الثقافة في قلب التنمية الليبيةمؤتمر نجيب الحصادي يفتح سؤال المستقبل
مفتاح ميلود

لم تعد الثقافة، في النقاش الليبي حول التنمية، ترفًا مؤجلًا إلى ما بعد الاقتصاد والسياسة، بل باتت سؤالًا في صميم بناء المجتمع والدولة. بهذه الروح انطلقت السبت 29 أغسطس فعاليات المؤتمر السنوي الأول في تلازم الثقافة والتنمية في ليبيا: «تشخيص واستشراف»، الذي نظمه مركز «نجيب الحصادي» للتفكير الناقد بالجامعة الليبية الدولية، وامتدت حتى الـ31 أغسطس الحالي.
وضع المؤتمر منذ يومه الأول العلاقة بين الثقافة والتنمية تحت مجهر متعدد التخصصات، منطلقًا من فرضية أساسية مفادها أن الثقافة ليست مجالًا رمزيًا منفصلًا عن مسارات التنمية، وإنما شرط بنيوي لفهم الاقتصاد والاجتماع والسياسة، بما تتضمنه من منظومات قيم وأنماط عيش وتمثلات للذات والآخر.
وتكتسب هذه المقاربة خصوصيتها في السياق الليبي، إذ يسعى المؤتمر إلى إعادة وصل الثقافة والبحث الأكاديمي الرصين بصناعة القرار، والنظر إلى الرصيد الثقافي الوطني بوصفه موردًا تنمويًا لا عبئًا تراثيًا، بعيدًا عن إسقاط نماذج معيارية جاهزة، وبالعودة إلى الأسئلة التي تفرضها الخصوصية الاجتماعية والثقافية الليبية.
وتوزعت أعمال المؤتمر على أربعة محاور رئيسة: الثقافة وأثرها في التنمية، والمثقف والأكاديمي ودورهما في مسار التنمية، والثقافة وصناعة السياسات العامة، وفي أفق الاستشراف. وهي محاور تنقل النقاش من تشخيص أثر المنظومات القيمية في السلوك التنموي، إلى مساءلة دور الفاعل المعرفي، ثم بحث العلاقة بين المعرفة والسلطة، وصولًا إلى استشراف التحولات الثقافية الليبية في ظل المتغيرات السياسية والاقتصادية والتقنية.
وشهد اليوم الأول حضورًا لافتًا للبحث الأكاديمي، عبر مجموعة من الأوراق التي تناولت قضايا متصلة مباشرة بأسئلة المؤتمر، من بينها «في المتخيل التنموي»، و «جدلية الثقافة والتنمية في ليبيا»، و«متلازمة الريع: تشوهات الثقافة ووأد التنمية»، و«قياس تأثير الثقافة على الأداء الاقتصادي: تطبيقات على حالة الاقتصاد الليبي»**، إلى جانب دراسات تناولت علاقة المعرفة بالسلطة، والذاكرة الجماعية، ورأس المال الثقافي، وثقافة احترام القانون، ومستقبل الهوية والبنية الثقافية في ليبيا.
ولم يقتصر برنامج الافتتاح على الجانب الأكاديمي، بل حمل بعدًا احتفائيًا بإرث المفكر الراحل نجيب الحصادي، من خلال حفل توقيع كتاب الشاعر عاشور الطويبي «بطاقات بريدية إلى نجيب الحصادي»، إلى جانب كلمات للشاعر سالم العوكلي، والطويبي، والقاص أحمد يوسف عقيلة.
ويأتي انعقاد المؤتمر امتدادًا للمشروع الفكري للحصادي، الذي جعل من العقل والتفكير الناقد والمعرفة أدوات لفهم المجتمع وتطويره. ومن هذا الإرث يستمد مركز نجيب الحصادي للتفكير الناقد رؤيته القائمة على جعل الخطاب العلمي والأكاديمي حاضرًا في الحياة الاجتماعية والثقافية، وترسيخ الوعي الثقافي والعلمي باعتباره طاقة تنموية فاعلة.
وبينما يتواصل المؤتمر في يوميه المقبلين، تبدو القيمة الأهم لليوم الأول في أنه لم يطرح الثقافة باعتبارها موضوعًا للاحتفاء، بل باعتبارها مسألة تنموية وسياسية ومعرفية.
والاختبار الحقيقي لما بعد المؤتمر سيكون في قدرة الأوراق والنقاشات على التحول إلى توصيات قابلة للتطبيق، وشبكة تعاون بين الباحثين والمثقفين وصناع القرار، وصولًا إلى تشخيص علمي أكثر دقة للعلاقة بين الثقافة والتنمية في ليبيا.



