«من تركظلي» وحضن أخته إلى قــــــــــــــرارات الفصل نعالج أم نخفيه
في زمنٍ أصبحتْ فيه «الكاميرا» أقرب من الوعي، و«الترند» أسرع من الحقيقة، لم تعد الحوادث اليومية داخل المدارس تمرّ بصمتٍ كما في السابق، بل تتحوَّل في لحظاتٍ إلى قضايا رأي عام تُشعل الجدل، وتستدعي قرارات عاجلة، قد تكون أقرب إلى امتصاص الغضب منها إلى معالجة الأسباب.
قضية الفيديو المتداول تحت عنوان: «تركضلي وحضن أخته» تُعد نموذجًا صارخًا لهذه الظاهرة؛ حيث جرى اجتزاء مشهد عفوي بين شقيقين داخل مؤسسة تعليمية، ليُقدَّم للرأي العام خارج سياقه، ويُبنى عليه سيل من الأحكام، قبل أن تنكشف الحقيقة لاحقًا وتصدر المدرسة اعتذارًا رسميًا.
غير أن ما أعقب الحادثة كان أكثر تأثيرًا من الواقعة نفسها، إذ سارعتْ بعض الجهات التعليمية إلى اتخاذ قرارات بالفصل بين الطلبة، والطالبات باعتبارها إجراءات وقائية لعدم تكرار مثل هذه «التجاوزات». وهنا يبرز السؤال الأهم: هل المنعُ حلّ فعلي، أم مجرد استجابة سريعة لضغط الشارع؟.
في هذا الاستطلاع، نحاول تفكيك أبعاد القضية من خلال آراء مختصين، ومتابعين، للوقوف على ما إذا كانتْ القرارات المتخذة تعالج جذور المشكلة، أم تُرحّلها إلى أشكال أخرى أكثر تعقيدًا.
تقول الاختصائية النفسية شهد عون: إن القرارات المبنية على المنع قد تبدو حاسمة، لكنها في كثيرٍ من الأحيان تُخفي المشكلة بدلًا من حلّها، موضحة أن التسرّع في إصدار الأحكام دون دراسة نفسية وتربوية يُربك الطالب ويُشعره بعدم الأمان داخل المؤسسة التعليمية.
وتضيف أن الطالب في هذه المرحلة العمرية يتأثر بشدة بنظرة المجتمع، وعندما يُعاقب بشكل جماعي، أو يُحرم من بيئة تعليمية طبيعية، فإن ذلك قد سينعكس سلبًا على سلوكه وثقته بنفسه.
وترى عون أن غياب الإرشاد النفسي داخل المدارس يُعد أحد أبرز أسباب تضخّم مثل هذه القضايا، مؤكدة أن وجود مختصين قادرين على التدخل المبكر كان من الممكن أن يمنع انتشار الحادثة بهذا الشكل، أو على الأقل يحدّ من آثارها النفسية والاجتماعية.
من جانبه يرى الباحث الاجتماعي نادر دغمان أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود الطلاب والطالبات داخل فضاء تعليمي واحد، بل في «ضعف الوعي وغياب الضوابط المنظمة للسلوك داخل المدارس».
ويؤكد أن الفصل قد يقلل من تكرار الحادثة في الظاهر، لكنه لا يمنع ظهورها بشكل مختلف، مشددًا على أن الحل يكمن في تعزيز ثقافة المسؤولية، ووضع قواعد واضحة لاستخدام الهواتف، بدلًا من اللجوء إلى المنع كخيار أول.
ويضيف دغمان أن «الترندات» اليوم أصبحتْ لاعبًا رئيسًا في تشكيل الرأي العام، وغالبًا ما تدفع المؤسسات لاتخاذ قرارات سريعة تحت الضغط، دون منح الوقت الكافي لدراسة أبعاد القضية.
أما من داخل المجتمع، فتقول الطالبة الجامعية شيماء عبد الوهاب المشكلة مش في المدرسة المختلطة، المشكلة في طريقة تفكيرنا كمجتمع. نحكم بسرعة ونشارك الفيديوهات دون ما نعرف الحقيقة..وتضيف: اللي صار خلانا نحس إن أي تصرف ممكن يتحوَّل لفضيحة، وهذا يخلق خوفًا وضغطًا نفسيًا على الطلبة.
في السياق ذاته، ترى المعلمة ثريا امبارك أن المدرسة اليوم أصبحت في مواجهة تحديات جديدة بسبب وسائل التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أن أي موقف بسيط يمكن أن يُفهم بشكل خاطئ ويُستخدم لإثارة الجدل .. وتؤكد أن الحل لا يكمن في الفصل، بل في التربية الرقمية، وتوعية الطلبة بكيفية استخدام التكنولوجيا بشكل مسؤول.
ولا يمكن إغفال دور الأسرة في هذه المعادلة، حيث يشير مختصون إلى أن ضعف التواصل بين الأسرة والمدرسة يُسهم في تفاقم مثل هذه الأزمات، إذ يغيب التنسيق في توجيه السلوك وتقويمه، ليجد الطالب نفسه بين معايير متناقضة.
وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن المجتمع يلعب دورًا مزدوجًا؛ فهو من جهة يطالب بالانضباط، ومن جهة أخرى يُسهم في تضخيم القضايا عبر التهويل والمشاركة غير الواعية في نشر المحتوى، مما يُحوّل الأخطاء الفردية إلى أزمات جماعية.
وفي خضم هذا الجدل، تتقاطع الآراء عند نقطة واحدة: أن المنع قد يُهدئ العاصفة، لكنه لا يمنع تشكّلها من جديد. فالسلوك الإنساني لا يُضبط بالجدران، بل يُبنى بالوعي، ولا يُقوَّم بالعقاب الجماعي، بل بالفهم والتوجيه.
ختاما
تكشف هذه الواقعة عن خلل أعمق من مجرد حادثة عابرة، خلل في طريقة تعاملنا مع الأحداث، وفي سرعة انتقالنا من المشاهدة إلى الإدانة، ومن التحليل إلى إصدار الأحكام.
إن القرارات التي تُبنى تحت ضغط الترند قد تنجح في امتصاص الغضب مؤقتًا، لكنها غالبًا ما تُراكم مشكلات صامتة داخل نفوس الطلبة، وتُضعف ثقتهم في المؤسسات التربوية.
ما نحتاجه اليوم ليس مزيدًا من المنع، بل مزيدًا من الفهم. ليس إجراءات عامة تُطبق على الجميع، بل حلول دقيقة تراعي الفروق الفردية والظروف النفسية. نحتاج إلى مدارس تُنصت قبل أن تُعاقب، وإلى مجتمع يتحقق قبل أن يُدين.
فالطالب ليس مجرد رقم في سجل، بل إنسان في طور التشكّل، وأي قرار لا يضع إنسانيته في الحسبان، قد يُنتج أزمة أكبر من تلك التي يسعى لحلّها.
وبين ترندٍ عابر وقرارٍ مصيري، تبقى الحكمة هي الفارق… بين أن نُدير الأزمة، أو نصنعها.


