مرايا

بين العيب والخوف .. أمراض تتخبّأ وبيوت تتضرّر

فايزة العجيلي

وفي‭ ‬محاولة‭ ‬لمعالجة‭ ‬هذا‭ ‬الخلَّل،‭ ‬تعمل‭ ‬الوزارة‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬الجانب‭ ‬التوعوي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ربط‭ ‬منحة‭ ‬الزواج‭ ‬بحضور‭ ‬دورات‭ ‬تأهيلية،‭ ‬مع‭ ‬التوجه‭ ‬نحو‭ ‬إدراج‭ ‬جلسات‭ ‬متخصصة‭ ‬للمصارحة‭ ‬الصحية،‭ ‬تضمن‭ ‬فهم‭ ‬نتائج‭ ‬الفحوصات‭ ‬وآثارها‭ ‬المستقبلية‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الاكتفاء‭ ‬باستلام‭ ‬التقارير‭ ‬الطبية‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬المشكلة‭ ‬لا‭ ‬تقف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬القانون‭. ‬فبحسب‭ ‬مختصين،‭ ‬يظل‭ ‬العامل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬العوائق‭ ‬أمام‭ ‬نجاح‭ ‬ثقافة‭ ‬المصارحة‭. ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬كثيرون‭ ‬ينظرون‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬الأمراض‭ ‬باعتبارها‭ ‬وصمة‭ ‬يجب‭ ‬إخفاؤها‭ ‬خوفًا‭ ‬من‭ ‬رفض‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬أحكام‭ ‬المجتمع‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬برزتْ‭ ‬مبادرة‭ )‬ميثاق‭ ‬الأمان‭ ‬الأسري‭( ‬التي‭ ‬طُرحتْ‭ ‬خلال‭ ‬ندوة‭ ‬علمية‭ ‬بمدينة‭ ‬الزاوية،‭ ‬بهدف‭ ‬توسيع‭ ‬مفهوم‭ ‬الفحص‭ ‬قبل‭ ‬الزواج‭ ‬ليشمل‭ ‬الجوانب‭: ‬

‭)‬الصحية،‭ ‬والنفسية،‭ ‬والقانونية،‭ ‬والدينية‭(. ‬وترى‭ ‬أ‭.‬نعيمة‭ ‬سلامة،‭ ‬رئيس‭ ‬لجنة‭ ‬الندوة،‭ ‬أن‭ ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬نقص‭ ‬القوانين‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬الثقافة‭ ‬السائدة‭ ‬التي‭ ‬تفضل‭ ‬الصمت‭ ‬على‭ ‬المواجهة،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يترتب‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬أضرارٍ‭ ‬مستقبلية‭.‬

من‭ ‬الناحية‭ ‬القانونية،‭ ‬تؤكد‭ ‬المستشار‭ ‬القانوني‭ ‬أ‭.‬د‭. ‬ناجية‭ ‬العطراق‭ ‬أن‭ ‬الزواج‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬الرضا‭ ‬الكامل‭ ‬والمستنير،‭ ‬وإن‭ ‬إخفاء‭ ‬مرض‭ ‬مؤثر‭ ‬عن‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭ ‬قد‭ ‬يُعد‭ ‬تدليسًا‭ ‬يمس‭ ‬جوهر‭ ‬العقد‭.‬

وتشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التشريعات‭ ‬الليبية‭ ‬تتيح‭ ‬طلب‭ ‬فسخ‭ ‬الزواج‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬التي‭ ‬يثبت‭ ‬فيها‭ ‬وجود‭ ‬ضرر،‭ ‬أو‭ ‬إخفاء‭ ‬متعمد‭ ‬لمعلومات‭ ‬جوهرية،‭ ‬مؤكدة‭ ‬أن‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬سرية‭ ‬المعلومات‭ ‬الصحية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مبررًا‭ ‬للإضرار‭ ‬بالآخرين‭.‬

أما‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬فتوضح‭ ‬د‭.‬عائشة‭ ‬التاورغي‭ ‬أن‭ ‬ثقافة‭ ‬‮«‬العيب‮»‬‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تدفع‭ ‬البعض‭ ‬إلى‭ ‬تجنب‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬المشكلات‭ ‬الصحية‭ ‬قبل‭ ‬الزواج،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬الثقة‭ ‬والوضوح‭ ‬يمثلان‭ ‬أساس‭ ‬أي‭ ‬علاقة‭ ‬مستقرة‭. ‬وتؤكد‭ ‬أن‭ ‬الأسر‭ ‬التي‭ ‬تُبنى‭ ‬على‭ ‬الإخفاء‭ ‬تواجه‭ ‬غالبًا‭ ‬أزمات‭ ‬عميقة‭ ‬عند‭ ‬ظهور‭ ‬الحقائق‭ ‬لاحقًا،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬فقدان‭ ‬الثقة‭ ‬وتهديد‭ ‬استقرار‭ ‬الحياة‭ ‬الزوجية‭.‬

الأطباء‭ ‬بدورهم‭ ‬يحذرون‭ ‬من‭ ‬خطورة‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الفحص‭ ‬الطبي‭ ‬باعتباره‭ ‬إجراءً‭ ‬شكليًا‭. ‬وتوضح‭ ‬د‭.‬عائشة‭ ‬الشريف‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الأمراض‭ ‬الوراثية‭ ‬أو‭ ‬المعدية‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تظهر‭ ‬أعراضها‭ ‬في‭ ‬المراحل‭ ‬الأولى،‭ ‬لكنها‭ ‬قد‭ ‬تترك‭ ‬آثارًا‭ ‬صحية‭ ‬خطيرة‭ ‬على‭ ‬الزوجين‭ ‬أو‭ ‬الأبناء‭ ‬مستقبلًا‭. ‬وتؤكد‭ ‬أن‭ ‬المشكلة‭ ‬ليستْ‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬المرض‭ ‬بحد‭ ‬ذاته،‭ ‬فالكثير‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬يمكن‭ ‬التعايش‭ ‬معها‭ ‬أو‭ ‬علاجها،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬إخفائه‭ ‬أو‭ ‬تجاهله‭ ‬وعدم‭ ‬التعامل‭ ‬معه‭ ‬بشفافية‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭. ‬ويجمع‭ ‬المختصون‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تداعيات‭ ‬صحية‭ ‬واجتماعية‭ ‬واقتصادية‭ ‬متعددة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬زيادة‭ ‬معدلات‭ ‬انتقال‭ ‬بعض‭ ‬الأمراض‭ ‬الوراثية‭ ‬والمعدية،‭ ‬وارتفاع‭ ‬نسب‭ ‬الخلافات‭ ‬والطلاق‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬اكتشاف‭ ‬معلومات‭ ‬مخفية‭ ‬بعد‭ ‬الزواج،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الأعباء‭ ‬المالية‭ ‬المترتبة‭ ‬على‭ ‬العلاج‭ ‬والرعاية‭ ‬الصحية‭.‬

ويرى‭ ‬خبراء‭ ‬أن‭ ‬الحل‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬تطوير‭ ‬التشريعات‭ ‬المنظمة‭ ‬للفحص‭ ‬الطبي‭ ‬قبل‭ ‬الزواج،‭ ‬وتعزيز‭ ‬برامج‭ ‬التوعية‭ ‬المجتمعية،‭ ‬وتحويل‭ ‬الفحص‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬ورقة‭ ‬رسمية‭ ‬إلى‭ ‬فرصة‭ ‬حقيقية‭ ‬للحوار‭ ‬والمصارحة‭ ‬والمسؤولية‭ ‬المشتركة‭.‬

في‭ ‬النهاية،‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بإجراء‭ ‬إداري‭ ‬أو‭ ‬توقيع‭ ‬على‭ ‬نموذج‭ ‬طبي،‭ ‬بل‭ ‬بمستقبل‭ ‬أسرة‭ ‬كاملة‭. ‬فالمصارحة‭ ‬الصحية‭ ‬ليست‭ ‬مصدرًا‭ ‬للحرج‭ ‬أو‭ ‬الخوف،‭ ‬بل‭ ‬حق‭ ‬للطرفين‭ ‬وأساس‭ ‬لعلاقة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الثقة‭ ‬والوضوح‭.‬

وبين‭ ‬الصمت‭ ‬والحقيقة،‭ ‬يبقى‭ ‬السؤال‭ ‬مطروحًا‭: ‬هل‭ ‬نواجه‭ ‬الواقع‭ ‬منذ‭ ‬البداية،‭ ‬أم‭ ‬نتركه‭ ‬يتحوَّل‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬بعد‭ ‬فوات‭ ‬الأوان؟‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى