رأي

حديقة حيوان طرابلس.. سعر الدخول مرهون بـ «الملامح»!

رضا فحيل البوم

عقب‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬الإغلاق‭ ‬لغرض‭ ‬الصيانة‭ ‬والتطوير،‭ ‬فتحت‭ ‬حديقة‭ ‬الحيوان‭ ‬بالعاصمة‭ ‬طرابلس‭ ‬أبوابها‭ ‬مجدداً‭ ‬أمام‭ ‬الزوار‭ ‬في‭ ‬مارس‭ ‬الماضي،‭ ‬لتسجل‭ ‬عودة‭ ‬المرفق‭ ‬الترفيهي‭ ‬الوحيد‭ ‬من‭ ‬نوعه‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬منذ‭ ‬تأسيسه‭ ‬عام‭ ‬1985‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تجربة‭ ‬زيارتها‭ ‬الأولى‭ ‬رفقة‭ ‬أطفالي‭ ‬يوم‭ ‬السبت‭ ‬19‭ ‬سبتمبر‭ ‬تركت‭ ‬انطباعاً‭ ‬يمزج‭ ‬بين‭ ‬الفرحة‭ ‬والدهشة،‭ ‬بسبب‭ ‬آلية‭ ‬تنظيمية‭ ‬غريبة‭ ‬تتبعها‭ ‬الإدارة‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬أسعار‭ ‬الدخول‭.‬

أمام‭ ‬شباك‭ ‬التذاكر،‭ ‬يصطف‭ ‬الجميع‭ ‬في‭ ‬هدوء؛‭ ‬وتبلغ‭ ‬قيمة‭ ‬التذكرة‭ ‬10‭ ‬دنانير‭ ‬للبالغين‭ ‬و5‭ ‬دنانير‭ ‬للأطفال‭ ‬فوق‭ ‬سن‭ ‬الثالثة،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يُطلب‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬إثبات‭ ‬الهوية‭ ‬أو‭ ‬الجنسية‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الموقف‭ ‬يتغير‭ ‬تماماً‭ ‬عند‭ ‬بوابة‭ ‬الدخول؛‭ ‬فإذا‭ ‬اشتبه‭ ‬موظف‭ ‬البوابة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الزائر‭ ‬‮«‬غير‭ ‬ليبي‮»‬،‭ ‬يُطلب‭ ‬منه‭ ‬العودة‭ ‬فوراً‭ ‬إلى‭ ‬شباك‭ ‬التذاكر‭ ‬لشراء‭ ‬تذكرة‭ ‬خاصة‭ ‬بالأجانب‭ ‬بقيمة‭ ‬50‭ ‬ديناراً‭ ‬أي‭ ‬خمسة‭ ‬أضعاف‭ ‬السعر‭ ‬المحدد‭ ‬للمواطن‭.‬

وعند‭ ‬الاستفسار‭ ‬من‭ ‬الموظف‭ ‬المسؤول‭ ‬عن‭ ‬المعيار‭ ‬المعتمد‭ ‬لتمييز‭ ‬المواطن‭ ‬عن‭ ‬غيره،‭ ‬يأتي‭ ‬الجواب‭ ‬أن‭ ‬التمييز‭ ‬يتم‭ ‬أولاً‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬‮«‬الشكل‭ ‬والملامح‮»‬،‭ ‬وعند‭ ‬مناقشته‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬أجانب‭ ‬لا‭ ‬يختلفون‭ ‬في‭ ‬ملامحهم‭ ‬عن‭ ‬الليبيين،‭ ‬ينتقل‭ ‬إلى‭ ‬المعيار‭ ‬الثاني‭ ‬وهو‭ ‬‮«‬اللهجة‮»‬‭! ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المنطق‭ ‬يتهاوى‭ ‬أيضاً‭ ‬أمام‭ ‬وجود‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المقيمين‭ ‬الأجانب‭ ‬ممن‭ ‬يتقنون‭ ‬اللهجة‭ ‬الليبية‭ ‬بطلاقة‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬تمييزهم‭.‬

إن‭ ‬هذه‭ ‬الآلية‭ ‬في‭ ‬التمييز‭ ‬تفتح‭ ‬باباً‭ ‬واسعاً‭ ‬للتساؤل‭ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬جدواها‭ ‬وعدالتها؛‭ ‬فالممارسة‭ ‬الفعلية‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الفئات‭ ‬التي‭ ‬يسهل‭ ‬تمييزها‭ ‬بملامحها‭ ‬الظاهرة‭ ‬كالعمالة‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬أفريقيا‭ ‬جنوب‭ ‬الصحراء‭ ‬أو‭ ‬جنوب‭ ‬آسيا‭ ‬الضحية‭ ‬الأولى‭ ‬لهذا‭ ‬الفارق‭ ‬الشاسع‭ ‬في‭ ‬السعر،‭ ‬بينما‭ ‬يتنقل‭ ‬أجانب‭ ‬آخرون‭ ‬بحرية‭ ‬وبسعر‭ ‬التذكرة‭ ‬العادي‭ ‬لمجرد‭ ‬تقارب‭ ‬ملامحهم‭ ‬أو‭ ‬إتقانهم‭ ‬للهجة‭ ‬المحلية‭.‬

تطرح‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬سؤالاً‭ ‬جوهرياً‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الحديقة‭ ‬والجهات‭ ‬المشرفة‭ ‬عليها‭: ‬هل‭ ‬يعقل‭ ‬اعتماد‭ ‬منطق‭ ‬التكهن‭ ‬والفرز‭ ‬العشوائي‭ ‬على‭ ‬البوابات‭ ‬لمعاملة‭ ‬الزوار؟‭ ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬سياسة‭ ‬تسعير‭ ‬متباينة‭ ‬بين‭ ‬المواطن‭ ‬والسياح،‭ ‬فلماذا‭ ‬لا‭ ‬تُدار‭ ‬بأسلوب‭ ‬قانوني‭ ‬وتنظيمي‭ ‬واضح‭ ‬يرتكز‭ ‬على‭ ‬وثائق‭ ‬إثبات‭ ‬الهوية‭ ‬عند‭ ‬الشباك،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬ترك‭ ‬الأمر‭ ‬لتقديرات‭ ‬شخصية‭ ‬عند‭ ‬البوابة‭ ‬تُنتج‭ ‬تمييزاً‭ ‬غير‭ ‬متكافئ‭ ‬بين‭ ‬الزوار؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى