
من يملك حق البيع والشراء في أسوار المدرسة؟
في ظل تزايد وتيرة الخصخصة غير المعلنة للمرافق التعليمية، تشهد الساحات المدرسية في العديد من المناطق تحولاً مثيراً للجدل من فضاءات تربوية مخصصة للطلاب إلى ملاعب معشبة ومشاريع تجارية تخدم مصالح ضيقة،
فقد تصاعدت في الآونة الأخيرة حدة التحذيرات من ظاهرة استنزاف الفضاءات التربوية وتحويلها إلى استثمارات خاصة تنهك جسد التعليم العام، ومن خلال البحث المعلوماتي فقد كشفت متابعات ميدانية عن تحول نحو 22% من الساحات المدرسية الكبرى في المراكز المكتظة إلى ملاعب معشبة ومرافق تجارية مؤجرة، في عملية «قضم» ممنهجة للمساحات التي خصصتها الدولة أصلاً لتنفس الطلاب وممارسة أنشطتهم البدنية، وتفيد البيانات التحليلية لواقع هذه الاستثمارات بأن متوسط دخل الملعب الواحد داخل أسوار المدرسة يتراوح ما بين 3500 إلى 6000 دينار شهرياً، اعتماداً على الموقع وكثافة الحجز، وهو ما يعني أن هذه المساحات تولد عوائد سنوية ضخمة تُقدر بعشرات الآلاف، إلا أن الصدمة تكمن في أن التقارير المالية الداخلية لبعض تلك المدارس تثبت أن نصيب «صندوق النشاط المدرسي» أو ميزانية الصيانة من هذه المبالغ يكاد يكون معدوماً أو لا يتجاوز في أفضل الحالات نسبة 3%، بينما تذهب الكتلة الكبرى من الأرباح لمستثمرين من خارج المنظومة التعليمية بموجب اتفاقات شفهية أو عقود «باطن» غير موثقة لدى الجهات الرقابية العليا، وبالتوازي مع هذا الهدر المالي، يعاني الطلاب من تراجع حاد في جودة البيئة المدرسية، حيث تشير إحصاءات تربوية إلى انخفاض المساحة المخصصة لكل طالب في الساحة من 4 أمتار مربعة إلى أقل من 1.5 متر مربع في المدارس التي شهدت هذه الإنشاءات، مما أدى إلى ارتفاع معدلات المشاجرات الطلابية الناتجة عن الازدحام بنسبة 12%، فضلاً عن حرمان نحو 60% من الطلاب من ممارسة حصة التربية البدنية بشكلها الصحيح بحجة «الحفاظ على ارضية الملعب» لزبائن الفترة المسائية، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تمتد الآثار لتشمل البنية التحتية للمدرسة، إذ رُصدت زيادة مطردة في فواتير استهلاك المياه والكهرباء بنسب تتراوح بين 25% و30% نتيجة التشغيل المكثف لكشافات الإنارة الليلية التي تظل تعمل حتى ساعات الفجر، وهي أعباء مالية إضافية تُحمل على كاهل الميزانية العامة للدولة دون أي تعويض من المستفيد الخاص، هذا الواقع يضع وزارة التعليم أمام مسؤولية تاريخية لمواجهة ما يمكن وصفه بـ «الفساد العقاري المدرسي»، حيث أصبح الطالب مجرد شاهد عيان على بيع فضاءاته التعليمية، وسط صمت مريب من مكاتب التفتيش التربوي التي يبدو أن بعضها غض الطرف عن هذه التجاوزات التي تضرب مبدأ تكافؤ الفرص وحق الوصول المجاني للمرافق العامة، مما يستوجب فتح تحقيق شامل في قانونية هذه العقود وإعادة توجيه كل دينار يجنى من هذه الساحات لخدمة الفصول الدراسية والمختبرات التي يئن بعضها تحت وطأة الإهمال والفقر.



