مرايا

من أروقة المحاكم مشَت أسبوع.. لكنها غابت شهرين..!!

فايزة العجيلي

زوج‭ ‬شاب‭ ‬يطرق‭ ‬أبواب‭ ‬المحاكم‭: ‬زوجتي‭ ‬رفعتْ‭ ‬دعوى‭ ‬الطلاق‭ .. ‬وأنا‭ ‬آخر‭ ‬منْ‭ ‬يعلم‭ .. !!. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يتوقع‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬زيارة‭ ‬زوجته‭ ‬لأهلها‭ ‬التي‭ ‬اتفقا‭ ‬على‭ ‬ألا‭ ‬تتجاوز‭ ‬أسبوعًا،‭ ‬أو‭ ‬عشرة‭ ‬أيام،‭ ‬إلى‭ ‬غياب‭ ‬يمتد‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬شهرين،‭ ‬وأن‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬فجأة‭ ‬أمام‭ ‬احتمال‭ ‬انتهاء‭ ‬زواجه،‭ ‬بينما‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬طفلاه‭ ‬التوأم‭ ‬في‭ ‬عمر‭ ‬لم‭ ‬يتجاوز‭ ‬الشهرين‭.‬

حكاية‭ ‬بدأتْ‭ ‬بخلافات‭ ‬زوجية‭ ‬وصفها‭ ‬بالبسيطة،‭ ‬وانتهتْ‭ ‬بقطيعة‭ ‬وأسئلة‭ ‬كثيرة‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬لها‭ ‬إجابة‭.‬

في‭ ‬أروقة‭ ‬محكمة‭ ‬‮«‬باب‭ ‬بن‭ ‬غشير‮»‬،‭ ‬وبين‭ ‬الوجوه‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬همومها‭ ‬وتنتظر‭ ‬الفصل‭ ‬في‭ ‬نزاعاتها،‭ ‬لفت‭ ‬انتباهنا‭ ‬شابٌ‭ ‬في‭ ‬الثلاثينيات‭ ‬من‭ ‬عمره،‭ ‬كان‭ ‬يتحدث‭ ‬مع‭ ‬أحد‭ ‬المحامين‭ ‬بقلق‭ ‬واضح،‭ ‬سائلاً‭ ‬عن‭ ‬الإجراءات‭ ‬القانونية‭ ‬التي‭ ‬يمكنه‭ ‬اتخاذها‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬علم‭ ‬أن‭ ‬زوجته‭ ‬تطلب‭ ‬الطلاق،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعرف‭ ‬إن‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬رفعت‭ ‬دعوى‭ ‬بالفعل،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬أروقة‭ ‬المحكمة‭.‬

اقتربنا‭ ‬منه،‭ ‬فبدأ‭ ‬يروي‭ ‬حكايته،‭ ‬وكأنه‭ ‬يبحث‭ ‬عمن‭ ‬يسمعه‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يبحث‭ ‬عمن‭ ‬ينصفه‭.‬

يقول‭ ‬الشاب‭ ‬إن‭ ‬زواجه‭ ‬لم‭ ‬يكمل‭ ‬عامه‭ ‬الأول،‭ ‬وإن‭ ‬زوجته‭ ‬غادرتْ‭ ‬إلى‭ ‬منزل‭ ‬أهلها‭ ‬بعد‭ ‬اتفاق‭ ‬بينهما‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تمكث‭ ‬أسبوعًا،‭ ‬أو‭ ‬عشرة‭ ‬أيام،‭ ‬لكنه‭ ‬فوجئ‭ ‬لاحقًا‭ ‬بأنها‭ ‬أخذتْ‭ ‬جميع‭ ‬ملابسها‭ ‬ومقتنياتها‭ ‬الشخصية،‭ ‬ولم‭ ‬تترك‭ ‬في‭ ‬المنزل‭ ‬شيئًا‭ ‬تقريبًا‭.‬

في‭ ‬البداية،‭ ‬لم‭ ‬يتصور‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬المغادرة‭ ‬نهائية،‭ ‬وظن‭ ‬أنها‭ ‬مجرد‭ ‬فترة‭ ‬غضب‭ ‬عابرة،‭ ‬كما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬البيوت‭. ‬لكن‭ ‬الأيام‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬أسابيع،‭ ‬والأسابيع‭ ‬امتدت‭ ‬إلى‭ ‬شهرين،‭ ‬دون‭ ‬عودة،‭ ‬أو‭ ‬تواصل‭ ‬حقيقي‭.‬

ويضيف‭ ‬أن‭ ‬محاولاته‭ ‬المتكرَّرة‭ ‬للاتصال‭ ‬بزوجته‭ ‬كلها‭ ‬باءت‭ ‬بالفشل؛‭ ‬فلا‭ ‬هي‭ ‬تجيب‭ ‬عن‭ ‬اتصالاته،‭ ‬ولا‭ ‬أهلها‭ ‬يتجاوبون‭ ‬معه،‭ ‬رغم‭ ‬محاولاته‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬فرد‭ ‬من‭ ‬عائلتها‭ ‬لمعرفة‭ ‬ما‭ ‬يجري‭. ‬وظل‭ ‬معلقًا‭ ‬بين‭ ‬الانتظار‭ ‬والقلق،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬جاءه‭ ‬الرَّد‭ ‬من‭ ‬شقيقها‭ ‬بأن‭ ‬زوجته‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬ترغب‭ ‬في‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬الزوجية،‭ ‬وأنها‭ ‬تطلب‭ ‬الطلاق‭.‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬الصدمة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليه‭ ‬مجرد‭ ‬احتمال‭ ‬انتهاء‭ ‬الزواج،‭ ‬بل‭ ‬امتدتْ‭ ‬إلى‭ ‬مصير‭ ‬طفليه‭ ‬التوأم،‭ ‬اللذين‭ ‬لم‭ ‬يتجاوزا‭ ‬الشهرين‭. ‬فكيف‭ ‬ستُدار‭ ‬علاقته‭ ‬بهما؟‭. ‬وهل‭ ‬سيتمكن‭ ‬من‭ ‬رؤيتهما‭ ‬والاطمئنان‭ ‬عليهما؟‭. ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬ينتظره‭ ‬كأب‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬الانقطاع؟‭.‬

ويؤكد‭ ‬الشابُ‭ ‬أن‭ ‬الخلافات‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬مغادرة‭ ‬زوجته‭ ‬لم‭ ‬تكن،‭ ‬بحسب‭ ‬روايته،‭ ‬تتجاوز‭ ‬المشكلات‭ ‬المعتادة‭ ‬بين‭ ‬أي‭ ‬زوجين،‭ ‬ولم‭ ‬يتوقع‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬الأمور‭ ‬إلى‭ ‬القطيعة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬أن‭ ‬الحياة‭ ‬الزوجية‭ ‬لم‭ ‬تكمل‭ ‬عامها‭ ‬الأول‭.‬

بين‭ ‬الخصومة‭ ‬والقانون‭..‬

من‭ ‬يشرح‭ ‬له‭ ‬الطريق؟

ما‭ ‬زاد‭ ‬حيرته‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬إنَّ‭ ‬كانتْ‭ ‬زوجته‭ ‬قد‭ ‬بدأتْ‭ ‬بالفعل‭ ‬إجراءات‭ ‬قضائية،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬الأمرَ‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬مجرد‭ ‬رغبة‭ ‬معلنة‭ ‬بالطلاق‭. ‬لذلك‭ ‬بدأ‭ ‬يسأل‭ ‬عن‭ ‬حقه‭ ‬في‭ ‬معرفة‭ ‬تفاصيل‭ ‬الدعوى،‭ ‬وكيفية‭ ‬الحضور‭ ‬أمام‭ ‬المحكمة،‭ ‬وما‭ ‬الإجراءات‭ ‬التي‭ ‬تحفظ‭ ‬حقوقه‭ ‬وتضمن‭ ‬عدم‭ ‬انقطاع‭ ‬صلته‭ ‬بطفليه‭. ‬وبحسب‭ ‬قانون‭ ‬رقم‭ )‬10‭( ‬لسنة‭ ‬1984‭ ‬بشأن‭ ‬أحكام‭ ‬الزواج‭ ‬والطلاق‭ ‬وآثارهما،‭ ‬فإن‭ ‬طلب‭ ‬التطليق‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬انتهاء‭ ‬الزواج‭ ‬بمجرد‭ ‬تقديم‭ ‬الدعوى؛‭ ‬إذ‭ ‬تنص‭ ‬المادة‭ )‬36‭( ‬على‭ ‬تعيين‭ ‬حكمين‭ ‬لمحاولة‭ ‬الإصلاح‭ ‬بين‭ ‬الزوجين‭ ‬عند‭ ‬تعذر‭ ‬الاتفاق،‭ ‬فيما‭ ‬تتولى‭ ‬المحكمة‭ ‬الفصل‭ ‬في‭ ‬النزاع‭ ‬وفق‭ ‬الإجراءات‭ ‬القانونية‭ ‬إذا‭ ‬تعذر‭ ‬الصلح‭. ‬كما‭ ‬تنظم‭ ‬المادة‭ )‬39‭( ‬حالات‭ ‬التطليق‭ ‬القضائي‭ ‬وآثاره‭.‬

أما‭ ‬بشأن‭ ‬الطفلين،‭ ‬فتحدَّد‭ ‬المادة‭ )‬62‭( ‬أحكام‭ ‬الحضانة‭ ‬عند‭ ‬افتراق‭ ‬الزوجين،‭ ‬وتجعل‭ ‬مصلحة‭ ‬المحضون‭ ‬أساسًا‭ ‬مهمًا‭ ‬في‭ ‬تقدير‭ ‬المحكمة،‭ ‬فيما‭ ‬تشير‭ ‬المادة‭ )‬63‭( ‬إلى‭ ‬أحكام‭ ‬حضانة‭ ‬الصغير‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يستغني‭ ‬عن‭ ‬أمه‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬أن‭ ‬يلجأ‭ ‬الأبُ‭ ‬إلى‭ ‬محامٍ‭ ‬مختص‭ ‬لبحث‭ ‬الوسائل‭ ‬القانونية‭ ‬المتاحة‭ ‬لتنظيم‭ ‬تواصله‭ ‬مع‭ ‬طفليه‭ ‬والاطمئنان‭ ‬عليهما،‭ ‬دون‭ ‬الإضرار‭ ‬باستقرارهما‭ ‬ورعايتهما‭.‬

التوأم‭ ‬ليسا‭ ‬ورقة‭ ‬في‭ ‬الخلاف‭ ..!‬

هذه‭ ‬الحكاية،‭ ‬وإن‭ ‬كانتْ‭ ‬رواية‭ ‬طرف‭ ‬واحد،‭ ‬لكنها‭ ‬تفتح‭ ‬بابًا‭ ‬مهمًا‭ ‬للنقاش‭ ‬حول‭ ‬الخلافات‭ ‬الزوجية‭ ‬التي‭ ‬تتحوَّل‭ ‬إلى‭ ‬قطيعة‭ ‬صامته،‭ ‬يدفع‭ ‬الأطفالُ‭ ‬ثمن‭ ‬الخلاف‭ ‬بين‭ ‬الأبوين‭. ‬

فالزواج‭ ‬قد‭ ‬يتعثر،‭ ‬وقد‭ ‬يصبح‭ ‬الانفصالُ‭ ‬خيارًا‭ ‬لا‭ ‬مفر‭ ‬منه،‭ ‬لكن‭ ‬الأبوة،‭ ‬والأمومة‭ ‬مسؤولية‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬بانتهاء‭ ‬العلاقة‭ ‬الزوجية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬معالجة‭ ‬النزاع‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬رواية‭ ‬طرف‭ ‬واحد،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬سماع‭ ‬الطرفين‭ ‬ومعرفة‭ ‬أسباب‭ ‬المغادرة،‭ ‬وما‭ ‬إذا‭ ‬كانتْ‭ ‬هناك‭ ‬ظروفٌ،‭ ‬أو‭ ‬أضرارٌ‭ ‬لم‭ ‬تُذكر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الشهادة‭.‬

ويبقى‭ ‬السؤال‭: ‬لماذا‭ ‬تتحوَّل‭ ‬بعض‭ ‬الخلافات‭ ‬الزوجية‭ ‬إلى‭ ‬قطيعة‭ ‬طويلة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬الطرفان‭ ‬طريقهما‭ ‬إلى‭ ‬الحوار‭ ‬أو‭ ‬القضاء؟‭. ‬وهل‭ ‬أصبح‭ ‬الانفصالُ‭ ‬أسرعَ‭ ‬من‭ ‬محاولة‭ ‬الإصلاح،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬زيجات‭ ‬لم‭ ‬تكمل‭ ‬عامها‭ ‬الأول؟‭ .‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى