
في كل مرة تتسع الضغوط الاقتصادية على المواطن الليبي في حلقة تبدو متكررة: مرتبات ترتفع، وأسعار تتصاعد، وقيمة الدينار تتراجع، بينما تتآكل القوة الشرائية للمواطن عاماً بعد آخر.
وتكشف بيانات مصرف ليبيا المركزي قفزة كبيرة في فاتورة المرتبات الحكومية، من 33.1 مليار دينار عام 2021 إلى 73.3 ملياراً في 2025. وفي 2026 خُصص نحو 73.4 مليار دينار للمرتبات، مع توقعات بتجاوزها 80 ملياراً بنهاية العام، خصوصاً مع الزيادات الأخيرة في قطاع الجيش واحتمال امتداد الزيادات إلى قطاعات أخرى.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت حصة المرتبات من إجمالي الإنفاق العام من 38.6% إلى 53.6% خلال الفترة نفسها. أي أن الدولة تنفق نسبة متزايدة من مواردها على الأجور، من دون أن يعني ذلك بالضرورة إنتاجاً أكبر أو اقتصاداً أكثر قوة.
المشكلة تظهر بوضوح عندما نصل إلى جيب المواطن. فبعد خفض قيمة الدينار بنحو 14.7% في يناير 2026، ارتفع التضخم من 2.8% في ديسمبر 2025 إلى 14% في مايو، وهو أعلى مستوى منذ سبتمبر 2018. أما الغذاء، الذي يستحوذ على نحو 39% من سلة المستهلك، فقد سجل تضخماً بلغ 17.6%.
هنا تتضح الحقيقة: زيادة المرتب لا تكفي إذا كانت الأسعار تسبقه.
فالاقتصاد الذي يرفع الأجور دون أن يرفع الإنتاج، ويعتمد على النفط لتمويل الإنفاق وعلى الخارج لتوفير السلع، لا يعالج الأزمة بالمال وحده، بل قد يؤجلها ويعمقها.
المطلوب ليس مجرد مرتب أكبر، وإنما دينار أقوى، وإنتاج أكثر، واقتصاد أقل اعتماداً على الإنفاق العام. وإلا فقد يجد المواطن نفسه أمام مفارقة مؤلمة: راتب أعلى في كشف المرتبات، وجيب أفقر في نهاية الشهر.



