
في مشهدٍ بات يتكرَّر كقدرٍ محتوم، استفاقت مناطق )غات، وتهالة، وإيسين( مؤخرًا على وقع أمطارٍ موسمية غير مسبوقة، لم تكن مجرد سحابة صيف عابرة، بل كانتْ نذيرًا لسيولٍ جارفة أعادتْ فتح جراح البنية التحتية المتهالكة، وأحالتْ البيوت الطينية -التي تعاقبتْ عليها أجيال- إلى أطلالٍ تداعتْ على رؤوس ساكنيها.
إنَّ تكرار هذه الكارثة سنويًا منذ 2019، وفي ظل تغيرات مناخية عالمية تفرض واقعًا مناخيًا قاسيًا، يضع المنطقة أمام حقيقة واحدة: غات لا تغرق بالمطر، بل تغرق بانتظار الحلول الجذرية.
في قلب العاصفة
شهادة عبد العزيز الحسناوي
تضع «صحيفة فبراير» النقاط على الحروف عبر صوتٍ يعكس معاناة الأهالي الذين تقطعتْ بهم السُبل.
يقول المواطن عبد العزيز الحسناوي، أحد سكان غات، واصفًا ساعات الرعب الأولى:
هذا العام شهد هطول أمطار غزيرة لم تشهدها المنطقة من قبل، امتدت لتشمل الحدود الجزائرية الليبية.
لقد تدفقتْ السيولُ العارمة القادمة من الأراضي الجزائرية بقوة نحو منطقة «إيسين»، لتعبر منها كالسيل الجارف نحو «تهالة، وغات».
منذ الليلة الماطرة الأولى، اضطرتْ العائلات للهروب من منازلها طلبًا للنجاة؛ حيث لجأ الجميع إلى نصب الخيام في العراء خوفًا من انهيار الأسقف المتهالكة فوق رؤوس الأطفال والنساء.
وبنبرةٍ تجمعُ بين الألم والمطالبة المسؤولة، يرى «الحسناوي» أن تقديم قوافل الإغاثة الغذائية والطبية هو حلٌ مؤقتٌ لا يلامس جوهر الأزمة، مضيفاً:
ما تحتاجه غات اليوم ليس طروداً غذائية، بل تدشين سدودٍ ومصداتٍ وقنوات تصريف تحميها من السيول، سواء القادمة عبر الحدود، أو تلك المتجمعة من الأمطار المحلية.
لقد أصبح هذا المشهد موسمًا سنويًا، والأنكى أن التوقعات الجوية تشير إلى موجات أمطار أخرى خلال شهر يوليو المقبل؛ أي أننا لا يفصلنا عن الكارثة القادمة سوى شهر واحد فقط.
«لا ترسلوا القوافل..أرسلوا الجرارات»
وفي زاويةٍ أخرى من المشهد، يقدم المواطن حسام آبتة رؤية نقدية حادة، داعيًا إلى تجاوز الحلول الإغاثية التي لا تعالج أصل المشكلة
«ارفعوا عنا أغطية الفراش والمساعدات الغذائية، ووجهوا إلينا الجرارات والمعدات الهندسية! كونوا عمليين، فالعواطف لا تبني أوطانًا ولا تصدُّ السيول.
إنَّ الاستمرار في تكرار مشهد الكارثة ذاته ليس حلاً، بل هو عجزٌ إداري متراكم. إما أن نضع حلولاً جذرية عبر بناء السدود وتنظيم مجاري الأودية، أو أن يتم ترحيل المناطق السكنية بعيدًا عن مسارات السيول.
السيل لا يعترف بالعواطف، وما نحتاجه اليوم هو دراسات هندسية وتخطيط استراتيجي ينهي هذه المعاناة من جذورها.
ويضيف «آبتة» بلهجة تعكس حالة من الإحباط:
«ثماني سنوات مضت، «من عمر فبراير» وقبلها «سنين من عمر الفاتح» ولو كانتْ هناك إرادة حقيقية للحل لتم إنجازه منذ زمن. إننا بحاجة إلى مشاريع حقيقية على أرض الواقع، لا إلى منشورات تعاطفٍ موسمية وقت الأزمات.
إنَّ ليبيا تُعمر وتصلح بأموال النفط الذي يخرج من قلب الجنوب، بينما لا ينال أهل الجنوب منه إلا الأمراض وغياب البنية التحتية، وسط غيابٍ تام لمسؤولٍ يضرب على الطاولة ويسترد حق هذه المنطقة المنسية.
غات بين مطرقة التضاريس
وسندان التهميش
في قراءة فنية للهول الذي تعيشه غات، يضع م.حمزة الجهامة يده على الجرح، مؤكدًا أن معالجة أزمة السيول في المنطقة تتجاوز مجرد ردود الفعل العاطفية لتصل إلى عمق التخطيط الجغرافي والإرادة السياسية.
مطالب أهالي البركت
«مؤمن أوقاس» عضو الفريق الإعلامي بلجنة الأزمة والطوارئ ببلدية البركت :
لم تُسجل بلدية البركت أي حالات وفاة ناجمة عن هذه السيول..وهذا برأيي يعود لمستوى وعي النَّاس وأيضًا للإجراءات الاحترازية، وحملات التنويه التي نفذتها لجنة الأزمة والطوارئ التي استفادتْ من التجارب السابقة للسيول التي شهدتها المنطقة عامي 2019 و2024.. وبالنسبة للإصابات، فقد اقتصرتْ على حادث مروري واحد وعدد من حالات لدغ العقارب..والخسائر أكثر من 1253 منزلاً متضرراً معظمها منازل صفيح بنيت في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، إلى جانب ضعف البنية التحتية وافتقارها إلى شبكات متكاملة لـ)لكهرباء والمياه والصرف الصحي(.
وأضاف «أوقاس» شهدتْ البلدية خلال الفترة الأخيرة وصول عدد من المساعدات والدعم من الحكومتين القائمتين في البلاد..فمن جانب حكومة «الدبيبة»، جرى إرسال محولات كهربائية، وأعمدة، وأسلاك، ومعدات لدعم شبكة الكهرباء إلى البركت والبلديات المجاورة، كما قُدمتْ مساعدات إنسانية تمثلتْ في فراشات ومواد غذائية عبر صندوق التضامن الاجتماعي بالجنوب الغربي.. كما أجرى مسؤولون بقطاع المياه زيارة ميدانية للبلدية للوقوف على الاحتياجات العاجلة للأهالي بحي «ادارا» بالبلدية، إلى جانب السعي لتنفيذ حملة مجانية لشفط آبار الصرف الصحي داخل الأحياء المتضررة.
أما حكومة «حماد»، قدمت بطاطين، وفراشات ومولدات كهربائية للأسر المتضررة، إضافة إلى إرسال قافلة من أطباء في عدة تخصصات، قدمت خدماتها بمستشفى البركت القروي ووحدات الرعاية الصحية في أحياء إدرار وإيسين على مدى ثلاثة أيام.
ويؤكد «أوقاس» قائلاً : أن مطالب أهالينا تتمثل في توفير آليات ومعدات لمسح وتنظيم مجاري السيول ومنع انحرافها نحو الأحياء السكنية. وتطوير البنية التحتية للطرق وإنشاء جسور ومعابر آمنة في مواقع عبور السيول. وإعادة تأهيل شبكة الكهرباء المتهالكة داخل البلدية. وإعادة بناء وتطوير شبكة المياه وصيانة وحفر الآبار. ودعم مشاريع الإعمار والتنمية وتحسين الخدمات الأساسية. واستكمال مشروع الإسكان لتوفير مساكن بديلة للأسر المتضررة. ومعالجة أزمة الوقود عبر إنشاء محطات وقود جديدة بالبلدية.. وفيما يتعلق بالحلول طويلة المدى، تتابع حكومة «الدبيبة» أوضاع المناطق المتضررة من خلال اجتماعات موسعة تضم مختلف القطاعات الخدمية والصحية، مع التأكيد على تسريع الاستجابة الميدانية وإعادة الخدمات الأساسية.. كما تعمل حكومة «حماد» على مشروع لإنشاء وحدات سكنية بمحلة «إيسين» في أقصى الجنوب الغربي قرب الحدود الليبية الجزائرية، في إطار مساعٍ لمعالجة جزء من أزمة السكن التي تفاقمت بفعل السيول.. وتبقى مطالب سكان البركت متمثلة في الانتقال من مرحلة الاستجابة الطارئة إلى مرحلة التخطيط التنموي المستدام، بما يضمن حماية الأرواح والممتلكات ووضع حد لتكرار الأضرار التي تتسبب فيها السيول مع كل موسم أمطار.
السيل لا يغير مجراه ..
هل ندرك خطر الجغرافيا ؟
يوضح «الجهامة» أنّ طبيعة غات التضاريسية معقدة للغاية؛ فهي منطقة مفتوحة على عدة أودية متداخلة؛ حيث بُنيت التجمعات السكنية -للأسف-في مسارات كانتْ تاريخيًا مجرى طبيعيًا للسيول.
ويضيف متسائلاً : آباؤنا يكرَّرون دائمًا أن السيل لا يغير مجراه، فكيف نصرّ نحن على البناء في طريق الغضب الطبيعي؟.
ويرى «الجهامة» أن الحل ليس في بناء سدود عشوائية فحسب، بل في استراتيجية متكاملة تبدأ ببناء سدود حماية وتخفيف، وصولاً إلى استغلال هذه المياه في ري المراعي وتنمية المناطق الرعوية، مما يحوَّل «نقمة» السيول إلى «نعمة» تنموية للمجتمع المحلي.
«أزمة الصوت»: التهميش
يبدأ من غياب الصورة
ويُشير «الجهامة» إلى عائقٍ إضافي لا يقل خطورة عن السيول، وهو الضعف الإعلامي المطبق على غات وعموم الجنوب. يوضح المهندس: «المنصات الرقمية منتشرة، لكن الصوت الحقيقي غائبٌ؛ فبين الخوف من سلطة ما، أو الرغبة في المجاملة، لا تصل الصورة الكاملة للرأي العام.نحن في منطقة جغرافية صعبة ومفتوحة، ومغلقة حدوديًا -كما هو حال منفذ «إيسين» منذ سنوات-، ومع ذلك لا نجد مَنْ ينقل هذا التعقيد إلى صُنَّاع القرار.
غات ودرنة: حينما تتوحد
المأساة وتختلف الإرادات
يطرح المهندس تساؤلاً مشروعًا يؤرق أهالي الجنوب: «لماذا يتم بناء سدود عملاقة في درنة، بينما تظل غات رهينة للوعود والزيارات؟. فعلى الرغم من التفاوت التضاريسي بين المنطقتين، إلا أن المأساة واحدة، والتهديد على الأرواح هو القاسم المشترك.
إنَّ هذا التفاوت في الاهتمام يكشف حجم «التهميش الممنهج» الذي يطال الجنوب الليبي. فالمعاناة هنا لا تتوقف عند تهديد السيول، بل تمتد لتشمل أبسط مقومات الحياة الإنسانية؛ حيث تفتقر غات -في مفارقة مؤلمة- إلى أبسط الخدمات الصحية مثل : طبيبة نساء، في وقتٍ تُنهب فيه ثروات الجنوب وتُبنى بها مدنٌ أخرى.
يختتم المهندس «حمزة الجهامة» رؤيته قائلاً: المشكلة ليستْ في السيل وحده، بل في غياب مَنْ يجرؤ على ضرب الطاولة ورفع صوت الجنوب عاليًا.
نحن لا نطالب بالمعجزات، بل بخطط هندسية تحمي الأرض، وتستثمر المياه، وبقرار سياسي ينهي هذا الاهمال الذي لم يعد مقبولاً في حق منطقة ترفد البلاد بالنفط، ولا تنال منه إلا الاهمال ونقص الخدمات.
تظل غات اليوم، ببيوتها الطينية المتهالكة، تنتظر قرارًا شجاعًا يرقى إلى حجم التحدي، فهل تستجيب الدولة قبل أن يجرف السيل أكوام البيوت الآيلة للسقوط على رؤوس ساكنيها؟.
فيضانات تسرق فرحة العيد
لم يكنْ عيد الأضحى هذا العام في مناطق )غات، تهالة، وإيسين( كغيره من الأعوام؛ فبدلاً من أجواء الفرح المعتادة، استيقظ أهالي هذه المناطق على وقع فيضانات جارفة أعادت للأذهان قسوة الطبيعة وهشاشة البنية التحتية. ومع انحسار المياه جزئياً، يبدأ اليوم الكشف عن حجم الفاجعة التي خلفتها السيول، في تحقيق ميداني يوثق الخسائر ويقرع جرس الإنذار.
تهالة.. نكبة سكنية ونزوح جماعي
تتصدر بلدية تهالة المشهد كأكثر المناطق تضرراً. تشير التقديرات الأولية إلى نزوح ما لا يقل عن 250 عائلة بعد أن اجتاحت السيول أحياءً سكنية بالكاملتحديداً ما بين 4 إلى 5 أحياء تعرضت للغرق التام.
وعلى الرغم من عودة المركز الصحي في تهالة للعمل بعد جهود مضنية لتنظيفه وتأهيله، إلا أن معاناة النازحين الذين فقدوا ممتلكاتهم لا تزال قائمة، وسط تساؤلات حول آليات التعويض وإعادة الإعمار في ظل الدمار الواسع الذي لحق بالمنازل والمزارع التي تشكل الرئة الاقتصادية للمنطقة.
شريان الحياة المقطوع
لم تكتفِ السيولُ بتدمير الممتلكات، بل عزلتْ المنطقة تقنيًا؛ حيث أدى تضرر كابل الألياف البصرية الرابط بين غات وتهالة إلى انقطاع تام في خدمات الاتصالات والإنترنت. ورغم التحركات العاجلة لفرق شركة «هاتف ليبيا» لإعادة الخدمة، إلا أن هذا الانقطاع كشف مدى ضعف خطوط الدفاع عن البنية التحتية الحيوية في مواجهة التقلبات المناخية.
غات وإيسين.. استجابة
طوارئ في سباق مع الزمن
في غاتِ والمناطق المحيطة بها، بما فيها البركت، تحولتْ الجهودُ من مواجهة الكارثة إلى محاولة احتواء آثارها. ومع وصول القوافل الطبية التابعة لمركز طب الطواريء والدعم، بدأتْ ملامح الاستجابة الوطنية تظهر. لكن التحدي الأكبر يظل في حصر الأضرار بدقة، وهي المهمة التي باشرتها اللجان الميدانية في تهالة؛ حيث تتواصل جهود إنشاء قاعدة بيانات لكي تتحقَّق الغاية من عمليات الإغاثة وتوزيع المعونات للمتضرَّرين والمنكوبين الذين يستحيل على المسؤولين المرموقين في أبراجهم العاجية ومكاتبهم المرفهة.. تجربة العيش في العراء.
أين الدولة ..؟!
تسرهوت أغالي: في كل مرة نقوم بصيانة بيوتنا بعد سقوط الأمطار الغزيرة، ونضع حصيلة ما جمعناه لسنوات في الترميم والصيانة، نجد أن السيول والأمطار تعاود من جديد وكأننا لم نقم بأي صيانة.
بيوتنا انهدتْ فوق رؤوسنا، ووجدنا أنفسنا في العراء. جيراننا في الشركة الهندية هم الأكثر تضرراً؛ حيث خرجوا تاركين وراءهم كل ما يملكون، ونصبوا الخيام بسبب السيول التي تأتي من جبال تاسيلي بالجزائر.
نحن لا نعاني من الأمطار فقط، بل السيول هي التي دمرتْ منازلنا. أين الدولة ودورها في بناء أحياء سكنية صحية للمواطنين؟.
الحل الذي نريده
الحاج أغالي مصطفى: الدول الأخرى تستفيد من السيول في الزراعة، لكن في غات الإمكانات محدودة؛ حيث قام بعض الشباب بشكل تطوعي بزرع بعض البذور، لكن الحل الذي نريده من الدولة هو بناء سدود وتغيير مسار السيول على الأقل؛ بدلاً من أن تأتي متدفقة نحو الأحياء السكنية، ويتم تصريفها في قنوات إلى أماكن أخرى ليتم استغلالها في الزراعة.



