اقتصادالرئيسية

الدينار‭ ‬بين‭ ‬ضغوط‭ ‬السوق‭ ‬الموازي‭ ‬ومـحاولات الإنقاذ

‬ربيعة‭ ‬أبوالقاسم‭     

تشهد‭ ‬ليبيا‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الأزمات‭ ‬النقدية‭ ‬حدة‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬مع‭ ‬تسجيل‭ ‬سعر‭ ‬صرف‭ ‬الدينار‭ ‬الليبي‭ ‬تراجعًا‭ ‬لافتًا‭ ‬أمام‭ ‬العملات‭ ‬الأجنبية‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬الموازية،‭ ‬حيث‭ ‬تجاوز‭ ‬الدولار‭ ‬حاجز‭ ‬10‭ ‬دنانير‭ ‬خلال‭ ‬فبراير‭ ‬2026،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتحسن‭ ‬نسبيًا‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬8‭.‬85‭ ‬دينارًا‭ ‬في‭ ‬تداولات‭ ‬الأحد‭ ‬5‭ ‬أبريل2026‭.‬‮ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬استقر‭ ‬السعر‭ ‬الرسمي‭ ‬عند‭ ‬6‭.‬4061‭ ‬دينار‭ ‬للدولار،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬فجوة‭ ‬كبيرة‭ ‬بين‭ ‬السوقين‭.‬

هذا‭ ‬التباين‭ ‬الحاد‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬عامل‭ ‬ضغط‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬للمواطنين،‭ ‬وموجة تضخم‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق،‭ ‬تآكلت‭ ‬معها‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية،‭ ‬وتصاعدت‭ ‬على‭ ‬إثرها‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬السخط‭ ‬الشعبي‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭.‬

‮ ‬إجراءات‭ ‬نقدية‮…‬‭ ‬بين‭ ‬الاحتواء‭ ‬والرهان‭ ‬على‭ ‬الوقت

‮ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لاحتواء‭ ‬الأزمة،‭ ‬اتخذ‭ ‬مصرف‭ ‬ليبيا‭ ‬المركزي‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الإجراءات،‭ ‬أبرزها‭ ‬خفض‭ ‬الضريبة‭ ‬على‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي‭ ‬إلى‭ ‬15‭%‬،‭ ‬واستئناف‭ ‬منظومة‭ ‬الأغراض‭ ‬الشخصية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬زيادة‭ ‬حصة‭ ‬الفرد‭ ‬السنوية‭ ‬من‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي،‭ ‬وفتح‭ ‬اعتمادات‭ ‬مستندية‭ ‬لصغار‭ ‬التجار‭ ‬وضخ سيولة‭ ‬إضافية‭ ‬عبر‭ ‬طباعة‭ ‬نحو‭ ‬60‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭ ‬لتعويض‭ ‬العملة‭ ‬المسحوبة،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬قرار‭ ‬خفض‭ ‬القيمة‭ ‬الرسمية‭ ‬للدينار‭ ‬بنسبة‭ ‬14‭.‬7‭%‬،‭ ‬بهدف‭ ‬تقليص‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬السعرين‭ ‬الرسمي‭ ‬والموازي‭. ‬وفي‭ ‬تطور‭ ‬لافت،‭ ‬كشف‭ ‬مصدر‭ ‬مسؤول‭ ‬بالمصرف‭ ‬المركزي‭ ‬عن‭ ‬ترتيبات‭ ‬جديدة‭ ‬تستهدف‭ ‬تقليص‭ ‬هامش‭ ‬المضاربة‭ ‬ليقترب‭ ‬سعر‭ ‬الصرف‭ ‬من‭ ‬مستوى‭ ‬7‭.‬90‭ ‬دينار‭ ‬للدولار،‭ ‬مع‭ ‬تعزيز‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬أدوات‭ ‬الدفع‭ ‬المصرفية‭ ‬مثل‭ ‬الصكوك‭ ‬والحوالات،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬التداول‭ ‬النقدي‭ ‬الذي‭ ‬يغذي‭ ‬السوق‭ ‬الموازية‭.‬

وتتزامن‭ ‬هذه‭ ‬التحركات‭ ‬مع‭ ‬تحسن‭ ‬ملحوظ‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬العالمية‭ ‬التي‭ ‬تجاوزت‭ ‬113‭ ‬دولارًا‭ ‬للبرميل،‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الليبي‭ ‬متنفسًا‭ ‬مؤقتًا‭ ‬لدعم‭ ‬احتياطيات‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي‭.‬

جذور‭ ‬الأزمة‭: ‬اختلالات‭ ‬هيكلية‭ ‬عميقة

ورغم‭ ‬تعدد‭ ‬الإجراءات،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الأزمة‭ ‬النقدية‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬أسباب‭ ‬هيكلية‭ ‬معقدة،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬الانقسام‭ ‬السياسي‭ ‬والمؤسسي،‭ ‬الذي‭ ‬تعيشه‭ ‬البلاد‭ ‬منذ‭ ‬سنوات،‮ ‬انعكست‭ ‬آثاره‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬وأضعف‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬العملة‭ ‬المحلية،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الليبي‭ ‬شديد‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬النفط،‭ ‬ما‭ ‬يجعله‭ ‬عرضة‭ ‬لتقلبات‭ ‬الإنتاج‭ ‬والأسعار‭ ‬العالمية،‭ ‬إذ‭ ‬يؤدي‭ ‬أي‭ ‬تراجع‭ ‬في‭ ‬العوائد‭ ‬النفطية‭ ‬إلى‭ ‬نقص‭ ‬حاد‭ ‬في‭ ‬الدولار‭ ‬داخل‭ ‬السوق

ويضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬الإنفاق‭ ‬العام،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬بند‭ ‬المرتبات‭ ‬والدعم،‭ ‬دون‭ ‬وجود‭ ‬ميزانية‭ ‬موحدة،‭ ‬ما‭ ‬يشكل‭ ‬ضغطًا‭ ‬متزايدًا‭ ‬على‭ ‬احتياطيات‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي‭.‬

أما‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬النقدي،‭ ‬فقد‭ ‬ساهمت‭ ‬الزيادة‭ ‬الكبيرة‭ ‬في‭ ‬الكتلة‭ ‬النقدية،‭ ‬نتيجة‭ ‬طباعة‭ ‬العملة‭ ‬دون‭ ‬غطاء‭ ‬كافٍ،‭ ‬في‭ ‬تغذية‭ ‬التضخم‭ ‬وتعميق‭ ‬أزمة‭ ‬السيولة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أدى‭ ‬تقييد‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الدولار‭ ‬عبر‭ ‬القنوات‭ ‬الرسمية‭ ‬إلى‭ ‬تنشيط‭ ‬السوق‭ ‬الموازية،‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬المرجع‭ ‬الفعلي‭ ‬لسعر‭ ‬الصرف‭.‬

أبعاد‭ ‬اجتماعية‭ ‬مقلقة

لا‭ ‬تقتصر‭ ‬تداعيات‭ ‬الأزمة‭ ‬على‭ ‬المؤشرات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬البعد‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬حيث‭ ‬تشير‭ ‬تصريحات‭ ‬لوزير‭ ‬الاقتصاد‭ ‬السابق‭ ‬‮«‬محمد الحويج‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬الفقر‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬تصل‭ ‬30‭% ‬وفق‭ ‬المعايير‭ ‬الدولية‭.‬

هل‭ ‬تكفي‭ ‬الحلول‭ ‬النقدية؟

رغم‭ ‬التحركات‭ ‬الأخيرة‭ ‬للمصرف‭ ‬المركزي،‭ ‬يرى‭ ‬مراقبون‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬تظل‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬قصير‭ ‬الأجل،‭ ‬إذ‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬معالجة‭ ‬الأعراض‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬معالجة‭ ‬الأسباب‭ ‬الجذرية‭ ‬للأزمة‭.‬

ويؤكد‭ ‬خبراء‭ ‬أن‭ ‬استقرار‭ ‬الدينار‭ ‬الليبي‭ ‬يتطلب‭ ‬إطارًا‭ ‬وطنيًا‭ ‬موحدًا‭ ‬لإدارة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الكلي،‭ ‬يشمل‭ ‬توحيد‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية،‭ ‬وضبط‭ ‬الإنفاق‭ ‬العام،‭ ‬وتنويع‭ ‬مصادر‭ ‬الدخل‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬النفط،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إصلاحات‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬المصرفي،‭ ‬فهل تنجح‭ ‬إجراءات‭ ‬المركزي‭ ‬في‭ ‬كبح‭ ‬الأزمة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى