
بة بيت تطبخ وآخرى
« دليفيري..!! »
هل خسرت الكوجينة
معركتها أمام تطبيقات التوصيل؟!
مع اقتراب العشر الأواخر من شهر رمضان، تتبدل ملامح البيوت الليبية كما تتبدل ساعات النهار.. يهدأ الشارع قبيل الأذان، تشتعل المطابخ بالحركة، وتفوح رائحة الشوربة، والبريك من النوافذ، معلنة أن المائدة ليستْ مجرد طعام، بل عادة اجتماعية في هذا الشهر يتحوَّل إعداد الإفطار إلى مساحة للذاكرة، ولتجديد روابط العائلة، ولترسيخ عادات تناقلتها الأجيال.
لكن مع تسارع إيقاع الحياة، وتزايد أعباء العمل والدراسة، يطفو سؤال قديم بصيغة جديدة:
هل ما تزال الليبيات يتمسكن بالطهي المنزلي باعتباره روح رمضان، أم أن طلب الطعام الجاهز أصبح خياراً عمليًا تفرضه الضرورة؟
الفنانة ذكرى يونس ترى أن رمضان لا يكتمل إلا بأكل البيت، وتقول: أفضل إعداد وجبات الإفطار في البيت، لأنَّني في الأصل أميل لأكل البيت لجودته ونظافته أولًا، وثانيًا حتى استشعر أجواء رمضان، وأتحصل على أجر إفطار الصائمين من أهلي، ومن يزورنا من ضيوف. أما أكل المطاعم، فلا ألجأ إليه إلا إذا استدعت الضرورة القصوى.
أما الصحفية ريما الفلاني فتؤكد أن مائدتها «كلها في البيت .. مالح وحلو»، لأن أبناءها يفضلون طبخها على الأكل الجاهز، معتبرة أن المسألة ليستْ مجرد ذوق، بل ارتباط عاطفي بطعم الأم.
وتشارك نجاة عسكر – الموظفة – الرأي نفسه : كله تطييب في الحوش عيلتي مايحبوش الأكل من برا. يحبوا طعمنا ونوع البهارات اللي متعودين عليها، وطبخنا في رمضان يكون خفيفًا، زيوته قليلة، والمقليات شبه معدومة.
وتضيف الصحفية أحلام عرعارة بلمسة وجدانية: تجهيز الطعام في البيت في رمضان له طعم ورونق خاص جدًا .. مشاعر الحب والفرح والمسؤولية تكون حاضرة، ولمة العيلة قبل الأذان، وريحة الشربة، وإحساس التعب الحلو قبل الفطور… وأجر إفطار صائم هو أجمل هدية من الله.
المطاعم .. خيار الضرورة لا الترف
في المقابل، هناك من ترى أن الواقع تغير، وأن المطبخ لم يعد متاحًا دائمًا بالهدوء نفسه.
إحدى السيدات تقول بصراحة : نفضل الأكل الجاهز مع خدمة توصيل… ييجي سخون وجاهز. ما عنديش خلوق انطيب، خاصة بعد يوم طويل. المهم نفطر مرتاحة، ونلحق نرتاح قبل السهرة.
رأي آخر لامرأة عاملة في الرقابة الإدارية وجدتها مع نهاية الدوام جنب سيارتها ولا تريد ذكر اسمها توجهت لها بالسؤال فاجابتْ: اعتدتُ نمطًا مختلفًا؛ تعودتُ نتعاقد مع مطعم طول الشهر، وكل يوم ويومه يوصل الأكل. شغلي متعب جدًا، وما يسعفنيش الوقت. الأهم إن المائدة تكون جاهزة، حتى لو مش من إيدي. بالنسبة لهؤلاء، المطاعم ليستْ تخليًا عن روح رمضان، بل وسيلة للتكيف مع مسؤوليات متراكمة، حيث تتحول الخدمة الجاهزة إلى حل عملي يضمن استمرارية اللمة دون إنهاك.
ترى الاختصاصية الاجتماعية عفاف من مدرسة قرطبة أن الاختيار بين الطبخ المنزلي والطعام الجاهز لا يعكس صراعًا بين «الأصالة»، و«الحداثة»، بقدر ما يعكس تحولات في بنية الأسرة الليبية. خروج المرأة للعمل، وتغير أنماط الحياة، وظهور خدمات التوصيل السريعة، كلها عوامل أعادتْ تشكيل مفهوم المائدة الرمضانية.دففي الماضي كان الوقت متاحًا، وكانت الأدوار محددة بوضوح داخل الأسرة. أما اليوم، فالمعادلة اختلفت، وأصبح التوازن بين العمل والأسرة هو التحدي الأكبر.
ختامًا : بين رائحة الشوربة التي تختزن ذاكرة الأمهات، وصندوق الطعام الذي يصل ساخنا إلى الباب، تقف الليبية أمام خيارين… كلاهما يسعى لحفظ جوهر اللحظة: اجتماع العائلة حول المائدة وقت الأذان.
قد يختلف مصدر الطعام، لكن ما لا يختلف هو الرغبة في أن تكون المائدة عامرة، والقلوب مطمئنة، والبيت دافئًا.
ففي النهاية، ليس السؤال: من طهى؟
بل: هل اجتمعنا؟



