تقارير

ساحات مسلوبة .. عوائد ضائعة .. من يملك حق البيع والشراء في ساحات المدارس ..؟

منى الساحلي

من‭ ‬يملك‭ ‬حق‭ ‬البيع‭ ‬والشراء‭ ‬في‭ ‬أسوار‭ ‬المدرسة؟

في‭ ‬ظل‭ ‬تزايد‭ ‬وتيرة‭ ‬الخصخصة‭ ‬غير‭ ‬المعلنة‭ ‬للمرافق‭ ‬التعليمية،‭ ‬تشهد‭ ‬الساحات‭ ‬المدرسية‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬تحولاً‭ ‬مثيراً‭ ‬للجدل‭ ‬من‭ ‬فضاءات‭ ‬تربوية‭ ‬مخصصة‭ ‬للطلاب‭ ‬إلى‭ ‬ملاعب‭ ‬معشبة‭ ‬ومشاريع‭ ‬تجارية‭ ‬تخدم‭ ‬مصالح‭ ‬ضيقة،

فقد‭ ‬تصاعدت‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭ ‬حدة‭ ‬التحذيرات‭ ‬من‭ ‬ظاهرة‭ ‬استنزاف‭ ‬الفضاءات‭ ‬التربوية‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬استثمارات‭ ‬خاصة‭ ‬تنهك‭ ‬جسد‭ ‬التعليم‭ ‬العام،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬البحث‭ ‬المعلوماتي‮ ‬فقد‭ ‬كشفت‭ ‬متابعات‭ ‬ميدانية‭ ‬عن‭ ‬تحول‭ ‬نحو‭ ‬22‭% ‬من‭ ‬الساحات‭ ‬المدرسية‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬المراكز المكتظة‭ ‬إلى‭ ‬ملاعب‭ ‬معشبة‭ ‬ومرافق‭ ‬تجارية‭ ‬مؤجرة،‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬‮«‬قضم‮»‬‭ ‬ممنهجة‭ ‬للمساحات‭ ‬التي‭ ‬خصصتها‭ ‬الدولة‭ ‬أصلاً‭ ‬لتنفس‭ ‬الطلاب‭ ‬وممارسة‭ ‬أنشطتهم‭ ‬البدنية،‭ ‬وتفيد‭ ‬البيانات‭ ‬التحليلية‭ ‬لواقع‭ ‬هذه‭ ‬الاستثمارات‭ ‬بأن‭ ‬متوسط‭ ‬دخل‭ ‬الملعب‭ ‬‮ ‬الواحد‭ ‬داخل‭ ‬أسوار‭ ‬المدرسة‭ ‬يتراوح‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬3500‭ ‬إلى‭ ‬6000‭ ‬دينار‭ ‬شهرياً،‭ ‬اعتماداً‭ ‬على‭ ‬الموقع‭ ‬وكثافة‭ ‬الحجز،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المساحات‭ ‬تولد‭ ‬عوائد‭ ‬سنوية‭ ‬ضخمة‭ ‬تُقدر‭ ‬بعشرات‭ ‬الآلاف،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الصدمة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬التقارير‭ ‬المالية‭ ‬الداخلية‭ ‬لبعض‭ ‬تلك‭ ‬المدارس‭ ‬تثبت‭ ‬أن‭ ‬نصيب‭ ‬‮«‬صندوق‭ ‬النشاط‭ ‬المدرسي‮»‬‭ ‬أو‭ ‬ميزانية‭ ‬الصيانة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المبالغ‭ ‬يكاد‭ ‬يكون‭ ‬معدوماً‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬في‭ ‬أفضل‭ ‬الحالات‭ ‬نسبة‭ ‬3‭%‬،‭ ‬بينما‭ ‬تذهب‭ ‬الكتلة‭ ‬الكبرى‭ ‬من‭ ‬الأرباح‭ ‬لمستثمرين‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬المنظومة‭ ‬التعليمية‭ ‬بموجب‭ ‬اتفاقات‭ ‬شفهية‭ ‬أو‭ ‬عقود‭ ‬‮«‬باطن‮»‬‭ ‬غير‭ ‬موثقة‭ ‬لدى‭ ‬الجهات‭ ‬الرقابية‭ ‬العليا،‭ ‬وبالتوازي‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الهدر‭ ‬المالي،‭ ‬يعاني‭ ‬الطلاب‭ ‬من‭ ‬تراجع‭ ‬حاد‭ ‬في‭ ‬جودة‭ ‬البيئة‭ ‬المدرسية،‭ ‬حيث‭ ‬تشير‭ ‬إحصاءات‭ ‬تربوية‭ ‬إلى‭ ‬انخفاض‭ ‬المساحة‭ ‬المخصصة‭ ‬لكل‭ ‬طالب‭ ‬في‭ ‬الساحة‭ ‬من‭ ‬4‭ ‬أمتار‭ ‬مربعة‭ ‬إلى‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬1‭.‬5‭ ‬متر‭ ‬مربع‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬هذه‭ ‬الإنشاءات،‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬معدلات‭ ‬المشاجرات‭ ‬الطلابية‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬الازدحام‭ ‬بنسبة‭ ‬12‭%‬،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬حرمان‭ ‬نحو‭ ‬60%‭ ‬من‭ ‬الطلاب‭ ‬من‭ ‬ممارسة‭ ‬حصة‭ ‬التربية‭ ‬البدنية‭ ‬بشكلها‭ ‬الصحيح‭ ‬بحجة‭ ‬‮«‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬ارضية‭ ‬الملعب‮»‬‭ ‬لزبائن‭ ‬الفترة‭ ‬المسائية،‭ ‬ولا‭ ‬يتوقف‭ ‬الأمر‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬الآثار‭ ‬لتشمل‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬للمدرسة،‭ ‬إذ‭ ‬رُصدت‭ ‬زيادة‭ ‬مطردة‭ ‬في‭ ‬فواتير‭ ‬استهلاك‭ ‬المياه‭ ‬والكهرباء‭ ‬بنسب‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬25‭% ‬و30‭% ‬نتيجة‭ ‬التشغيل‭ ‬المكثف‭ ‬لكشافات‭ ‬الإنارة‭ ‬الليلية‭ ‬التي‭ ‬تظل‭ ‬تعمل‭ ‬حتى‭ ‬ساعات‭ ‬الفجر،‭ ‬وهي‭ ‬أعباء‭ ‬مالية‭ ‬إضافية‭ ‬تُحمل‭ ‬على‭ ‬كاهل‭ ‬الميزانية‭ ‬العامة‭ ‬للدولة‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬تعويض‭ ‬من‭ ‬المستفيد‭ ‬الخاص،‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬يضع‭ ‬وزارة‭ ‬التعليم‭ ‬أمام‭ ‬مسؤولية‭ ‬تاريخية‭ ‬لمواجهة‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬الفساد‭ ‬العقاري‭ ‬المدرسي‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬أصبح‭ ‬الطالب‭ ‬مجرد‭ ‬شاهد‭ ‬عيان‭ ‬على‭ ‬بيع‭ ‬فضاءاته‭ ‬التعليمية،‭ ‬وسط‭ ‬صمت‭ ‬مريب‭ ‬من‭ ‬مكاتب‭ ‬التفتيش‭ ‬التربوي‭ ‬التي‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬بعضها‭ ‬غض‭ ‬الطرف‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬التجاوزات‭ ‬التي‭ ‬تضرب‭ ‬مبدأ‭ ‬تكافؤ‭ ‬الفرص‭ ‬وحق‭ ‬الوصول‭ ‬المجاني‭ ‬للمرافق‭ ‬العامة،‭ ‬مما‭ ‬يستوجب‭ ‬فتح‭ ‬تحقيق‭ ‬شامل‭ ‬في‭ ‬قانونية‭ ‬هذه‭ ‬العقود‭ ‬وإعادة‭ ‬توجيه‭ ‬كل‭ ‬دينار‭ ‬يجنى‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الساحات‭ ‬لخدمة‭ ‬الفصول‭ ‬الدراسية‭ ‬والمختبرات‭ ‬التي‭ ‬يئن‭ ‬بعضها‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬الإهمال‭ ‬والفقر‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى