علمي

السبات الصيفي للمدارس

منى الساحلى

‮ ‬تتحول‭ ‬المدارس‭ ‬والمؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬كل‭ ‬عطلة‭ ‬صيفية‭ ‬إلى‭ ‬مقار‭ ‬مهجورة‭ ‬تسكنها‭ ‬الأتربة‭, ‬وتغلق‭ ‬أبوابها‭ ‬أمام‭ ‬ملايين‭ ‬الطلاب‭ ‬الذين‭ ‬يندفعون‭ ‬نحو‭ ‬فراغ‭ ‬قاتل‭ ‬يمتد‭ ‬لأشهر‭ ‬طويلة‭ ‬دون‭ ‬توجيه‭ ‬ويطرح‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬المتكرر‭ ‬علامات‭ ‬استفهام‭ ‬كبرى‭ ‬حول‭ ‬غياب‭ ‬الرؤية‭ ‬الاستثمارية‭ ‬لأصول‭ ‬الدولة‭ ‬التربوية‭ ‬ويدفعنا‭ ‬للمطالبة‭ ‬بضرورة‭ ‬فتح‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭, ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬أندية‭ ‬صيفية‭ ‬حكومية‭ ‬تحتضن‭ ‬طاقات‭ ‬الشباب‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬تركهم‭ ‬رصيداً‭ ‬مستباحاً‭ ‬للاستغلال‭ ‬المالي‭ ‬والأسعار‭ ‬الفلكية‭ ‬من‭ ‬قِبل‭ ‬المراكز‭ ‬والجهات‭ ‬الخاصة‭, ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬بناء‭ ‬المهارات‭ ‬ميزة‭ ‬حصرية‭ ‬للأسر‭ ‬الميسورة‭ ‬فقط‭ ‬وتحرم‭ ‬الغالبية‭ ‬العظمى‭ ‬من‭ ‬الطلاب‭ ‬بسبب‭ ‬عجز‭ ‬أولياء‭ ‬الأمور‭ ‬عن‭ ‬دفع‭ ‬التكاليف‭ ‬المرتفعة‭.‬

إن‭ ‬تحويل‭ ‬المدارس‭ ‬إلى‭ ‬نوادٍ‭ ‬صيفية‭ ‬عامة‭ ‬يمثل‭ ‬خطوة‭ ‬استراتيجية‭ ‬لتحقيق‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وتكافؤ‭ ‬الفرص‭ ‬بين‭ ‬أبناء‭ ‬المجتمع‭ ‬كما‭ ‬يوفر‭ ‬للأسر‭ ‬البيئة‭ ‬التربوية‭ ‬الأكثر‭ ‬أماناً‭ ‬ورقابة‭, ‬ويضمن‭ ‬تقديم‭ ‬محتوى‭ ‬تعليمي‭ ‬وترفيهي‭ ‬منضبط‭ ‬ومدروس‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬أهداف‭ ‬الربح‭ ‬التجاري‭ ‬السريع‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬كونه‭ ‬الاستغلال‭ ‬الأمثل‭ ‬لمرافق‭ ‬عامة‭ ‬كالملاعب‭ ‬ومختبرات‭ ‬الحاسوب‭ ‬والمكتبات‭ ‬التي‭ ‬كلفت‭ ‬الدولة‭ ‬مبالغ‭ ‬طائلة‭ ‬ومن‭ ‬الهدر‭ ‬الصارخ‭ ‬تجميدها‭ ‬وإغلاقها‭ ‬طوال‭ ‬ثلث‭ ‬العام‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬استغلالها‭ ‬لخدمة‭ ‬وتطوير‭ ‬المجتمع‭ ‬المحيط‭ ‬بها‭.‬

والتحجج‭ ‬بالصيانة‭ ‬المعتادة‭ ‬أو‭ ‬التكاليف‭ ‬التشغيلية‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مقبولاً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬وجود‭ ‬حلول‭ ‬عملية‭ ‬مرنة‭ ‬يمكن‭ ‬تطبيقها‭ ‬بالتنسيق‭ ‬بين‭ ‬قطاعات‭ ‬الدولة‭ ‬المختلفة‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يتطلب‭ ‬الأمر‭ ‬فتح‭ ‬جميع‭ ‬المدارس‭ ‬بل‭ ‬يمكن‭ ‬تخصيص‭ ‬مدرسة‭ ‬أو‭ ‬مدرستين‭ ‬مجهزتين‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬بلدية‭ ‬أو‭ ‬حي‭ ‬لتكونا‭ ‬بمثابة‭ ‬النادي‭ ‬الصيفي‭ ‬المركزي‭ ‬للمنطقة‭ ‬مما‭ ‬يقلص‭ ‬مصاريف‭ ‬التشغيل‭ ‬والصيانة‭ ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬الاعتماد‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬هذه‭ ‬الأندية‭ ‬على‭ ‬الخريجين‭ ‬الجدد‭ ‬من‭ ‬كليات‭ ‬التربية‭ ‬والتربية‭ ‬البدنية‭ ‬والفنون‭ ‬كفرص‭ ‬عمل‭ ‬مؤقتة‭ ‬أو‭ ‬تدريب‭ ‬عملي‭ ‬مما‭ ‬يوفر‭ ‬كلفة‭ ‬تشغيل‭ ‬الكوادر‭ ‬الرسمية‭, ‬ويضفي‭ ‬حيوية‭ ‬على‭ ‬البرامج‭ ‬المقدمة‭ ‬من‭ ‬لغات‭ ‬وبرمجة‭ ‬وورش‭ ‬فنية‭ ‬ومسابقات‭ ‬رياضية‭ ‬تضمن‭ ‬تفريغ‭ ‬طاقات‭ ‬الطلاب‭ ‬بشكل‭ ‬إيجابي‭ ‬وبناء‭ ‬شخصياتهم‭.. ‬إن‭ ‬بقاء‭ ‬المدارس‭ ‬مغلقة‭ ‬صيفاً‭ ‬هو‭ ‬تفريط‭ ‬في‭ ‬ثروة‭ ‬بشرية‭ ‬ولوجستية‭ ‬هائلة‭ ‬وإخلاء‭ ‬للساحة‭ ‬تماماً‭ ‬أمام‭ ‬استثمار‭ ‬تجاري‭ ‬خاص‭ ‬يثقل‭ ‬كاهل‭ ‬المواطن‭ ‬البسيط‭ ‬بمتطلباته‭ ‬المادية‭, ‬وقد‭ ‬حان‭ ‬الوقت‭ ‬لتتحمل‭ ‬المؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬مسؤوليتها‭ ‬المجتمعية‭ ‬بفتح‭ ‬أبوابها‭ ‬طوال‭ ‬العام‭ ‬واستعادة‭ ‬دورها‭ ‬كمنارة‭ ‬إشعاع‭ ‬وتنوير‭ ‬لا‭ ‬تنطفئ‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬شهور‭ ‬العطلة‭ ‬الصيفية‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى