
سيكولوجية الاستهداف..
لماذا الشباب؟
الإجابة تكمن في طبيعة المرحلة العمرية. الباحث الأكاديمي وعضو جهاز مكافحة المخدرات بصرمان، زهير أرحومة، يضع يده على الجرح موضحاً أن المراهق تستهويه التجربة ويبحث عن إثبات الذات. مروجو السموم يدركون هذا الضعف جيداً، ويستغلون الفراغ والضغوط الأسرية لتسويق بضاعتهم، ليس في قوالبها المنفرة، بل كـ)عصا سحرية( تخفف التوتر أو ترفع معدلات التركيز.
تغيرت قواعد اللعبة؛ منصات التواصل الاجتماعي أصبحت منصات ترويج، والعلاقات الشخصية الفخ الأول. واتسعت دائرة الخطر لتشمل الحشيش، والمؤثرات العقلية، وصولاً إلى الشبو «الميثامفيتامين» والكوكايين، بل وحتى العقاقير الطبية المهربة من مسارها العلاجي لتتحول إلى معاول هدم للقدرات المعرفية والنفسية.
صدمة البدايات.. الفتيات وشهادة الأم
الكارثة لا تعترف بفروق جندرية. المحامية حنان زايد تحذر من اتساع دائرة الاستهداف لتشمل الفتيات، عبر خطوات تبدو في ظاهرها بريئة كالتدخين أو الانخراط في دوائر اجتماعية غير آمنة، لتنتهي بانهيار أسري وتعليمي.
الألم الحقيقي يتجسد داخل البيوت تروي إحدى الأمهات «فضلت حجب اسمها» بحرقة قصة سقوط نجلها، طالب الإعدادية، في فخ الحبوب المخدرة. التغيير لم يكن صاخباً في البداية؛ مجرد تراجع ملحوظ في دراسته، غياب متكرر، ومزاج متقلب بشكل حاد. اكتشاف الكارثة كان مجرد بداية لرحلة علاج نفسي وجسدي مضنية. نصيحتها الوحيدة تختصر الكثير: «راقبوا التغيرات المفاجئة، التدخل المبكر هو طوق النجاة».
العين الأمنية وسياج القانون
على الأرض، تتحرك الأجهزة الأمنية في سباق مع الزمن. رائد عبد اللطيف ميلاد، المدرب بجهاز المباحث الجنائية، يؤكد استمرار ضرب شبكات التهريب، لكنه يعلق نجاح هذه العمليات يعتمد على وعي مجتمعي يرفض التستر على المشبوهين ويبادر بالإبلاغ عنهم.
عميد د. عبد الله الشريف يوسع زاوية الرؤية، محذراً من أن المتعاطي لا يدمر جسده فحسب، بل يضرب بنية الأسرة والاقتصاد الوطني معاً.
ولسد الثغرات التشريعية والتنظيمية، يطرح القانوني عمر الشيباني حلاً عملياً: تأسيس منظومة إلكترونية وطنية تراقب صرف الأدوية النفسية وتربطها بالرقم الوطني والوصفات المعتمدة.
وتدعم المحامية فايزة إبراهيم هذا التوجه بالمطالبة بتفعيل التعاون الأمني والقضائي الدولي، لملاحقة رؤوس الشبكات التي تدير عملياتها من خارج الحدود وتغذي السوق المحلي.
هل اخترقت المخدرات أسوار المدارس؟
وسط هذه المخاوف، يبقى السؤال الأبرز: هل تحولتْ المدارس إلى بيئة للتعاطي؟ الإجابة الرسمية تأتي مطمئنة إلى حد كبير.
مستشار الشؤون العلمية، د. عبد الحكيم قنيوه، ينفي وجود مؤشرات أو بيانات تجعل من التعاطي ظاهرة داخل المؤسسات التعليمية. وهو ما تؤكده سهام يونس، رئيسة قسم التوعية بالمركز الوطني لمكافحة الأمراض، موضحة أن التجاوزات المرصودة تنحصر غالباً في استخدام التبغ و”النفة” «التبغ غير المدخن» بين بعض الطلاب.
لكن غياب الظاهرة لا يعني الاسترخاء. وزارة التعليم، وفقاً للدكتورة فوزية بن غشير، تتحرك وفق استراتيجية وقائية عبر تفعيل دور الإخصائيين النفسيين والاجتماعيين، واستثمار العطلات الصيفية في صقل مهارات الطلاب.
تتوج هذه الجهود بمبادرة “طريقك اختيارك” التي أطلقها قسم الخدمة الاجتماعية المدرسية بقيادة أ.عبد اللطيف يونس. المبادرة التي انطلقت من تاجوراء وتتمدد تدريجياً، تمثل مظلة وقائية ضخمة تجمع وزارات الداخلية والشؤون الاجتماعية مع المركز الوطني لمكافحة الأمراض ومؤسسات المجتمع المدني، لتحصين الطلاب وتدريب الكوادر المدرسية قبل وقوع الكارثة.
الكثير من طلبة الثانوية يتعاطون المخدرات وفق حالات الإيواء بالمؤسسات العلاجية
من جهته كشف رجب أبوجناح استشاري الصحة النفسية والمتخصص في علاج الإدمان من المخدرات، والمعروف بحضوره المؤثر والجاد، ودوره التوعوي على مستوى ليبيا، قائلاً: المؤسسات العلاجية في بلادنا تستقبل بالفعل حالات لطلبة في المرحلة الثانوية يعانون من تعاطي المخدرات.. وأوضح «أبوجناح» أن حالات الإيواء والعلاج تؤكد وجود هذه الفئة بين المتعاطين. وحول سؤالنا بشأن وجود تعاطي للمخدرات من عدمه بين أوساط الطلاب رد «أيوجناح» بالإيجاب مؤكداً: نعم، يوجد الكثير من طلبة الثانوية يتعاطون المخدرات وفق حالات الإيواء بالمؤسسات العلاجية، ولكن لا يوجد في ليبيا إحصاء دقيق بعد عام 2011.
رئيس نيابة مكافحة المخدرات:
المخدرات في كل مكان بما فيها المدارس
من جانبه قال د. حمزة الأخضر رئيس نيابة مكافحه المخدرات: المخدرات لم تعد تقتصر على أماكن محددة بل أصبحت موجودة في كل مكان، بما فيها المؤسسات التعليمية.
وأوضح «الأخضر» أن غياب قاعدة بيانات وطنية دقيقة لا يعني عدم وجود الظاهرة.. وأضاف لا توجد إحصائية شاملة عن انتشار المخدرات في المؤسسات التعليمية، وإن وجدت فهي محدودة لأن الجانب الاجتماعي يؤثر بشكل كبير على إنشاء قاعدة بيانات دقيقة.. ففي كثير من الحالات إذا اكتشفت إدارة المؤسسة التعليمية طالبًا يتعاطى المخدرات أو حتى يدخن يتم إبلاغ ولي أمره ليتصرف وادارة المدرسة لا تُوثق الحالة لتكون ضمن إحصاءات رسمية، وهو ما يجعل رصد حجم الظاهرة في المدارس أمرًا بالغ الصعوبة..
أما عن دور النيابة، فيؤكد أنه يقتصر على التحقيق في القضايا المتعلقة بالأشخاص الذين يتم القبض عليهم وإحالتهم للإجراءات القانونية.
وجود حالات فعلية ومقلقة بين طلاب وطالبات المرحلتين الإعدادية والثانوية
وأيضاً يؤكد أ.منصور ضو بشير نقيب عام نقابة الاختصاصيين الاجتماعيين والنفسيين، أنه لا توجد بعد عام 2011 إحصاءات حكومية دقيقة ترصد حجم انتشار المخدرات داخل المؤسسات التعليمية..
ويضيف «بشير» أن معظم الأرقام المتداولة تستند إلى تقديرات ميدانية وتقارير الجهات المختصة ومراكز علاج وتأهيل الإدمان. وأوضح «بشير» نقلاً عن أحد المتخصصين في التوعية المجتمعية في ليبيا أن نسبة الطلبة من إجمالي المدمنين الذين دخلوا مراكز العلاج قبل عام 2011 بلغت نحو 5.5 % وهي نسبة مرتفعة وفق المعايير العالمية..
وأشار إلى أن المتابعة الميدانية تكشف وجود حالات فعلية ومقلقة بين طلاب وطالبات المرحلتين الإعدادية والثانوية.. مرجعاً تفاقم الظاهرة إلى تداعيات سنوات الانقسام السياسي وما نتج عنها من ضعف الرقابة على المنافذ رغم الجهود الأمنية الحالية للحد من تهريب المخدرات..
وأكد «بشير» أن مواجهة الظاهرة لا تقتصر على الإجراءات الأمنية بل تتطلب تعزيز العمل الوقائي والتوعوي داخل المدارس من خلال الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين.
خط الدفاع الأول
المعركة إذن ليست أمنية خالصة. المستشار القانوني فتحي عبدالمولى يضع مكافحة المخدرات في إطار المسؤولية الوطنية الشاملة. وتتفق الناشطات في المجتمع المدني، رحمة أبو زيد «مؤسسة جوهرة طرابلس» ومديرة إدارة التدريب رحمة انفيص، والدكتورة حلومة وقاد، على حقيقة جوهرية: الأسرة هي حائط الصد الأول. الحوار المفتوح، وبناء الثقة، ودمج الشباب في الأنشطة الرياضية والثقافية، هي الأسلحة الأنجع لإفشال مخططات المروجين
الخلاصة، تكشف الشهادات والآراء التي جمعها التحقيق أن القضية تتطلب فبينما تؤكد الجهات الأمنية وجود محاولات مستمرة لاستهداف الشباب بأساليب استدراج متطورة تؤكد الجهات التربوية والصحية عدم وجود بيانات رسمية تثبت انتشار المخدرات داخل المؤسسات التعليمية بالمستوى الذي يشكل ظاهرة عامة.
ويتفق الجميع على أن حماية الطلاب مسؤولية وطنية مشتركة تبدأ من الأسرة وتمر بالمدرسة وتتكامل مع دور الأجهزة الأمنية والصحية والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني بما يعزز الوقاية المبكرة ويحافظ على بيئة تعليمية آمنة ومستقبل أكثر استقرارًا للأجيال القادمة.



