مرايا

أ.د. حميدة البوسيفي: النجاح أن تصل ثم تفتح الطريق لمن يأتي بـــعدك

فائزة العجيلي

المسيرة‭ ‬الأكاديمية‭ ‬ليست‭ ‬شهادات‭ ‬ومناصب‭ ‬ومشاركات‭ ‬علمية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬رحلة‭ ‬من‭ ‬الطموح‭ ‬والعمل‭ ‬والعطاء،‭ ‬تبنى‮ ‬‭ ‬فيها‭ ‬المعرفة‭ ‬مع‭ ‬المسؤولية،‭ ‬والإنجاز‭ ‬مع‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬ترك‭ ‬أثر‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الآخرين‭. ‬وتقدم‭ ‬أ‭.‬د‭.‬حميدة‭ ‬البوسيفي‭ ‬نموذجا‭ ‬للمرأة‭ ‬الليبية‭ ‬التي‭ ‬جمعت‭ ‬بين‭ ‬الحضور‭ ‬الأكاديمي‭ ‬والاهتمام‭ ‬بالقضايا‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والإنسانية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مسؤولياتها‭ ‬الأسرية‭ ‬ودورها‭ ‬كأم‭.‬

شاركت‭ ‬‮«‬البوسيفي‮»‬‭ ‬في‭ ‬محافل‭ ‬علمية‭ ‬داخل‭ ‬ليبيا‭ ‬وخارجها،‭ ‬واهتمت‭ ‬بملفات‭ ‬المفقودين،‭ ‬والأزمات،‭ ‬والكوارث،‭ ‬والهجرة‭ ‬غير‭ ‬النظامية،‭ ‬والتعصب،‭ ‬والأخلاقيات‭ ‬الرقمية،‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬إيمانها‭ ‬بأن‭ ‬العلم‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬ينفصل‭ ‬عن‭ ‬قضايا‭ ‬المجتمع‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬محطات‭ ‬تجربتها،‭ ‬ودورها‭ ‬الأكاديمي،‭ ‬وحضور‭ ‬المرأة‭ ‬الليبية،‭ ‬وكيف‭ ‬استطاعت‭ ‬أن‭ ‬توازن‭ ‬بين‭ ‬الأمومة‭ ‬والطموح‭.‬

من‭ ‬طالبة‭ ‬إلى‭ ‬أستاذة

ما‭ ‬أبرز‭ ‬المحطات‭ ‬التي‭ ‬تعتبرينها‭ ‬علامات‭ ‬فارقة‭ ‬في‭ ‬مسيرتك؟

لا‭ ‬اختصر‭ ‬مسيرتي‭ ‬في‭ ‬شهادة،‭ ‬أو‭ ‬درجة‭ ‬علمية،‭ ‬أو‭ ‬مشاركة‭ ‬في‭ ‬مؤتمر،‭ ‬وإنما‭ ‬أراها‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬المحطات‭ ‬التي‭ ‬صنعت‭ ‬شخصيتي‭ ‬العلمية‭ ‬والإنسانية‭.‬

ومن‭ ‬أبرزها‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬الطالبة‭ ‬التي‭ ‬تتلقى‭ ‬العلم‭ ‬إلى‭ ‬الأستاذة‭ ‬التي‭ ‬تتحمل‭ ‬مسؤولية‭ ‬تعليم‭ ‬الآخرين‭ ‬وتكوين‭ ‬أجيال‭ ‬جديدة‭.‬

ومن‭ ‬المواقف‭ ‬التي‭ ‬أعتز‭ ‬بها‭ ‬أنني‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬ترقية‭ ‬أستاذ‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬أجرى‭ ‬لي‭ ‬امتحان‭ ‬المفاضلة‭ ‬لدخول‭ ‬الجامعة،‭ ‬كما‭ ‬أشرفت‭ ‬على‭ ‬أطروحة‭ ‬دكتوراه‭ ‬لزميلة‭ ‬كانت‭ ‬تأتي‭ ‬بعدي‭ ‬في‭ ‬الترتيب‭ ‬خلال‭ ‬المرحلة‭ ‬الجامعية‭.‬

هذه‭ ‬المواقف‭ ‬تجسد‭ ‬بالنسبة‭ ‬ليّ‭ ‬أجمل‭ ‬معاني‭ ‬الحياة‭ ‬الأكاديمية‭: ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬المعرفة‭ ‬من‭ ‬علاقة‭ ‬أخذ‭ ‬إلى‭ ‬علاقة‭ ‬عطاء،‭ ‬وأن‭ ‬ترد‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬الجميل‭ ‬وتفتح‭ ‬الطريق‭ ‬لمن‭ ‬يأتي‭ ‬بعدك‭.‬

العلم‭ ‬مسؤولية‭ ‬تجاه‭ ‬المجتمع

‮ ‬‭ ‬لماذا‭ ‬ركزت‭ ‬في‭ ‬أبحاثك‭ ‬على‭ ‬القضايا‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والإنسانية؟

لأن‭ ‬العلم‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬منفصلا‭ ‬عن‭ ‬الإنسان‭. ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬يفقد‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬قيمته‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يلامس‭ ‬مشكلة‭ ‬حقيقية‭ ‬أو‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬ظاهرة‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الناس‭.‬‭ ‬قضايا‭ ‬المفقودين‭ ‬والهجرة‭ ‬والأزمات‭ ‬والكوارث‭ ‬والتعصب‭ ‬والأخلاقيات‭ ‬الرقمية‭ ‬ترتبط‭ ‬مباشرة‭ ‬بحياة‭ ‬المجتمع،‭ ‬ولذلك‭ ‬أتعامل‭ ‬معها‭ ‬باعتبارها‭ ‬مسؤولية‭ ‬علمية‭ ‬وأخلاقية،‭ ‬وليست‭ ‬مجرد‭ ‬موضوعات‭ ‬للبحث‭.‬

‭ ‬وهل‭ ‬يكفي‭ ‬إنتاج‭ ‬البحث‭ ‬العلمي؟

البحث‭ ‬نقطة‭ ‬البداية‭ ‬وليس‭ ‬النهاية‭. ‬نحن‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬نقل‭ ‬نتائج‭ ‬الدراسات‭ ‬من‭ ‬رفوف‭ ‬المكتبات‭ ‬إلى‭ ‬المؤسسات‭ ‬وصناع‭ ‬القرار‭.‬

ودور‭ ‬الأكاديمي‭ ‬أن‭ ‬يقدم‭ ‬البيانات‭ ‬والتحليل‭ ‬والبدائل‭ ‬التي‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار،‭ ‬وعندما‭ ‬يتحوَّل‭ ‬البحث‭ ‬إلى‭ ‬سياسة‭ ‬أو‭ ‬برنامج‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬حياة‭ ‬الناس،‭ ‬يكون‭ ‬العلم‭ ‬قد‭ ‬أدى‭ ‬رسالته‭.‬

المرأة‭ ‬الليبية‭ ..‬‭ ‬طموح‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬فرصة

كيف‭ ‬ترين‭ ‬واقع‭ ‬المرأة‭ ‬الليبية‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬العلمي؟

المرأة‭ ‬الليبية‭ ‬تمتلك‭ ‬قدرات‭ ‬وطموحاً‭ ‬كبيرين،‭ ‬وحضورها‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬ومراكز‭ ‬البحث‭ ‬والمؤسسات‭ ‬واضح،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تواجه‭ ‬تحديات‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالصورة‭ ‬النمطية‭ ‬والتوفيق‭ ‬بين‭ ‬الأدوار‭ ‬والحصول‭ ‬على‭ ‬فرص‭ ‬متكافئة‭ ‬للتطوير‭ ‬والقيادة‭ ‬والمشاركة‭ ‬الدولية‭.‬

وأرى‭ ‬أن‭ ‬المرأة‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يتحدث‭ ‬بالنيابة‭ ‬عنها‭ ‬بقدر‭ ‬حاجتها‭ ‬إلى‭ ‬بيئة‭ ‬عادلة‭ ‬تؤمن‭ ‬بقدراتها،‭ ‬وإلى‭ ‬نساء‭ ‬ناجحات‭ ‬يساعدن‭ ‬غيرهن‭ ‬على‭ ‬الصعود‭.‬

الأمومة‭ ‬والطموح‭ .. ‬معادلة‭ ‬ممكنة

كيف‭ ‬استطعتِ‭ ‬التوفيق‭ ‬بين‭ ‬مسؤوليات‭ ‬الأسرة‭ ‬والعمل‭ ‬الأكاديمي؟

الأسرة‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬عائقاً‭ ‬أمام‭ ‬النجاح،‭ ‬بل‭ ‬جزءا‭ ‬منه‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬تحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬سهلا‭ ‬دائما،‭ ‬لكنني‭ ‬تعلمت‭ ‬أن‭ ‬التوازن‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬منح‭ ‬كل‭ ‬جانب‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬وإنما‭ ‬إعطاء‭ ‬كل‭ ‬جانب‭ ‬حقه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب‭.‬

كما‭ ‬تعلمت‭ ‬أن‭ ‬النجاح‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تنظيم‭ ‬الأولويات‭ ‬وإدارة‭ ‬الطاقة،‭ ‬وأن‭ ‬يعرف‭ ‬الإنسان‭ ‬متى‭ ‬يعمل،‭ ‬ومتى‭ ‬يرتاح‭ ‬ومتى‭ ‬يقول‭ ‬‮«‬لا‮»‬‭ ‬ومتى‭ ‬يطلب‭ ‬المساعدة‭.‬

وماذا‭ ‬أضافت‭ ‬لك‭ ‬الأمومة؟

الأمومة‭ ‬علمتني‭ ‬الصبر،‭ ‬وأن‭ ‬لكل‭ ‬إنسان‭ ‬إيقاعه‭ ‬الخاص‭. ‬جعلتني‭ ‬أكثر‭ ‬تفهماً‭ ‬للطلاب‭ ‬والزملاء‭ ‬وأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الاستماع،‭ ‬وأكثر‭ ‬إيماناً‭ ‬بأن‭ ‬الخطأ‭ ‬ليس‭ ‬نهاية‭ ‬الطريق‭.‬

كما‭ ‬منحتني‭ ‬معنى‭ ‬أعمق‭ ‬للمسؤولية؛‭ ‬فالأستاذ‭ ‬لا‭ ‬يقدم‭ ‬معلومات‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يترك‭ ‬أثرا‭ ‬في‭ ‬شخصية‭ ‬إنسان‭ ‬ومستقبله‭.‬

النجاح‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬التضحيات

هل‭ ‬كان‭ ‬للنجاح‭ ‬ثمن‭ ‬شخصي‭ ‬أو‭ ‬أسري؟

بالتأكيد،‭ ‬كل‭ ‬نجاح‭ ‬له‭ ‬ثمن‭.‬

أحياناً‭ ‬يكون‭ ‬الثمن‭ ‬وقتاً‭ ‬شخصياً‭ ‬أو‭ ‬سفراً‭ ‬أو‭ ‬تأجيلاً‭ ‬لبعض‭ ‬الرغبات،‭ ‬لكنني‭ ‬لا‭ ‬أصف‭ ‬ذلك‭ ‬دائماً‭ ‬بالخسارة،‭ ‬فالإنسان‭ ‬يختار‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬يراه‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭ ‬وأولوية‭.‬

ما‭ ‬رسالتكِ‭ ‬للمرأة‭ ‬التي‭ ‬تشعر‭ ‬أن‭ ‬الأسرة‭ ‬تعيق‭ ‬طموحها؟

لا‭ ‬تنظري‭ ‬إلى‭ ‬مسؤولياتك‭ ‬الأسرية‭ ‬باعتبارها‭ ‬حكماً‭ ‬على‭ ‬طموحك،‭ ‬ولا‭ ‬إلى‭ ‬طموحك‭ ‬باعتباره‭ ‬خيانة‭ ‬لمسؤولياتك‭.‬

قد‭ ‬يكون‭ ‬الطريق‭ ‬بطيئاً،‭ ‬لكن‭ ‬المهم‭ ‬ألا‭ ‬تتوقفي‭.‬

ادرسي،‭ ‬طوري‭ ‬نفسك،‭ ‬اطلبي‭ ‬الدعم‭ ‬ونظمي‭ ‬وقتك‭.‬

وأقول‭ ‬لكل‭ ‬امرأة‭: ‬طموحك‭ ‬ليس‭ ‬رفاهية،‭ ‬بل‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬حقك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تصنعي‭ ‬أثراً‭ ‬في‭ ‬الحياة‭.‬

أن‭ ‬نصل‭ .. ‬ثم‭ ‬نمد‭ ‬أيدينا

  ‬ما‭ ‬الحلم‭ ‬الذي‭ ‬ما‭ ‬زلت‭ ‬تتطلعين‭ ‬إلى‭ ‬تحقيقه؟

أتطلع‭ ‬إلى‭ ‬مشاريع‭ ‬بحثية‭ ‬أكثر‭ ‬ارتباطاً‭ ‬بقضايا‭ ‬المجتمع،‭ ‬وإلى‭ ‬بناء‭ ‬جسور‭ ‬أكبر‭ ‬بين‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬وصانع‭ ‬القرار،‭ ‬ودعم‭ ‬الباحثين‭ ‬الشباب،‭ ‬خاصة‭ ‬الشابات‭.‬

أما‭ ‬رسالتي‭ ‬للأمهات‭ ‬والنساء‭ ‬والشابات‭ ‬فهي‭:‬

لا‭ ‬تسمحن‭ ‬للظروف‭ ‬أن‭ ‬تقنعكن‭ ‬بأن‭ ‬أحلامكن‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬قدراتكن‭. ‬تعلمن،‭ ‬واقرأن،‭ ‬وابحثن،‭ ‬وثقن‭ ‬بأنفسكن‭.‬

وأؤمن‭ ‬بأن‭ ‬أجمل‭ ‬نجاح‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬نصل،‭ ‬ثم‭ ‬نمد‭ ‬أيدينا‭ ‬لمن‭ ‬يأتي‭ ‬بعدنا‭.‬

فالنجاح‭ ‬ليس‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬وحدك،‭ ‬وإنما‭ ‬أن‭ ‬تترك‭ ‬الطريق‭ ‬أكثر‭ ‬اتساعاً‭ ‬لمن‭ ‬سيأتي‭ ‬بعدك‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى