
كما أسفرتْ الأزمةُ عن تغيرات ديموغرافية ضاغطة، تمثلتْ في النزوح الداخلي نحو المدن الكبرى، ما فاقم البطالة، وغيّب التنمية المتوازنة..وأمام هذا المشهد المعقد، تتباين الرؤى حول مسارات الحل؛ بين مطالبٍ بإصلاحاتٍ تعزَّز اللامركزية، والعدالة في توزيع الموارد، وآخرين يدعون لإعادة هيكلة الدولة بما يواكب واقعها. ورغم هذا التباين، يظل طموح المواطن الليبي ثابتًا في التطلع للاستقرار والعيش الكريم، ما يُحتّم إطلاق مشروع وطني جامع يعيد بناء الثقة، ويصون وحدة البلاد.. في هذا التحقيق، نرصد انعكاسات الانقسام السياسي على يوميات الليبيين، عبر استعراض آراء مختصين ومواطنين، للوقوف على حجم الأزمة، واستشراف مسارات التعافي لبناء مستقبل مستقر.
الجنوب الليبي ..
فاتورة مضاعفة من التهميش والأزمات
في قراءة جردة الحساب هذه، يصف أ.أبوبكر محمد علي، عضو المؤسسين للقوى الوطنية، واقع المنطقة الجنوبية بـ «المرير»، مؤكداً أن التجاذبات السياسية تركتْ ظلالاً سلبية متسارعة على الجنوب بمختلف الصُعد. ويرى «علي» أن معاناة الجنوب مضاعفة مقارنة بالشرق والغرب؛ إذ يجد المواطن والتاجر نفسه مجبراً على التعامل مع قرارات متضاربة لجهتين تنفيذيتين، ما يخلق ارتباكاً إدارياً حاداً وغلاءً في الأسعار.
سياسياً، يحذّر «علي» من تراجع حضور ممثلي الجنوب وتهميش كفاءاته في مراكز صُنع القرار لصالح موازين القوة وهيمنة نفوذ الشرق والغرب، الأمر الذي أضعف صوت المنطقة استراتيجياً. وينعكس هذا التراجع على الأرض؛ حيث لم تشفع الخطوات الإيجابية «لكن غير الكافية» لصندوق التنمية وإعادة الإعمار في سد العجز الخدمي، ولا تزال المستشفيات تعاني نقصاً حاداً يضطر الأهالي للسفر الطويل طلباً للعلاج، ناهيك عن تداعيات الانقسام على التنسيق الأمني.
ويضيف أن هذه الأزمات المركبة أدت إلى نزوح عائلات عديدة نحو مدن الشمال، في وقتٍ يواجه فيه الجنوب منفرداً أعباء الهجرة غير النظامية كونه «خط الدفاع الأول» للبلاد عبر حدود شاسعة ومفتوحة.
ويختتم حديثه بالتأكيد على أن الجنوب بات يشعر بالإقصاء رغم ثقله الوطني، داعياً إلى إنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات لضمان العدالة، ومنح أبناء الجنوب دوراً حقيقياً في صياغة المستقبل كشريك أصيل لا مجرد رقم يُستدعى عند الحاجة.
أزمة هوية وشرخ نفسي..
الانقسام يهدد «نحن الليبيون»
من جانبها، تُحذر أ.لطيفة أبو خزام من أن التداعيات الأخطر للانقسام تتجاوز حقول السياسة والاقتصاد، لتضرب عمق البنية النفسية والاجتماعية لليبيين. وترى أن التسويات السياسية قد تنجح يوماً في رأب الصدع الإداري، لكن الجراح النفسية ستظل غائرة ما لم تُدعم ببرامج مصالحة وطنية جادة؛ إذ يسهم استمرار الأزمة في تغذية خطاب الكراهية وتكريس الانتماءات الجهوية (شرقاوي، غرباوي، فزاني) لتطغى على الهوية الجامعة، مما يُنذر بتلاشي مفهوم «نحن الليبيون» لصالح هويات فرعية ضيقة كقبيلة أو مدينة.
وعلى الأرض، تُرجم هذا التشظي إلى اختلالات ديموغرافية حادة نتيجة النزوح وتكدس السكان في العاصمة طرابلس، فضلاً عن تفاقم أعباء الهجرة غير النظامية. وفي مقاربة تعكس حجم المعاناة، تشير «أبو خزام» إلى تنامي شعور أبناء إقليم «فزان» بالتهميش التنموي والسياسي وكأنهم «مواطنون من الدرجة الثانية»، وهو ما يهدد بضرب ثقتهم في مؤسسات الدولة، وهم الذين شكلوا تاريخياً حاضنةً للوحدة الوطنية.
وتختتم «أبو خزام» حديثها بمفارقة مريرة؛ ففي حين تمتلك ليبيا مقوماتٍ جيوسياسية واقتصادية هائلة، تقف الصراعاتُ والمصالح الضيقة حائلاً دون استثمارها، في مشهد شديد التعقيد تُشبهه بالمراحل الأخيرة من عمر الدولة العثمانية؛ حيث تُهدر فرص النهوض لصالح استمرار الفوضى.
شلل تنموي ومتاهة إدارية
ودعوة لهيكلة تلامس الواقع
من مدينة غدامس، تلتقط الصحفية فاطمة الثني خيوط الأزمة، مؤكدةً في قراءة شخصية أن الانقسام السياسي أصاب عصب التنمية بشلل شبه تام؛ إذ أثّر على إيرادات الطاقة وأوقف المشروعات الاستراتيجية الكبرى كإعادة الإعمار والسكك الحديدية.
ولم يقف النزيف عند الاقتصاد، بل وسّع الفجوة الاجتماعية بين شرق البلاد وغربها، وأربك منظومة العمل الإداري والأمني.
وتسوق «الثني» مثالاً حيًّا من واقع مهنتها؛ حيث يتكبد الصحفيون والمواطنون عناءً مضاعفًا في تتبع المعلومة الرسمية المشتتة بين جهات ومنصات حكومية متضاربة، ما يعكس حالة التخبط المؤسسي وهدر الوقت.
وللخروج من هذه الدوامة، وحماية الشباب من ويلات الصراع، تدعو «الثني» إلى تشخيص جذور الأزمة بشفافية، مقترحةً إعادة النظر في شكل الدولة وآليات إدارتها بما يتلاءم مع اتساع رقعتها الجغرافية. كما تشدّد على ضرورة خلق آليات تعاون لتسهيل حركة المواطنين وتنفيذ مشاريع مشتركة بين الأقاليم، تضع حدًا للقطيعة وتؤسس لاستقرار مستدام يخدم المصلحة الوطنية العليا.
نزوح باتجاه المدن الأقوى اقتصاديًا
ويرى المحلل السياسي «حسام الدين العبدلي» أن انهيار الاقتصاد والتضخم المالي وذوبان الطبقة المتوسطة وظهور الطبقية هي من مظاهر تفحش النظام الرأس مالي ولا شك أن بعد سنة 2011 حاولتْ الثلة الحاكمة، والمصرف المركزي التقليص والتخلي عن النظام الاشتراكي الاقتصادي الذي يحكم البلاد.
ويستدرك «العبدلي» قائًلا: لكن للأسف لم يكنْ ذلك تدريجيًا مما أصاب السوق بصدمه وأدى إلى انهيار مباشر في قيمة الدينار الليبي ناهيك عن الإجراءات الخاطئة من عطاء الاعتمادات الوهمية دون شفافية مما أدى إلى دخول الحاويات الفارغة واستنزاف العُملة والمضاربة في السوق السوداء..ويلفت «العبدلي»: أنه عندما انهارت العملة وفقدت المرتبات قيمتها في بلد يعتمد على القطاع العام ولا يوجد فيه قطاع خاص حقيقي وقانون ينظم عمل هذا القطاع.. وجدنا أنفسنا أمام حالات النزوح الداخلي من القرى والأرياف إلى المدن ومن بعض المدن الضعيفة اقتصاديًا إلى مدن ذات اقتصاد أقوى مما يتسبب في تداعيات وخيمه على المدى البعيد من حيث التوزيع الجغرافي لأعداد التركيبة السكانية والاستفادة من فئة الشباب في مناطق وأماكن فيها ثروات وأيضًا وجود تكتلات سكانية تحافظ على المساحات الشاسعة ومترامية الأطراف من أي اعتداءات أو موجات الهجرة غير الشرعية سببها النزاعات الإقليمية التي تحصل في الجوار ولا ننسى الصراعات والمؤامرات الدولية.
دراسة حالة للتشظي
في الإعلام الليبي
ولأنَّ الإعلام عادة يكون القاطرة التي تجرها عربة السياسة في العديد من المجتمعات فلم يكن غريبًا أن يُقحم وينساق ويتشظى ويصطف ويتورط الإعلام الليبي في أتون الانقسام السياسي والصراع الجاري.. وليس غريبًا أيضًا أن نجد إعلامنا الليبي، في أدوار ومواقع ومواضع متعددة.. فنجده الضحية والجلاد والمتهم والمضلل والمحرض والمغازل للسلطة و«الزمزاك» لدرجة القرف.. ودائمًا نُكبر الدور المسؤول والمهني لوسائل إعلامنا… وصحيفة )فبراير( وهي منهمكة في التحضير لهذا التحقيق طالعتنا وكالة الأنباء الليبية الخميس 11 يونيو الجاري بخبر مناقشة رسالة ماجستير بمقر المدرسة العليا الخاصة للتكنولوجيا وإدارة الأعمال في تونس العاصمة، مقدمة من قبل مديرها العام الزميل الصحفي «إبراهيم هدية» بعنوان «أثر العامل السياسي على إدارة الإعلام الرسمي في ليبيا» دراسة حالة..ولأن عنوان رسالة «هدية» في سياق موضوعنا المطروح«انعكاسات الانقسام السياسي على يوميات الليبيين» ويتطرق فيها لتداعيات الانقسام السياسي على «الإعلام الليبي» وتحديدًا وكالة الأنباء الليبية.. حيث تناولت رسالته تأثير العامل السياسي على أربعة أبعاد رئيسة: هي الاستقلال الإداري والسياسة التحريرية، والضغوط المهنية، والاستقرار المؤسسي.. وخلصت دراسته إلى أن العامل السياسي كان أحد أبرز المتغيرات المؤثرة في إدارة وكالة الأنباء الليبية خلال سنوات الانقسام السياسي، حيث انعكس بصورة مباشرة وغير مباشرة على الجوانب الإدارية والتحريرية والمهنية للمؤسسة، مع استمرار تأثير التمويل والتعيينات والسياسات غير المعلنة.
من الفوضى الأولى إلى
حقبة التوازي المؤسسي
في رسالته للماجستير المعنونة بـ )الانقسام السياسي وأثره على الأمن القومي.. دراسة حالة ليبيا(.. يتتبع الباحث «عبد القادر فرج عبدالقادر» مراحل الانقسام، مروراً بفترة الفوضى الأولى التي شهدت صعود الفصائل المسلحة، ووصولا إلى حقبة التوازي المؤسسي بين مجلسي النواب والأعلى للدولة.. كما يتناول العوامل الداخلية والخارجية التي غذت هذا التشرذم؛ من تداخل المصالح القبلية والجهوية، إلى التدخلات الإقليمية والدولية التي دعمت أطرافًا متعددة وأسهمت في تعميق القطيعة السياسية بين الشرق والغرب.. ثم ينتقل الباحث في دراسته إلى معالجة الأمن القومي الليبي من زاوية مفاهيمية منهجية، فيستهل بعرض دقيق لتعريف الأمن القومي وفق المراجع النظرية، مع إبراز أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. بعد ذلك، يحلل الباحث مكونات هذا الأمن من السيطرة على الحدود والسواحل، إلى حماية البنى التحتية الحيوية مثل الموانئ ومصافي النفط، مروراً بضمان السلامة المجتمعية، ويبين كيف أصبح كل مكون من هذه المكونات عرضة للتهديد في ظل الشلل المؤسساتي وفقدان سيادة الدولة على أراضيها. ثم يستعرض التهديدات المباشرة وغير المباشرة التي تواجه الأمن القومي الليبي، مثل انتشار الأسلحة الثقيلة بين المليشيا، وتهريب البشر والمخدرات، وتراجع سلطة القانون، إلى جانب المخاطر الاقتصادية الناشئة عن انهيار قطاع النفط والقطاع المصرفي.وتستجلي الدراسة آثار الانقسام السياسي على أربعة مستويات مترابطة: الأثر السياسي والأثر الاقتصادي، والأثر الاجتماعي، والأثر الأمني.



