
تتحول المدارس والمؤسسات التعليمية مع بداية كل عطلة صيفية إلى مقار مهجورة تسكنها الأتربة, وتغلق أبوابها أمام ملايين الطلاب الذين يندفعون نحو فراغ قاتل يمتد لأشهر طويلة دون توجيه ويطرح هذا المشهد المتكرر علامات استفهام كبرى حول غياب الرؤية الاستثمارية لأصول الدولة التربوية ويدفعنا للمطالبة بضرورة فتح هذه المؤسسات, وتحويلها إلى أندية صيفية حكومية تحتضن طاقات الشباب بدلاً من تركهم رصيداً مستباحاً للاستغلال المالي والأسعار الفلكية من قِبل المراكز والجهات الخاصة, التي تجعل من بناء المهارات ميزة حصرية للأسر الميسورة فقط وتحرم الغالبية العظمى من الطلاب بسبب عجز أولياء الأمور عن دفع التكاليف المرتفعة.
إن تحويل المدارس إلى نوادٍ صيفية عامة يمثل خطوة استراتيجية لتحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص بين أبناء المجتمع كما يوفر للأسر البيئة التربوية الأكثر أماناً ورقابة, ويضمن تقديم محتوى تعليمي وترفيهي منضبط ومدروس بعيداً عن أهداف الربح التجاري السريع بالإضافة إلى كونه الاستغلال الأمثل لمرافق عامة كالملاعب ومختبرات الحاسوب والمكتبات التي كلفت الدولة مبالغ طائلة ومن الهدر الصارخ تجميدها وإغلاقها طوال ثلث العام بدلاً من استغلالها لخدمة وتطوير المجتمع المحيط بها.
والتحجج بالصيانة المعتادة أو التكاليف التشغيلية لم يعد مقبولاً في ظل وجود حلول عملية مرنة يمكن تطبيقها بالتنسيق بين قطاعات الدولة المختلفة حيث لا يتطلب الأمر فتح جميع المدارس بل يمكن تخصيص مدرسة أو مدرستين مجهزتين في كل بلدية أو حي لتكونا بمثابة النادي الصيفي المركزي للمنطقة مما يقلص مصاريف التشغيل والصيانة كما يمكن الاعتماد في إدارة هذه الأندية على الخريجين الجدد من كليات التربية والتربية البدنية والفنون كفرص عمل مؤقتة أو تدريب عملي مما يوفر كلفة تشغيل الكوادر الرسمية, ويضفي حيوية على البرامج المقدمة من لغات وبرمجة وورش فنية ومسابقات رياضية تضمن تفريغ طاقات الطلاب بشكل إيجابي وبناء شخصياتهم.. إن بقاء المدارس مغلقة صيفاً هو تفريط في ثروة بشرية ولوجستية هائلة وإخلاء للساحة تماماً أمام استثمار تجاري خاص يثقل كاهل المواطن البسيط بمتطلباته المادية, وقد حان الوقت لتتحمل المؤسسات التعليمية مسؤوليتها المجتمعية بفتح أبوابها طوال العام واستعادة دورها كمنارة إشعاع وتنوير لا تنطفئ حتى في شهور العطلة الصيفية.


