
في لحظاتِ الفقد الأولى، حين يتسع الثقبُ في الروح ويصبح الهواءً ثقيلاً، تقف اللغة عاجزة، تتلعثم مفرداتها أمام هول الفجيعة، في تلك المساحة الفاصلة بين العدم والوجود، يبحث المكلوم عن يد خفيه تربت على قلبه المرتجف، عن كلمة صادقة تشبه حقيقته في تلك اللحظة.
في دواخل، وأرياف برقة، قديمًا تُصاغ عبارات المواساة، وتُعجن من طحين التجربة، وماء البصيرة. يحضر المعزون، كجزءٍ من نسيج يدرك بالفطرة كيف يرمم تمزقاته؟، من بين تلك التمائم التي تُهمس في أذن الحزين، عبارة غائرة في العمق، شديدة الكثافة، تُقال بنبرة خفيضة أقرب إلى البوح )واجد .. غير أمقسّم( ..كلمات ثلاث تحمل في طياتها فهمًا استثنائيًا للعدالة الإلهية، اعتراف شجاع ومهيب، «واجد» فالهم في هذه الدنيا كثير، والألم كثيف، والوجع إذا ما تكتل كفيل بأن يطحن أعتى الجبال.
هذا الاعتراف أول درجات المواساة الحقيقية، فلا يُستخّف بمصاب المكلوم، ولا يدعوه إلى تجاوز حزنه بعجلة باردة، إنما يقرَّر له واقعاً قاسياً: نعم، ما تمر به عظيم، والحياة بطبيعتها مثقلة بالأحزان .. ثم تأتي الاستدراكية العبقرية «غير أمقسّم» )غير أنه مقسّم(، هنا تتجلى ألطاف الرحمة الربانية التي تتدخل لإنقاذ البشرية من الانهيار.
ماذا لو أن حزن العالم، بمرضه وفقده وخيباته، سقط دفعة واحدة على كتف إنسان واحد؟، لكن رحمة الله التي وسعتْ كل شيء، أبتْ إلا أن تكسر حدة هذا الجبل، ففتتته ووزعته على أكتاف البشرية جمعاء.
مواساة ريفية عميقة، تضرب على الوتر الأكثر إيلاماً في قلب الحزين «الشعور بالعزلة»، فأسوأ ما في المصائب، ذلك الإحساس الوهمي بأن الكون قد استهدفك وحدك، وأنك تقف منفردًا في مواجهة عاصفة لا ترحم، فتأتي جملة «واجد غير أمقَسم» لتنتزعك من عزلتك الموحشة، تعيدك إلى الدائرة الإنسانية الكبرى، تخبرك أن كل وجه تمر به في زحام الحياة، يخفي خلفه قصة فقد، وكل بيت موصد يخفي وراءه نصيبًا من الوجع، أنتَ لست ْوحدكَ، أنتَ جزءٌ من منظومة بشرية تتشارك عبء البقاء.
فالله لم يخلق الألم ليُهلكنا، بل قسّمه ليختبرنا دون أن يكسرنا، عندها يدرك المكلوم أن غصته هي جزءٌ من غصة أكبر تتوزع بعدالة خفية على أرواح البشر، ويخف ثقل اللحظة، وتتراخى قبضة اليأس، ويدرك أنَّ احتمال الوجع ممكن، تمامًا كما احتمله الذين من قبلنا، وكما سيحتمله الذين من بعدنا.


