الآخر لا يرانا كما نحن..المترجم عبد السلام الغرياني يُفكك السردية الأمريكــية لـ (حرب طرابلس)

ومن التاريخ المنسي إلى مختبر الترجمة: هل المتـرجم مؤلف ثانٍ في عصر الذكــاء الاصطناعي؟
في فجر القرن التاسع عشر، وحين كانت الولايات المتحدة الأمريكية دولة فتية تتلمس مكانها في عالم تحكمه إمبراطوريات عتيدة، اندلعت مواجهة بحرية بعيدة عن شواطئها، لكنها غيّرت ملامح تاريخها إلى الأبد. هذا المنعطف التاريخي هو ما يوثقه الكاتب والإعلامي الأمريكي “براين كيلميد” بمشاركة “دون ييغر” في كتابهما: “توماس جيفرسون وقراصنة طرابلس: الحرب المنسية التي غيرت التاريخ الأمريكي”.
يعود بنا الكتاب إلى حقبة “حرب طرابلس” (1801-1805)، مسلطاً الضوء على قرار توماس جيفرسون بالتمرد على العرف الدبلوماسي ورفض دفع الرسوم لـ “إيالة طرابلس الغرب” مقابل ضمان حرية الملاحة. من وجهة نظر أمريكية بحتة، يسرد الكتاب أحداثاً دراماتيكية؛ من أسر الفرقاطة “فيلادلفيا” إلى الزحف البري نحو مدينة درنة، معتبراً هذا الصراع بمثابة مخاض الولادة للبحرية الأمريكية.
ولأن التاريخ يحمل وجوهاً متعددة، فإن قراءة هذا الحدث المفصلي بعيون أمريكية محضة تضعنا أمام سردية تستوجب التأمل، وتطرح تساؤلات عميقة حول كيفية صياغة الذاكرة. هنا تبرز الأهمية البالغة للترجمة؛ لا بوصفها نقلاً حرفياً، بل كجسر لاستنطاق الرواية الأجنبية وإعادتها إلى الشواطئ التي شهدت فصولها الأولى.
حول هذه التجربة، وتحديات نقل هذا النص الإشكالي إلى اللغة العربية، نلتقي المترجم القدير الاستاذ عبد السلام الغرياني، الذي أثرى المكتبة العربية بترجمات وازنة، منها رواية “بروكلين” لكولم تويبين، و”فتاة مكتب البريد” لستيفان زفايغ، في حوارٍ يغوص في أعماق التاريخ، ويفكك شجون الترجمة في عصر التقنية.
حرب طرابلس.. السردية الأمريكية في ميزان الترجمة
نبدأ من إشكالية جوهرية تواجه كل من يقترب من تخوم الماضي: التاريخ كوقائع لا يُترجم، بل تُترجم السرديات التي تُحاك حوله. نطرح هذا الهاجس على ضيفنا، متسائلين عن المدى الذي شعر فيه بأنه يترجم “سردية بطولية” أكثر من كونه ينقل أحداثاً مجردة.
يتأمل الغرياني الفكرة، ثم يفككها بوضوح: هذا الكتاب يفيض بالروح الأمريكية؛ هو سردية كتبها أمريكي متكئاً على اندفاعة قومية ونظرة بطولية محضة للحرب التي دارت بين عامي 1801 و1805. نحن هنا أمام وجهة نظر أمريكية خالصة، والمترجم في هذا السياق هو ناقل أمين لهذه الرؤية كما هي، بكل انحيازاتها.
إذاً، لماذا نترجم نصاً يتبنى وجهة نظر أُحادية قد تقصي الجانب الآخر من الحقيقة؟
:الترجمة هنا ليست تبنياً للرواية، بل كشفاً لها. لقد كتبتُ مقدمة للكتاب لرفع أي لبس حول دوافع نقله للعربية؛ نحن بحاجة ماسة لمعرفة ماذا يكتب الآخر عنا، لكي نتمكن من الرد عليه استناداً إلى وقائعنا وكتبنا. هذا الكتاب حقق مبيعات ضخمة في الغرب تجاوزت مئات الآلاف، مما يعني أن هناك ملايين يتبنون هذه الرؤية. نقلته إلى العربية، وتحديداً للقارئ في شمال أفريقيا، لنُظهر الجانب الخفي الذي تجاهله المؤرخ الأمريكي، ولتكون لدينا المادة التي تُمكّننا من تفنيد هذا السرد بخدمة الحقيقة، لا بخدمة القومية.
ويستطرد حول التناقض التاريخي: البحر المتوسط كان يمتلك أدبيات واتفاقيات راسخة. الدول الأوروبية كانت تدفع الرسوم للأسرة القرمانلية بناءً على معاهدات سياسية واقتصادية. لكن الأمريكيين اختاروا لغة القوة والمواجهة العسكرية، ثم أتوا من آخر الدنيا ليصفوا بحارتنا بالبرابرة والقراصنة!.
وفي قلب هذه السردية، تبرز فخاخ المصطلحات المُلغمة. فقد استخدم الكاتب مصطلح “قراصنة” في العنوان، وهو مصطلح غربي يحمل حمولة أيديولوجية لحقبة كانت تُعد في الذاكرة المحلية “جهاداً بحرياً” أو دفاعاً عن السيادة. نسأله عن وطأة هذا المصطلح على قلم المترجم.
يجيب بحسم تفرضه أخلاقيات المهنة: الأمانة تقتضي ألا أتدخل في نص المؤلف. الآخر قال عنك ‘قراصنة’، فيجب أن تُنقل ‘قراصنة’. لا مجال هنا للتهذيب أو تجميل الكلمات، لأن التجميل تزوير. يجب أن تعرف تماماً كيف يراك الآخر. لكنني لم أقف مكتوف الأيدي؛ فقد لجأت إلى ‘مقدمة المترجم’ لتوضيح موقفي. حتى مصطلح ‘البرابرة’ الذي أُطلق على دول شمال أفريقيا، وضعته بين قوسين لأؤكد أنه مصطلح دخيل يعكس وجهة نظرهم، ولستُ موافقاً بالطبع على وسم بحارتنا بهذه الأوصاف.
وحول ما إذا كان اختياره لهذا العمل بمثابة دعوة مفتوحة للمؤرخين العرب لإعادة قراءة تلك الحقبة، يؤكد الغرياني أن دافعه الأساسي هو استكمال “مشروع ترجمة كل ما كُتب عن بلدي”، واضعاً المادة الخام بين يدي الباحثين والمثقفين.
شجون الترجمة.. المترجم مؤلفاً ثانياً في زمن الآلة
ننتقل مع ضيفنا من ضفاف التاريخ إلى مختبر الترجمة ذاته. هناك جدل لا ينتهي: هل المترجم مؤلف ثانٍ للنص، أم مجرد وسيط أمين يقف على الحياد؟
يرفض الغرياني فكرة “الوسيط” عندما يتعلق الأمر بالأدب والتاريخ، موضحاً بشغف: المترجم في النصوص الأدبية والتاريخية هو حتماً مؤلف لنص آخر. هو لا ينقل كلمات، بل يعيد تأليف النص ليحمل بصمته، وصوته، وروح بيئته الجديدة. النصان يسيران في خطين متوازيين. الوسيط الحرفي نجده في الترجمات القانونية والتجارية، أما التاريخ ففيه أدب ومصطلحات تتطلب روح الكاتب لبعثها من جديد في لغة أخرى.
وفي سياق الحديث عن الترجمة ونقل الحمولات الثقافية، يفكك الغرياني أبرز المعضلات التي تواجهه: حين تنقل نصاً، أنت تنقل بيئة متكاملة بمفرداتها النفسية، والاجتماعية، والعاطفية. هنا يقف المترجم أمام خيارين: إما ‘التوطين’، حيث يشرح النص بمفردات البيئة المستقبلة، وإما ‘التغريب’، بترك الجملة أو العادة كما هي مع إضافة هامش توضيحي، ليمنح القارئ فرصة اكتشاف ثقافة الآخر كما هي.
ومع تصاعد وتيرة التحولات التقنية، توقفنا عند “غول” الذكاء الاصطناعي الذي بات يزاحم العقول في كل المجالات. هل يهدد هذا التحول مكانة المترجم وقدرته على التأويل؟
يعترف ضيفنا بالواقع الجديد، لكنه يتمسك بـ ‘روح النص’ كحصن أخير للإبداع البشري: التقنية صارت جزءاً من مفرداتنا اليومية، وهناك من بات يعتمد عليها كلياً حتى في الأكاديميات، مما أفرز كوارث في الانتحال العلمي. لكن أمام هذا الزحف، تظل الكتابة الإبداعية عصية على الآلة. المترجم قد يستعين بالذكاء الاصطناعي لكسب الوقت أو التقاط مفردة، لكن الآلة لا تمتلك ‘روحاً’ لتنقلها. هي مجرد خوارزميات صماء. الذكاء الاصطناعي بدأ يهلوس بتخريجات مغلوطة، لذا، حتى لو تماشينا معه كأداة مساعدة، تظل المراجعة البشرية الصارمة للنص الأصلي والمترجم أمراً حتمياً لا غنى عنه.
في ختام هذه الجلسة الثرية، وبعد رحلة طويلة ومضنية مع نص إشكالي، سألنا الغرياني: هل تشعر في النهاية أنك مجرد ‘ناقل’ لكتاب إلى ثقافتنا، أم أنك ‘أضفت’ لها كتاباً جديداً؟
يختم حوارنا بيقين وحسم: بل أضفت، ولم أنقل فحسب. كل كتاب يُترجم إلى العربية هو إضافة خالصة للمكتبة العربية والليبية، وللأجيال القادمة التي ستبحث عن مصادر. الكتاب المترجم يبقى أثراً معرفياً أصيلاً، لذا فهو بلا شك إضافة حقيقية لا مجرد عملية نقل.
مخاض البحرية الأمريكية على شواطئنا.. الذاكرة التاريخية بعيون الخصم
استنطاق الرواية الغربية: نترجم لنعرف كيف يقرأ العالم تاريخنا
“قراصنة” بين أقواس.. الأمانة المهنية في حقل الألغام الأيديولوجي



