اجتماعي

استطلاع لم تعد الحوادث اليومية داخل المدارس تمرّ بصـمت كـمـا في السابق

مروة الغرياني

‮«‬من‭ ‬تركظلي‮»‬‭ ‬وحضن‭ ‬أخته‭ ‬إلى‭ ‬قــــــــــــــرارات‭ ‬الفصل‭ ‬نعالج‭  ‬أم‭  ‬نخفيه

في‭ ‬زمنٍ‭ ‬أصبحتْ‭ ‬فيه‭ ‬‮«‬الكاميرا‮»‬‭ ‬أقرب‭ ‬من‭ ‬الوعي،‭ ‬و«الترند‮»‬‭ ‬أسرع‭ ‬من‭ ‬الحقيقة،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الحوادث‭ ‬اليومية‭ ‬داخل‭ ‬المدارس‭ ‬تمرّ‭ ‬بصمتٍ‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬السابق،‭ ‬بل‭ ‬تتحوَّل‭ ‬في‭ ‬لحظاتٍ‭ ‬إلى‭ ‬قضايا‭ ‬رأي‭ ‬عام‭ ‬تُشعل‭ ‬الجدل،‭ ‬وتستدعي‭ ‬قرارات‭ ‬عاجلة،‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬امتصاص‭ ‬الغضب‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬معالجة‭ ‬الأسباب‭.‬

قضية‭ ‬الفيديو‭ ‬المتداول‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭: ‬‮«‬تركضلي‭ ‬وحضن‭ ‬أخته‮»‬‭ ‬تُعد‭ ‬نموذجًا‭ ‬صارخًا‭ ‬لهذه‭ ‬الظاهرة؛‭ ‬حيث‭ ‬جرى‭ ‬اجتزاء‭ ‬مشهد‭ ‬عفوي‭ ‬بين‭ ‬شقيقين‭ ‬داخل‭ ‬مؤسسة‭ ‬تعليمية،‭ ‬ليُقدَّم‭ ‬للرأي‭ ‬العام‭ ‬خارج‭ ‬سياقه،‭ ‬ويُبنى‭ ‬عليه‭ ‬سيل‭ ‬من‭ ‬الأحكام،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تنكشف‭ ‬الحقيقة‭ ‬لاحقًا‭ ‬وتصدر‭ ‬المدرسة‭ ‬اعتذارًا‭ ‬رسميًا‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬أعقب‭ ‬الحادثة‭ ‬كان‭ ‬أكثر‭ ‬تأثيرًا‭ ‬من‭ ‬الواقعة‭ ‬نفسها،‭ ‬إذ‭ ‬سارعتْ‭ ‬بعض‭ ‬الجهات‭ ‬التعليمية‭ ‬إلى‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬بالفصل‭ ‬بين‭ ‬الطلبة،‭ ‬والطالبات‭ ‬باعتبارها‭ ‬إجراءات‭ ‬وقائية‭ ‬لعدم‭ ‬تكرار‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬‮«‬التجاوزات‮»‬‭. ‬وهنا‭ ‬يبرز‭ ‬السؤال‭ ‬الأهم‭: ‬هل‭ ‬المنعُ‭ ‬حلّ‭ ‬فعلي،‭ ‬أم‭ ‬مجرد‭ ‬استجابة‭ ‬سريعة‭ ‬لضغط‭ ‬الشارع؟‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬الاستطلاع،‭ ‬نحاول‭ ‬تفكيك‭ ‬أبعاد‭ ‬القضية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬آراء‭ ‬مختصين،‭ ‬ومتابعين،‭ ‬للوقوف‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانتْ‭ ‬القرارات‭ ‬المتخذة‭ ‬تعالج‭ ‬جذور‭ ‬المشكلة،‭ ‬أم‭ ‬تُرحّلها‭ ‬إلى‭ ‬أشكال‭ ‬أخرى‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭.‬

تقول‭ ‬الاختصائية‭ ‬النفسية‭ ‬شهد‭ ‬عون‭:‬‭ ‬إن‭ ‬القرارات‭ ‬المبنية‭ ‬على‭ ‬المنع‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬حاسمة،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬كثيرٍ‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬تُخفي‭ ‬المشكلة‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬حلّها،‭ ‬موضحة‭ ‬أن‭ ‬التسرّع‭ ‬في‭ ‬إصدار‭ ‬الأحكام‭ ‬دون‭ ‬دراسة‭ ‬نفسية‭ ‬وتربوية‭ ‬يُربك‭ ‬الطالب‭ ‬ويُشعره‭ ‬بعدم‭ ‬الأمان‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسة‭ ‬التعليمية‭.‬

وتضيف‭ ‬أن‭ ‬الطالب‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬العمرية‭ ‬يتأثر‭ ‬بشدة‭ ‬بنظرة‭ ‬المجتمع،‭ ‬وعندما‭ ‬يُعاقب‭ ‬بشكل‭ ‬جماعي،‭ ‬أو‭ ‬يُحرم‭ ‬من‭ ‬بيئة‭ ‬تعليمية‭ ‬طبيعية،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬قد‭ ‬سينعكس‭ ‬سلبًا‭ ‬على‭ ‬سلوكه‭ ‬وثقته‭ ‬بنفسه‭.‬

وترى‭ ‬عون‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬الإرشاد‭ ‬النفسي‭ ‬داخل‭ ‬المدارس‭ ‬يُعد‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬أسباب‭ ‬تضخّم‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬القضايا،‭ ‬مؤكدة‭ ‬أن‭ ‬وجود‭ ‬مختصين‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬التدخل‭ ‬المبكر‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬يمنع‭ ‬انتشار‭ ‬الحادثة‭ ‬بهذا‭ ‬الشكل،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬يحدّ‭ ‬من‭ ‬آثارها‭ ‬النفسية‭ ‬والاجتماعية‭.‬

من‭ ‬جانبه‭ ‬يرى‭ ‬الباحث‭ ‬الاجتماعي‭ ‬نادر‭ ‬دغمان‭ ‬أن‭ ‬الإشكال‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬الطلاب‭ ‬والطالبات‭ ‬داخل‭ ‬فضاء‭ ‬تعليمي‭ ‬واحد،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬‮«‬ضعف‭ ‬الوعي‭ ‬وغياب‭ ‬الضوابط‭ ‬المنظمة‭ ‬للسلوك‭ ‬داخل‭ ‬المدارس‮»‬‭.‬

ويؤكد‭ ‬أن‭ ‬الفصل‭ ‬قد‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬تكرار‭ ‬الحادثة‭ ‬في‭ ‬الظاهر،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يمنع‭ ‬ظهورها‭ ‬بشكل‭ ‬مختلف،‭ ‬مشددًا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الحل‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬ثقافة‭ ‬المسؤولية،‭ ‬ووضع‭ ‬قواعد‭ ‬واضحة‭ ‬لاستخدام‭ ‬الهواتف،‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬المنع‭ ‬كخيار‭ ‬أول‭.‬

ويضيف‭ ‬دغمان‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الترندات‮»‬‭ ‬اليوم‭ ‬أصبحتْ‭ ‬لاعبًا‭ ‬رئيسًا‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬الرأي‭ ‬العام،‭ ‬وغالبًا‭ ‬ما‭ ‬تدفع‭ ‬المؤسسات‭ ‬لاتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬سريعة‭ ‬تحت‭ ‬الضغط،‭ ‬دون‭ ‬منح‭ ‬الوقت‭ ‬الكافي‭ ‬لدراسة‭ ‬أبعاد‭ ‬القضية‭.‬

أما‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع،‭ ‬فتقول‭ ‬الطالبة‭ ‬الجامعية‭ ‬شيماء‭ ‬عبد‭ ‬الوهاب‮  ‬المشكلة‭ ‬مش‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬المختلطة،‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬تفكيرنا‭ ‬كمجتمع‭. ‬نحكم‭ ‬بسرعة‭ ‬ونشارك‭ ‬الفيديوهات‭ ‬دون‭ ‬ما‭ ‬نعرف‭ ‬الحقيقة‭..‬وتضيف‭: ‬اللي‭ ‬صار‭ ‬خلانا‭ ‬نحس‭ ‬إن‭ ‬أي‭ ‬تصرف‭ ‬ممكن‭ ‬يتحوَّل‭ ‬لفضيحة،‭ ‬وهذا‭ ‬يخلق‭ ‬خوفًا‭ ‬وضغطًا‭ ‬نفسيًا‭ ‬على‭ ‬الطلبة‭.‬

في‭ ‬السياق‭ ‬ذاته،‭ ‬ترى‭ ‬المعلمة‭ ‬ثريا‭ ‬امبارك‮ ‬‭ ‬أن‭ ‬المدرسة‭ ‬اليوم‭ ‬أصبحت‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬تحديات‭ ‬جديدة‭ ‬بسبب‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬مشيرة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬موقف‭ ‬بسيط‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يُفهم‭ ‬بشكل‭ ‬خاطئ‭ ‬ويُستخدم‭ ‬لإثارة‭ ‬الجدل‭ .. ‬وتؤكد‭ ‬أن‭ ‬الحل‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬الفصل،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬التربية‭ ‬الرقمية،‭ ‬وتوعية‭ ‬الطلبة‭ ‬بكيفية‭ ‬استخدام‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬بشكل‭ ‬مسؤول‭.‬

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬إغفال‭ ‬دور‭ ‬الأسرة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة،‭ ‬حيث‭ ‬يشير‭ ‬مختصون‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ضعف‭ ‬التواصل‭ ‬بين‭ ‬الأسرة‭ ‬والمدرسة‭ ‬يُسهم‭ ‬في‭ ‬تفاقم‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأزمات،‭ ‬إذ‭ ‬يغيب‭ ‬التنسيق‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬السلوك‭ ‬وتقويمه،‭ ‬ليجد‭ ‬الطالب‭ ‬نفسه‭ ‬بين‭ ‬معايير‭ ‬متناقضة‭.‬

وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬المشهد،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬المجتمع‭ ‬يلعب‭ ‬دورًا‭ ‬مزدوجًا؛‭ ‬فهو‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬يطالب‭ ‬بالانضباط،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬يُسهم‭ ‬في‭ ‬تضخيم‭ ‬القضايا‭ ‬عبر‭ ‬التهويل‭ ‬والمشاركة‭ ‬غير‭ ‬الواعية‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬المحتوى،‭ ‬مما‭ ‬يُحوّل‭ ‬الأخطاء‭ ‬الفردية‭ ‬إلى‭ ‬أزمات‭ ‬جماعية‭.‬

وفي‭ ‬خضم‭ ‬هذا‭ ‬الجدل،‭ ‬تتقاطع‭ ‬الآراء‭ ‬عند‭ ‬نقطة‭ ‬واحدة‭: ‬أن‭ ‬المنع‭ ‬قد‭ ‬يُهدئ‭ ‬العاصفة،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يمنع‭ ‬تشكّلها‭ ‬من‭ ‬جديد‭. ‬فالسلوك‭ ‬الإنساني‭ ‬لا‭ ‬يُضبط‭ ‬بالجدران،‭ ‬بل‭ ‬يُبنى‭ ‬بالوعي،‭ ‬ولا‭ ‬يُقوَّم‭ ‬بالعقاب‭ ‬الجماعي،‭ ‬بل‭ ‬بالفهم‭ ‬والتوجيه‭.‬

ختاما

تكشف‭ ‬هذه‭ ‬الواقعة‭ ‬عن‭ ‬خلل‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬حادثة‭ ‬عابرة،‭ ‬خلل‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬تعاملنا‭ ‬مع‭ ‬الأحداث،‭ ‬وفي‭ ‬سرعة‭ ‬انتقالنا‭ ‬من‭ ‬المشاهدة‭ ‬إلى‭ ‬الإدانة،‭ ‬ومن‭ ‬التحليل‭ ‬إلى‭ ‬إصدار‭ ‬الأحكام‭.‬

إن‭ ‬القرارات‭ ‬التي‭ ‬تُبنى‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬الترند‭ ‬قد‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬امتصاص‭ ‬الغضب‭ ‬مؤقتًا،‭ ‬لكنها‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تُراكم‭ ‬مشكلات‭ ‬صامتة‭ ‬داخل‭ ‬نفوس‭ ‬الطلبة،‭ ‬وتُضعف‭ ‬ثقتهم‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬التربوية‭.‬

ما‭ ‬نحتاجه‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬مزيدًا‭ ‬من‭ ‬المنع،‭ ‬بل‭ ‬مزيدًا‭ ‬من‭ ‬الفهم‭. ‬ليس‭ ‬إجراءات‭ ‬عامة‭ ‬تُطبق‭ ‬على‭ ‬الجميع،‭ ‬بل‭ ‬حلول‭ ‬دقيقة‭ ‬تراعي‭ ‬الفروق‭ ‬الفردية‭ ‬والظروف‭ ‬النفسية‭. ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مدارس‭ ‬تُنصت‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تُعاقب،‭ ‬وإلى‭ ‬مجتمع‭ ‬يتحقق‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يُدين‭.‬

فالطالب‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬رقم‭ ‬في‭ ‬سجل،‭ ‬بل‭ ‬إنسان‭ ‬في‭ ‬طور‭ ‬التشكّل،‭ ‬وأي‭ ‬قرار‭ ‬لا‭ ‬يضع‭ ‬إنسانيته‭ ‬في‭ ‬الحسبان،‭ ‬قد‭ ‬يُنتج‭ ‬أزمة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬يسعى‭ ‬لحلّها‭.‬

وبين‭ ‬ترندٍ‭ ‬عابر‭ ‬وقرارٍ‭ ‬مصيري،‭ ‬تبقى‭ ‬الحكمة‭ ‬هي‭ ‬الفارق‮…‬‭ ‬بين‭ ‬أن‭ ‬نُدير‭ ‬الأزمة،‭ ‬أو‭ ‬نصنعها‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى