اقتصاد

موسم الجـــــز (عرس الغنم)

متابعة وتصوير / سالم العيادي المحجوب

من‭ ‬‮«‬قرار‭ ‬عباس‮»‬‭ ‬شمال‭ ‬غرب‭ ‬منطقة‭ ‬العسة،‭ ‬وعلى‭ ‬مشارف‭ ‬الحدود‭ ‬الليبية‭ ‬التونسية،‭ ‬وعلى‭ ‬بُعد‭ ‬30‭ ‬كيلومترصا،‭ ‬كان‭ ‬لنا‭ ‬موعدٌ‭ ‬مع‭ ‬موسم‭ ‬من‭ ‬أجمل‭ ‬المواسم‭ ‬التراثية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬ألا‭ ‬وهو‭ ‬موسم‭ ‬جزّ‭ ‬الأغنام،‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬يُعرف‭ ‬محلياً‭ ‬بـ‭ )‬عرس‭ ‬الغنم‭(‬،‭ ‬الذي‭ ‬ينطلق‭ ‬منتصف‭ ‬شهر‭ ‬مارس‭ ‬حتى‭ ‬نهاية‭ ‬شهر‭ ‬مايو‭ ..‬انطلقنا‭ ‬مع‭ ‬ساعات‭ ‬الصباح‭ ‬الأولى‭ ‬إلى‭ ‬عين‭ ‬المكان،‭ ‬فوجدنا‭ ‬صاحب‭ ‬القطيع،‭ ‬يوسف‭ ‬أبوالقاسم‭ ‬الرحيبي،‭ ‬في‭ ‬انتظارنا‭ ‬رفقة‭ ‬الرجال‭ ‬الذين‭ ‬حضروا‭ ‬لمساعدته‭..‬وكما‭ ‬جرت‭ ‬العادة،‭ ‬يكون‭ ‬صاحب‭ ‬الغنم‭ ‬قد‭ ‬جهّز‭ ‬أدوات‭ ‬الجزّ‭ ‬‮«‬المقصّات‮»‬،‭ ‬وشحذها‭ ‬جيدًا‭ ‬باستخدام‭ ‬الرحى،‭ ‬استعدادًا‭ ‬ليوم‭ ‬عمل‭ ‬طويل‭ .. ‬بدأت‭ ‬العملية‭ ‬مع‭ ‬اكتمال‭ ‬حضور‭ ‬الجميع،‭ ‬وسط‭ ‬أجواء‭ ‬مليئة‭ ‬بالحيوية‭ ‬والنشاط؛‭ ‬حيث‭ ‬يتم‭ ‬تصريع‭ ‬‮«‬تقييد‮»‬‭ ‬الأغنام‭ ‬لتسهيل‭ ‬عملية

‭ ‬الجزّ‭ ‬الصوف‭ ‬دون‭ ‬عناء‭. ‬وخلال‭ ‬العمل‭ ‬تتردد‭ ‬عبارات‭ ‬شعبية‭ ‬تعكس‭ ‬روح‭ ‬التعاون،‭ ‬مثل‭: ‬ارحمها‭ ‬شور‭ ‬غلمها‭ .. ‬فيرد‭ ‬الآخر‭: ‬يرحم‭ ‬مولاك‭.. ‬سلّم‭ ‬يمناك‭.‬

ولم‭ ‬تخلُ‭ ‬الأجواء‭ ‬من‭ ‬الفن‭ ‬الشعبي؛‭ ‬حيث‭ ‬يتقدم‭ ‬أحد‭ ‬‮«‬الجزازين‮»‬‭ ‬ممن‭ ‬يمتلكون‭ ‬صوتًا‭ ‬جميلاً،‭ ‬مردّدًا‭ ‬أهازيج‭ ‬‮«‬المهاجاة‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬نوعٌ‭ ‬من‭ ‬الغناء‭ ‬الشعبي‭ ‬الذي‭ ‬يمجّد‭ ‬النعاج‭ ‬والكباش،‭ ‬ويذكر‭ ‬محاسنها‭ ‬وخيراتها،‭ ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬تبدأ‭ ‬بالصلاة‭ ‬على‭ ‬النبي‭ ‬‭: ‬أول‭ ‬ما‭ ‬نبدأ‭ ‬انقول‮…‬‭ ‬يا‭ ‬ناشر‭ ‬القول‮…‬‭ ‬بالصلاة‭ ‬على‭ ‬الرسول‭ .. ‬وتتواصل‭ ‬الأهازيج‭ ‬بين‭ ‬المنشد‭ ‬وبقية‭ ‬الحاضرين،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬العملية‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬مراحلها،‭ ‬وهي‭ ‬جزّ‭ ‬الكبش؛‭ ‬حيث‭ ‬تتعالى‭ ‬الأصوات‭ ‬بالأهازيج،‭ ‬ومنها‭: ‬الكبش‭ ‬لدرع‭ ‬يابولحلوح‮…‬‭ ‬يا‭ ‬واسع‭ ‬الدوحة‮…‬‭ ‬بايت‭ ‬يشجر‭ ‬مجروح‭ ‬في‭ ‬وصف‭ ‬دقيق‭ ‬لهيئة‭ ‬الكبش‭ ‬ومميزاته،‭ ‬و«لدرع‮»‬‭ ‬تعني‭ ‬سواد‭ ‬الأرجل،‭ ‬و«اللحلوح‮»‬‭ ‬غلظ‭ ‬أسفل‭ ‬الرقبة،‭ ‬و«الدوحة‮»‬‭ ‬كبر‭ ‬البطن‭..‬ومن‭ ‬الأهازيج‭ ‬أيضاً‭: ‬الكبش‭ ‬لدرع‭ ‬يا‭ ‬بو‭ ‬الزليمات‮…‬‭ ‬جيّاب‭ ‬الفطيمات‮…‬‭ ‬عليه‭ ‬يزغرتوا‭ ‬النديدات‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬أهمية‭ ‬الكبش‭ ‬كونه‭ ‬سبباً‭ ‬في‭ ‬تكاثر‭ ‬القطيع؛‭ ‬حيث‭ ‬تزغرد‭ ‬النساء‭ ‬فرحاً‭ ‬به‭..‬أما‭ ‬وجبة‭ ‬الإفطار،‭ ‬فهي‭ ‬تقليدية‭ ‬بامتياز‭: ‬عصيدة‭ ‬بالسمن،‭ ‬والتمر‭ ‬واللبن،‭ ‬ويتكفل‭ ‬صاحب‭ ‬القطيع‭ ‬بإطعام‭ ‬جميع‭ ‬الحاضرين،‭ ‬بل‭ ‬ويختار‭ ‬ذبيحة‭ ‬حسب‭ ‬عدد‭ ‬الضيوف‭..‬وعند‭ ‬الانتهاء‭ ‬من‭ ‬جزّ‭ ‬القطيع‭ ‬بالكامل،‭ ‬يُقال‭: ‬‮«‬بيّضت‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬الأغنام‭ ‬أصبحت‭ ‬بيضاء‭ ‬بعد‭ ‬إزالة‭ ‬الصوف،‭ ‬ليبدأ‭ ‬بعدها‭ ‬جمع‭ ‬الصوف‭ ‬وربطه،‭ ‬وسط‭ ‬تهاني‭ ‬الحاضرين‭ ‬لصاحب‭ ‬الغنم‭:‬

ما‭ ‬شاء‭ ‬الله‮…‬‭ ‬الله‭ ‬يبارك…بالخير‭ ‬إن‭ ‬شاء‭ ‬الله

آراء‭ ‬المشاركين‭:‬

محمد‭ ‬الرحيبي‭ ‬من‭ ‬الرحيبات‭ ‬عبّر‭ ‬عن‭ ‬سعادته‭ ‬بالحضور،‭ ‬مؤكدًا‭ ‬أن‭ ‬‮«‬عرس‭ ‬الغنم‮»‬‭ ‬مناسبة‭ ‬ينتظرها‭ ‬لما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬أجواء‭ ‬جميلة‭ ‬وروح‭ ‬اجتماعية‭ ‬مميزة‭ .. ‬أما‭ ‬صاحب‭ ‬القطيع‭ ‬يوسف‭ ‬أبوالقاسم‭ ‬الرحيبي،‭ ‬فأشاد‭ ‬بتعاون‭ ‬الأصدقاء‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬المناطق،‭ ‬قائلاً‭: ‬‮«‬حمل‭ ‬الجماعة‭ ‬ريش‮»‬‭.‬

مشيراً‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬إلى‭ ‬معاناة‭ ‬المربين‭ ‬من‭ ‬غلاء‭ ‬الأعلاف‭ ‬وتأخر‭ ‬الأمطار،‭ ‬مطالباً‭ ‬بدعم‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ .. ‬وليد‭ ‬فرج‭ ‬العبدلي‭ ‬من‭ ‬الوشكة،‭ ‬أكد‭ ‬أن‭ ‬الأجواء‭ ‬تعكس‭ ‬روح‭ ‬‮«‬الفزعة‮»‬‭ ‬والتعاون،‭ ‬وهي‭ ‬قيم‭ ‬مشتركة‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬المناطق‭ .. ‬كما‭ ‬عبّر‭ ‬ضو‭ ‬الرحيبي‭ ‬عن‭ ‬اعتزازه‭ ‬بالمشاركة،‭ ‬متمنياً‭ ‬مزيدًا‭ ‬من‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالمربين‭ .. ‬وأجمع‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬ميلود‭ ‬نيني‭ ‬وعلي‭ ‬لحيمر‭ ‬وبشير‭ ‬خليفة‭ ‬النائلي‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬‮«‬عرس‭ ‬الغنم‮»‬‭ ‬مناسبة‭ ‬سنوية‭ ‬لتجديد‭ ‬اللقاء،‭ ‬وتعزيز‭ ‬روح‭ ‬العمل‭ ‬الجماعي‭.‬

ختاماً‭:‬

يبقى‭ ‬موسمُ‭ ‬جزّ‭ ‬الأغنام‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬عمل‭ ‬تقليدي،‭ ‬فهو‭ ‬موروثٌ‭ ‬اجتماعي‭ ‬وثقافي‭ ‬يجسد‭ ‬قيم‭ ‬التعاون‭ ‬والتكافل،‭ ‬ويعكس‭ ‬عمق‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الإنسان‭ ‬والأرض‭ ‬والحيوان،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬العمل‭ ‬والفرح‭ ‬والتراث‭ ‬الأصيل‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى