصابات الظهر، والإجهاد العضلي المزمن، وتشوهات القوام، فضلا عن الصداع والآلام المفصلية التي تؤثر مباشرة على التركيز والتحصيل الدراسي.
ورغم هذه الحقائق المعلنة عالميا منذ عقود، لم يصدر عن الجهات الرسمية في ليبيا تحرك موثق إلا في سبتمبر 2024 «أي بعد نحو 18 عاماً» حين نشر مكتب التوعية بوزارة الصحة توجيهات عبر صفحته الرسمية. ودعا إلى ضرورة ترتيب الكتب المدرسية بوضع الأشياء الثقيلة قريبة من الظهر، والالتزام بجدول الحصص اليومي ليقتصر الحمل على متطلبات اليوم فقط، مع التأكيد على ألا يتجاوز وزن الحقيبة 10% من وزن التلميذ، محملا الإدارات المدرسية مسؤولية تنظيم الجداول للتخفيف عن الطلاب.
وفي أغسطس 2025، أطلقت وزارة التربية والتعليم استطلاعاً للرأي العام عبر صفحتها الرسمية لرصد أثر ثقل الحقيبة على صحة الأطفال، وطلبت من المتابعين مشاركة آرائهم وأبرز الحلول التي يقترحونها للتخفيف من هذه المشكلة مثل تخصيص خزائن أو أماكن لحفظ الكتب، أو تنظيم جداول الحصص، حيث لاقى المنشور تفاعلاً واسعاً يعكس حجم الأزمة لدى الأسر الليبية، وحصد أكثر من 8 آلاف تعليق و12 ألف إعجاب و167 مشاركة. ورغم هذا الاهتمام الشعبي الكبير، مرت الأشهر دون أن تعلن الوزارة عن نتائج الاستطلاع أو تتخذ خطوات عملية ملموسة؛ فلا المناهج خُففت، ولا الكتب تغيرت، وظل الواقع الميداني على حاله.
وتجددت الآمال في سبتمبر 2025، عندما أُعلن عبر صفحة وزارة التربية والتعليم عن مبادرة مشتركة مع الشركة القابضة للاتصالات لتوفير حقائب مدرسية مجانية بمواصفات صحية ومعايير جودة عالية، مع التعهد بتوزيعها على جميع تلاميذ وطلاب مرحلتي التعليم الأساسي والثانوي في كافة المؤسسات التعليمية تحقيقا لمبدأ العدالة الاجتماعية.
غير أنه بعد مرور أكثر من عام كامل على الإعلان عن المبادرة، لم يتم تسجيل أي تحركات ميدانية ولم تتوفر أي معلومات عن بدء التنفيذ، لتبقى الحقيبة المدرسية الثقيلة خطرًا يهدد سلامة أجيال المستقبل، بانتظار قرارات حاسمة تنتقل من أروقة المنشورات الرقمية إلى أرض الواقع داخل المدارس.



