رأي

حين تُهمَّش العقول تخسر الأوطان مستقبلها

عبدالحميد عنيبه

إن‭ ‬ما‭ ‬نشهده‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬موجة‭ ‬تقاعد‭ ‬اختياري‭ ‬أو‭ ‬انتقال‭ ‬لأعضاء‭ ‬هيئة‭ ‬التدريس‭ ‬من‭ ‬الوظيفة‭ ‬العامة‭ ‬إلى‭ ‬التقاعد،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬نزيف‭ ‬حقيقي‭ ‬للعقول‭ ‬والخبرات‭ ‬والكفاءات‭ ‬التي‭ ‬استغرق‭ ‬إعدادها‭ ‬وتأهيلها‭ ‬عقوداً‭ ‬من‭ ‬الزمن،‭ ‬وأنفقت‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تكوينها‭.‬

إن‭ ‬خسارة‭ ‬أستاذ‭ ‬بدرجة‭ ‬أستاذ‭ ‬أو‭ ‬أستاذ‭ ‬مشارك‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬فقدان‭ ‬موظف‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تعني‭ ‬خسارة‭ ‬خبرة‭ ‬علمية‭ ‬وبحثية‭ ‬وتراكم‭ ‬معرفي،‭ ‬ومدرسة‭ ‬أكاديمية‭ ‬كان‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تنقل‭ ‬تجربتها‭ ‬إلى‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة‭. ‬والأخطر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬تعويض‭ ‬هذه‭ ‬الكفاءات،‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬توافرت‭ ‬الإمكانات،‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬بين‭ ‬ليلة‭ ‬وضحاها؛‭ ‬فبناء‭ ‬الإنسان‭ ‬الأكاديمي‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬التأهيل‭ ‬والخبرة‭ ‬والممارسة‭.‬

المأساة‭ ‬الحقيقية‭ ‬أن‭ ‬الجامعات‭ ‬لا‭ ‬تفقد‭ ‬اليوم‭ ‬أسماءً‭ ‬وأرقاماً‭ ‬في‭ ‬كشوفات‭ ‬المرتبات،‭ ‬بل‭ ‬تفقد‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬ذاكرتها‭ ‬العلمية‭ ‬وهويتها‭ ‬الأكاديمية‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭ ‬والعطاء‭. ‬وما‭ ‬يُهدر‭ ‬اليوم‭ ‬قد‭ ‬تحتاج‭ ‬البلاد‭ ‬إلى‭ ‬عقود‭ ‬لاستعادته‭. ‬والأخطر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬كله‭ ‬احتمال‭ ‬نشوء‭ ‬فجوة‭ ‬بين‭ ‬الأجيال‭ ‬الأكاديمية؛‭ ‬بخروج‭ ‬جيل‭ ‬يمتلك‭ ‬الخبرة‭ ‬والتراكم‭ ‬العلمي‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتاح‭ ‬الفرصة‭ ‬للجيل‭ ‬الذي‭ ‬يليه‭ ‬لاكتساب‭ ‬هذه‭ ‬الخبرة‭ ‬ونقلها‭. ‬وهنا‭ ‬لا‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬خسارة‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬أعضاء‭ ‬هيئة‭ ‬التدريس‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬انقطاع‭ ‬محتمل‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬بناء‭ ‬المعرفة‭ ‬وإنتاجها‭ ‬وتوارثها‭ ‬داخل‭ ‬مؤسساتنا‭ ‬الجامعية‭.‬

إن‭ ‬الأستاذ‭ ‬الجامعي‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬موظف‭ ‬يتقاضى‭ ‬مرتباً‭ ‬مقابل‭ ‬ساعات‭ ‬تدريس،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الإنسان،‭ ‬وإنتاج‭ ‬المعرفة،‭ ‬وصناعة‭ ‬الوعي،‭ ‬وتطوير‭ ‬المجتمع‭. ‬والجامعة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬مبانٍ‭ ‬وقاعات‭ ‬دراسية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬عقل‭ ‬المجتمع‭ ‬وذاكرته‭ ‬العلمية‭ ‬ومحرك‭ ‬نهضته‭. ‬على‭ ‬أمل‭ ‬فيمن‭ ‬يمسكون‭ ‬بزمام‭ ‬المشهد‭ ‬اليوم‭ ‬أن‭ ‬يعوا‭ ‬ويدركوا،‭ ‬عمق‭ ‬هذه‭ ‬المأساة‭ ‬وأبعادها‭ ‬وتداعياتها‭ ‬على‭ ‬مستقبل‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭. ‬فالأمم‭ ‬التي‭ ‬تفرّط‭ ‬في‭ ‬علمائها‭ ‬وخبراتها‭ ‬لا‭ ‬تخسر‭ ‬حاضرها‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬ترهن‭ ‬مستقبل‭ ‬أجيالها‭ ‬أيضاً‭.‬

إن‭ ‬تهميش‭ ‬الأستاذ‭ ‬الجامعي‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬إضعاف‭ ‬للجامعة‭ ‬غداً،‭ ‬وإضعاف‭ ‬الجامعة‭ ‬هو‭ ‬إضعاف‭ ‬لمستقبل‭ ‬الوطن‮…‬‭ ‬كلنا‭ ‬أمل‭ ‬بأن‭ ‬يدرك‭ ‬صانعو‭ ‬القرار‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬نفقده‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬كفاءات‭ ‬وخبرات‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬السهل‭ ‬تعويضه‭ ‬غداً‭. ‬لله‭ ‬الأمر‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬ومن‭ ‬بعد،‭ ‬وهو‭ ‬المستعان‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يصفون‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى