
أفرز التطور المتسارع في وسائل الاتصال وتقنيات المعلومات أنماطاً جديدة من السلوك الإجرامي، كان من أبرزها النصب الإلكتروني، الذي انتقل بجريمة الاحتيال من صورتها التقليدية إلى بيئة رقمية تتسم بالسرعة واتساع نطاق الضحايا وصعوبة التعرف على مرتكب الفعل في بعض الحالات. ولم يعد المحتال بحاجة إلى مواجهة المجني عليه أو التعامل معه بصورة مباشرة، بل أصبح بإمكانه استخدام حسابات وهمية، أو إعلانات مضللة، أو رسائل إلكترونية، أو منصات التواصل الاجتماعي لاستدراج الضحية والحصول على مال أو منفعة دون وجه حق.
ويجد تجريم هذا السلوك في التشريع الليبي أساسه في القواعد العامة لجريمة النصب، إلى جانب الأحكام الخاصة بالجرائم الإلكترونية. فقد عرّفت المادة «461»من قانون العقوبات جريمة النصب باعتبارها الحصول على نفع غير مشروع للنفس أو للغير إضراراً بالآخرين باستعمال طرق احتيالية، أو بالتصرف في مال لا يملكه الجاني، أو باستعمال اسم كاذب أو صفة غير صحيحة
وبذلك فإن استخدام الوسيلة الإلكترونية لا يغيّر بالضرورة من الطبيعة القانونية للفعل، متى توافرت عناصر النصب من سلوك احتيالي وقصد جنائي ونتيجة تمثلت في حصول الجاني على منفعة غير مشروعة ووقوع الضرر بالمجني عليه.
وقد عزز المشرّع الليبي الحماية الجنائية للفضاء الرقمي بإصدار القانون رقم «5» لسنة 2022 بشأن مكافحة الجرائم الإلكترونية، الذي عرّف الجريمة الإلكترونية وربطها باستخدام أنظمة الحاسب الآلي أو شبكة المعلومات الدولية أو غيرها من وسائل تقنية المعلومات بالمخالفة للقانون. كما نص القانون على تجريم بعض الأفعال التي قد تشكل أدوات أو وسائل لتنفيذ الاحتيال الإلكتروني، ومن بينها إحداث ضرر مادي بالغير من خلال التلاعب بالبيانات المعلوماتية بقصد الحصول دون وجه حق على منفعة مادية.
وتظهر أهمية التكييف القانوني للنصب الإلكتروني في أن الواقعة الواحدة قد تتضمن أكثر من سلوك إجرامي؛ فقد يبدأ الجاني بانتحال صفة أو إنشاء حساب وهمي، ثم يستعمل بيانات أو وسائل إلكترونية مضللة لإقناع الضحية، وينتهي الأمر بتحويل أموال أو تسليمه بيانات مصرفية. وفي هذه الحالات لا ينظر إلى التقنية باعتبارها غاية في ذاتها، وإنما باعتبارها وسيلة استُخدمت للوصول إلى النتيجة الإجرامية. ويؤكد القانون رقم «5» لسنة 2022 هذا التكامل من خلال إقراره تطبيق أحكام قانون العقوبات والقوانين المكملة عندما تُرتكب جريمة تقليدية باستخدام الشبكة المعلوماتية أو أي نظام معلوماتي
غير أن خصوصية النصب الإلكتروني تبرز بصورة واضحة في «مرحلة الإثبات والتحقيق»؛ فالدليل قد يتمثل في محادثة إلكترونية، أو بيانات تحويل مصرفي، أو رقم هاتف، أو بريد إلكتروني، أو عنوان حساب، أو بيانات تقنية مرتبطة بالجهاز المستخدم. ولذلك فإن سلامة جمع الدليل الإلكتروني وحفظه وتوثيق إجراءات الوصول إليه تعد مسألة جوهرية أمام القضاء، خصوصاً أن مشروعية الدليل وسلامة إجراءات استخراجه قد تكون محل مناقشة. وتشير الدراسات القانونية الليبية إلى إمكانية الاستناد إلى القواعد العامة في قانون الإجراءات الجنائية، مع ضرورة مراعاة الطبيعة الخاصة للدليل الإلكتروني وحفظه بطريقة تضمن سلامة نسبته وعدم العبث بمحتواه
ومن ثم، فإن مواجهة النصب الإلكتروني لا تقتصر على تشديد العقوبة، بل تتطلب تكامل عمل أجهزة إنفاذ القانون والنيابة العامة والقضاء، ورفع كفاءة التعامل مع الأدلة الرقمية، ونشر الوعي المجتمعي بمخاطر مشاركة البيانات والتحويلات المالية غير الموثوقة. فالجريمة الإلكترونية قد تكون افتراضية في وسيلتها، لكنها حقيقية في آثارها وضحاياها وأموالها، الأمر الذي يجعل التصدي لها مسؤولية قانونية وأمنية ومجتمعية متكاملة.


