المسيرة الأكاديمية ليست شهادات ومناصب ومشاركات علمية فحسب، بل رحلة من الطموح والعمل والعطاء، تبنى فيها المعرفة مع المسؤولية، والإنجاز مع القدرة على ترك أثر في حياة الآخرين. وتقدم أ.د.حميدة البوسيفي نموذجا للمرأة الليبية التي جمعت بين الحضور الأكاديمي والاهتمام بالقضايا الاجتماعية والإنسانية، إلى جانب مسؤولياتها الأسرية ودورها كأم.
شاركت «البوسيفي» في محافل علمية داخل ليبيا وخارجها، واهتمت بملفات المفقودين، والأزمات، والكوارث، والهجرة غير النظامية، والتعصب، والأخلاقيات الرقمية، انطلاقاً من إيمانها بأن العلم لا ينبغي أن ينفصل عن قضايا المجتمع.
في هذا الحوار تتحدث عن محطات تجربتها، ودورها الأكاديمي، وحضور المرأة الليبية، وكيف استطاعت أن توازن بين الأمومة والطموح.
من طالبة إلى أستاذة
ما أبرز المحطات التي تعتبرينها علامات فارقة في مسيرتك؟
لا اختصر مسيرتي في شهادة، أو درجة علمية، أو مشاركة في مؤتمر، وإنما أراها سلسلة من المحطات التي صنعت شخصيتي العلمية والإنسانية.
ومن أبرزها الانتقال من مرحلة الطالبة التي تتلقى العلم إلى الأستاذة التي تتحمل مسؤولية تعليم الآخرين وتكوين أجيال جديدة.
ومن المواقف التي أعتز بها أنني أسهمت في ترقية أستاذ كان قد أجرى لي امتحان المفاضلة لدخول الجامعة، كما أشرفت على أطروحة دكتوراه لزميلة كانت تأتي بعدي في الترتيب خلال المرحلة الجامعية.
هذه المواقف تجسد بالنسبة ليّ أجمل معاني الحياة الأكاديمية: أن تتحول المعرفة من علاقة أخذ إلى علاقة عطاء، وأن ترد جزءا من الجميل وتفتح الطريق لمن يأتي بعدك.
العلم مسؤولية تجاه المجتمع
لماذا ركزت في أبحاثك على القضايا الاجتماعية والإنسانية؟
لأن العلم لا ينبغي أن يكون منفصلا عن الإنسان. البحث العلمي يفقد جزءا من قيمته إذا لم يلامس مشكلة حقيقية أو يسهم في فهم ظاهرة تؤثر في حياة الناس. قضايا المفقودين والهجرة والأزمات والكوارث والتعصب والأخلاقيات الرقمية ترتبط مباشرة بحياة المجتمع، ولذلك أتعامل معها باعتبارها مسؤولية علمية وأخلاقية، وليست مجرد موضوعات للبحث.
وهل يكفي إنتاج البحث العلمي؟
البحث نقطة البداية وليس النهاية. نحن بحاجة إلى نقل نتائج الدراسات من رفوف المكتبات إلى المؤسسات وصناع القرار.
ودور الأكاديمي أن يقدم البيانات والتحليل والبدائل التي تساعد على اتخاذ القرار، وعندما يتحوَّل البحث إلى سياسة أو برنامج يسهم في تحسين حياة الناس، يكون العلم قد أدى رسالته.
المرأة الليبية .. طموح يحتاج إلى فرصة
كيف ترين واقع المرأة الليبية في المجال العلمي؟
المرأة الليبية تمتلك قدرات وطموحاً كبيرين، وحضورها في الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات واضح، لكنها لا تزال تواجه تحديات مرتبطة بالصورة النمطية والتوفيق بين الأدوار والحصول على فرص متكافئة للتطوير والقيادة والمشاركة الدولية.
وأرى أن المرأة لا تحتاج إلى من يتحدث بالنيابة عنها بقدر حاجتها إلى بيئة عادلة تؤمن بقدراتها، وإلى نساء ناجحات يساعدن غيرهن على الصعود.
الأمومة والطموح .. معادلة ممكنة
كيف استطعتِ التوفيق بين مسؤوليات الأسرة والعمل الأكاديمي؟
الأسرة بالنسبة لي لم تكن عائقاً أمام النجاح، بل جزءا منه.
لم يكن تحقيق التوازن سهلا دائما، لكنني تعلمت أن التوازن لا يعني منح كل جانب الوقت نفسه، وإنما إعطاء كل جانب حقه في الوقت المناسب.
كما تعلمت أن النجاح يحتاج إلى تنظيم الأولويات وإدارة الطاقة، وأن يعرف الإنسان متى يعمل، ومتى يرتاح ومتى يقول «لا» ومتى يطلب المساعدة.
وماذا أضافت لك الأمومة؟
الأمومة علمتني الصبر، وأن لكل إنسان إيقاعه الخاص. جعلتني أكثر تفهماً للطلاب والزملاء وأكثر قدرة على الاستماع، وأكثر إيماناً بأن الخطأ ليس نهاية الطريق.
كما منحتني معنى أعمق للمسؤولية؛ فالأستاذ لا يقدم معلومات فقط، وإنما يمكن أن يترك أثرا في شخصية إنسان ومستقبله.
النجاح لا يخلو من التضحيات
هل كان للنجاح ثمن شخصي أو أسري؟
بالتأكيد، كل نجاح له ثمن.
أحياناً يكون الثمن وقتاً شخصياً أو سفراً أو تأجيلاً لبعض الرغبات، لكنني لا أصف ذلك دائماً بالخسارة، فالإنسان يختار في كل مرحلة ما يراه أكثر أهمية وأولوية.
ما رسالتكِ للمرأة التي تشعر أن الأسرة تعيق طموحها؟
لا تنظري إلى مسؤولياتك الأسرية باعتبارها حكماً على طموحك، ولا إلى طموحك باعتباره خيانة لمسؤولياتك.
قد يكون الطريق بطيئاً، لكن المهم ألا تتوقفي.
ادرسي، طوري نفسك، اطلبي الدعم ونظمي وقتك.
وأقول لكل امرأة: طموحك ليس رفاهية، بل جزء من حقك في أن تصنعي أثراً في الحياة.
أن نصل .. ثم نمد أيدينا
ما الحلم الذي ما زلت تتطلعين إلى تحقيقه؟
أتطلع إلى مشاريع بحثية أكثر ارتباطاً بقضايا المجتمع، وإلى بناء جسور أكبر بين البحث العلمي وصانع القرار، ودعم الباحثين الشباب، خاصة الشابات.
أما رسالتي للأمهات والنساء والشابات فهي:
لا تسمحن للظروف أن تقنعكن بأن أحلامكن أكبر من قدراتكن. تعلمن، واقرأن، وابحثن، وثقن بأنفسكن.
وأؤمن بأن أجمل نجاح هو أن نصل، ثم نمد أيدينا لمن يأتي بعدنا.
فالنجاح ليس أن تصل وحدك، وإنما أن تترك الطريق أكثر اتساعاً لمن سيأتي بعدك.

