مرايا

من أروقة المحاكم قهرني الفقر.. وخذوا مني صغاري ..!!

فايزة العجيلي

في‭ ‬أروقة‭ ‬مجمع‭ ‬المحاكم‭ ‬لا‭ ‬تُختصر‭ ‬الحكايات‭ ‬في‭ ‬أوراق‭ ‬القضايا‭ ‬وأحكام‭ ‬القضاة؛‭ ‬فخلف‭ ‬كل‭ ‬ملف‭ ‬وجع‭ ‬إنساني،‭ ‬وخلف‭ ‬بعض‭ ‬التنازلات‭ ‬حكايات‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬تفاصيلها‭ ‬إلا‭ ‬أصحابها‭. ‬هناك‭ ‬التقيتُ‭ ‬‮«‬أمًّا‭ ‬مطلقة‮»‬،‭ ‬تنازلت‭ ‬عن‭ ‬حضانة‭ ‬أطفالها‭ ‬الستة‭ ‬لوالدهم،‭ ‬لا‭ ‬لأنها‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تريدهم،‭ ‬بل‭ ‬لأنها‭ ‬خافت‭ ‬أن‭ ‬تعجز‭ ‬عن‭ ‬توفير‭ ‬حياة‭ ‬كريمة‭ ‬لهم‭. ‬واليوم،‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬المحكمة‭ ‬بقلب‭ ‬مثقل‭ ‬بالندم،‭ ‬وأمنية‭ ‬واحدة‭: ‬أن‭ ‬تستعيد‭ ‬أبناءها‭ ‬وتجد‭ ‬ما‭ ‬يعينها‭ ‬على‭ ‬تربيتهم‭.‬

تروي‭ ‬حكايتها‭ ‬بصوت‭ ‬تختلط‭ ‬فيه‭ ‬الحسرة‭ ‬بالخوف،‭ ‬وتقول‭: )‬أنا‭ ‬مطلقة‭ ‬وصغاري‭ ‬مع‭ ‬أبوهم،‭ ‬وعطيته‭ ‬حضانتهم،‭ ‬لكن‭ ‬والله‭ ‬مش‭ ‬قادرة‭ ‬نفارقهم‭. ‬طول‭ ‬اليوم‭ ‬بالي‭ ‬معاهم،‭ ‬وكل‭ ‬مرة‭ ‬يجيني‭ ‬شعورٌ‭ ‬إني‭ ‬ناخذهم‭ ‬ونضمّهم‭ ‬لحضني،‭ ‬لكن‭ ‬نفكر‭ ‬في‭ ‬المسؤولية‭ ‬ونقول‭: ‬كيف‭ ‬بنقدر‭ ‬عليهم‭ ‬وهم‭ ‬ستة؟‭(.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬قرارها‭ ‬سهلًا؛‭ ‬فالأم‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬همّ‭ ‬ستة‭ ‬أطفال‭ ‬تعرف‭ ‬أن‭ ‬الحب‭ ‬وحده‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬لتأمين‭ ‬احتياجاتهم،‭ ‬وأن‭ ‬الحنان‭ ‬لا‭ ‬يدفع‭ ‬إيجار‭ ‬المسكن‭ ‬ولا‭ ‬يوفر‭ ‬الطعام‭ ‬والملبس‭. ‬وبين‭ ‬رغبتها‭ ‬في‭ ‬احتضان‭ ‬أبنائها‭ ‬وخوفها‭ ‬من‭ ‬ضيق‭ ‬الحال،‭ ‬اختارت‭ ‬أن‭ ‬يبقوا‭ ‬مع‭ ‬أبيهم،‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬أن‭ ‬يجدوا‭ ‬لديه‭ ‬استقرارًا‭ ‬ماديًا‭ ‬افتقدت‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬توفيره‭.‬

لكن‭ ‬الحياة‭ ‬لم‭ ‬تمنحها‭ ‬راحة‭ ‬البال‭ ‬التي‭ ‬تصورتها‭. ‬فالأطفال‭ ‬الذين‭ ‬تركتهم‭ ‬في‭ ‬رعاية‭ ‬والدهم‭ ‬ظلوا‭ ‬حاضرين‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬يومها،‭ ‬بينما‭ ‬بقيت‭ ‬هي‭ ‬أسيرة‭ ‬سؤال‭ ‬يتكرر‭ ‬كلما‭ ‬اشتاقت‭ ‬إليهم‭: ‬هل‭ ‬كان‭ ‬تنازلها‭ ‬القرار‭ ‬الصحيح،‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬دفعت‭ ‬ثمن‭ ‬خوفها‭ ‬من‭ ‬الفقر‭ ‬بحرمان‭ ‬نفسها‭ ‬من‭ ‬أبنائها؟‭.‬

وتضيف‭:‬‭ )‬النفقة‭ ‬ما‭ ‬تسدش‭ ‬حتى‭ ‬أسبوع،‭ ‬وتقعدي‭ ‬تجري‭ ‬عليها‭ ‬باش‭ ‬يعطيهالك،‭ ‬وبعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬يمكن‭ ‬تتحصلي‭ ‬عليها‭. ‬وأنا‭ ‬نفكر‭ ‬لقدّام،‭ ‬الصغار‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يكبروا‭ ‬تكبر‭ ‬مسؤوليتهم،‭ ‬ونخاف‭ ‬نجيبهم‭ ‬عندي‭ ‬ونعيشهم‭ ‬عيشة‭ ‬قليلة‭ ‬ونظلمهم‭ ‬معاي‭(.‬

إنها‭ ‬لا‭ ‬تخشى‭ ‬المسؤولية‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاتها،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تخشى‭ ‬ألا‭ ‬تستطيع‭ ‬الوفاء‭ ‬بمتطلباتها‭. ‬فستة‭ ‬أطفال‭ ‬يحتاجون‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سقف‭ ‬يجمعهم؛‭ ‬يحتاجون‭ ‬إلى‭ ‬رعاية‭ ‬وتعليم‭ ‬وعلاج‭ ‬واحتياجات‭ ‬تتزايد‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬السنوات‭. ‬ومع‭ ‬محدودية‭ ‬إمكاناتها،‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬خيارين‭ ‬كلاهما‭ ‬موجع‭: ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬بعيدة‭ ‬عنهم،‭ ‬أو‭ ‬تستعيد‭ ‬حضانتهم‭ ‬وتواجه‭ ‬أعباء‭ ‬الحياة‭ ‬بما‭ ‬تملك‭.‬

وتقول‭ ‬بمرارة‭: ‬‭)‬توا‭ ‬هم‭ ‬مع‭ ‬بوهم،‭ ‬يقدر‭ ‬يتعايش‭ ‬مع‭ ‬الدنيا،‭ ‬كل‭ ‬شي‭ ‬قدامهم،‭ ‬ياكلوا‭ ‬ويلبسوا‭ ‬ويشربوا‭. ‬لكن‭ ‬لو‭ ‬خذيتهم،‭ ‬نخاف‭ ‬أبوهم‭ ‬ما‭ ‬عادش‭ ‬يسأل‭ ‬عليهم،‭ ‬ونلقى‭ ‬روحي‭ ‬نشقى‭ ‬ونشقيهم‭ ‬معاي،‭ ‬وهو‭ ‬يعيش‭ ‬مرتاح‭ ‬البال‭(.‬

اليوم،‭ ‬قررتْ‭ ‬الأم‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬القضاء،‭ ‬بعدما‭ ‬غلبها‭ ‬الحنين‭ ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التعايش‭ ‬مع‭ ‬غياب‭ ‬أبنائها‭. ‬وهي‭ ‬تطالب‭ ‬باستعادة‭ ‬حضانتهم،‭ ‬والحصول‭ ‬على‭ ‬نفقة‭ ‬مناسبة،‭ ‬وإيجاد‭ ‬حل‭ ‬لمسألة‭ ‬السكن،‭ ‬حتى‭ ‬تتمكن‭ ‬من‭ ‬استقبالهم‭ ‬وتوفير‭ ‬بيئة‭ ‬مستقرة‭ ‬لهم‭.‬

وتقول‭: ‬‭)‬أنا‭ ‬ندمت‭ ‬إني‭ ‬تنازلت‭ ‬على‭ ‬صغاري‭. ‬توا‭ ‬جاية‭ ‬للمحكمة‭ ‬ونبي‭ ‬نستأنف‭ ‬القرار،‭ ‬ونطالب‭ ‬بالنفقة‭ ‬وبدل‭ ‬السكن،‭ ‬لأني‭ ‬استاحشتهم‭ ‬ونبيهم‭ ‬معاي‭(.‬

حكاية‭ ‬هذه‭ ‬الأم‭ ‬تفتح‭ ‬ملفًا‭ ‬اجتماعيًا‭ ‬يتجاوز‭ ‬تجربتها‭ ‬الشخصية؛‭ ‬فحين‭ ‬تصبح‭ ‬الإمكانات‭ ‬المادية‭ ‬عاملًا‭ ‬حاسمًا‭ ‬في‭ ‬قرارات‭ ‬الحضانة،‭ ‬تبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬الوالدين‭ ‬واحتياجات‭ ‬الأطفال،‭ ‬وضمان‭ ‬تحمّل‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬مسؤولياته‭ ‬وفق‭ ‬القانون،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الخلافات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬الأبناء‭ ‬ثمنها‭.‬

فمصلحة‭ ‬الطفل‭ ‬لا‭ ‬تتحقق‭ ‬بالحنان‭ ‬وحده،‭ ‬ولا‭ ‬بالإنفاق‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬بتوفير‭ ‬الأمان‭ ‬والرعاية‭ ‬والاستقرار‭ ‬النفسي‭ ‬والمادي‭. ‬وتظل‭ ‬قرارات‭ ‬الحضانة‭ ‬والنفقة‭ ‬والسكن‭ ‬خاضعة‭ ‬لتقدير‭ ‬القضاء‭ ‬وفق‭ ‬القانون‭ ‬والمصلحة‭ ‬الفضلى‭ ‬للأطفال‭.‬

في‭ ‬نهاية‭ ‬اللقاء،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هذه‭ ‬الأم‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬حياة‭ ‬مثالية،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬فرصة‭ ‬تجمع‭ ‬فيها‭ ‬أبناءها‭ ‬تحت‭ ‬سقف‭ ‬واحد،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تضطر‭ ‬إلى‭ ‬الاختيار‭ ‬بين‭ ‬أمومتها‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬إعالتهم‭.‬

ويبقى‭ ‬سؤالها‭ ‬مفتوحًا‭ ‬أمام‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬مرّ‭ ‬بتجربة‭ ‬مشابهة‭: ‬‭)‬لو‭ ‬كنتوا‭ ‬مكاني،‭ ‬شن‭ ‬تديروا؟‭ ‬تخلو‭ ‬صغاركم‭ ‬مع‭ ‬بوهم‭ ‬خوفًا‭ ‬عليهم‭ ‬من‭ ‬الفقر،‭ ‬ولا‭ ‬تاخذوهم‭ ‬لحضنكم‭ ‬وتواجهوا‭ ‬الدنيا‭ ‬بيهم؟‭(.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى