
تتميز مدينة درنة بحب أهلها الاستثنائي لها، حيث شكلت العادات القديمة وأنماط الحياة والتركيبة الاجتماعية المتنوعة من مختلف قبائل ليبيا نسيجًا ثقافيًا فريدًا. هذا الخليط البشري جعل من المدينة نموذجًا نادرًا للتنوع الثقافي الجميل في ليبيا، اجتمعت فيه تقاليد الغرب والشرق مع تأثيرات أندلسية، ليشكل هوية درنية متميزة تجمع بين الأصالة والحداثة ومن الأبيات الشعرية التي يصف بها أبناء درنة حبهم لمدينتهم:
درنه الصحابه كل حد يعرفها
بصحبة نبينا ربنا شرفها
الدنيا ودرنة كل حد في كفه
هذه الأبيات تعكس عمق الانتماء والهوية الدرنية، وتُظهر كيف أن المدينة ليست مجرد مكان جغرافي، بل هي وطن في الوجدان لا يُقارن بأي مكان آخر.
وعُرفت درنة تاريخيًا كمنارة للعلم الشرعي ومدارس القرآن الكريم ومختلف العلوم والثقافة، حيث تعايشت فيها أعراق وخلفيات متنوعة في انسجام، ما جعلها منارة ثقافية في شرق ليبيا..
ليلة غيّرت مصير درنة
في ليلةٍ واحدة، بين العاشر والحادي عشر من سبتمبر 2023، تحوّلت درنة من مدينةٍ ساحلية هادئة إلى مسرحٍ لأكبر كارثة طبيعية في تاريخ ليبيا الحديث، حين ضربت العاصفة المتوسطية «دانيال» الساحل الشرقي، وأغرقت مدن الجبل الأخضر بأمطار تعادل ما يهطل خلال عام كامل في غضون ساعات قليلة. وكان هذا أكبر وأقوى فيضان في القرن الحادي والعشرين في منطقة المتوسط، حيث تسببت الأمطار الغزيرة في انهيار سدي درنة والمنصور، ما أطلق موجة جرافة ارتفاعها سبعة أمتار، جرفت أحياءً كاملة.
غير أن مدينة درنة لم يكن هذا هو الفيضان الأول في تاريخها، فقد شهدت المدينة، عبر عقود متتالية، فيضانات مدمرة، من بينها فيضانات أعوام 1945 و1959 و1968 و1986 و2007، خلفت خسائر بشرية
غير أن كارثة سبتمبر 2023 فاقت جميع تلك الفيضانات من حيث حجم الدمار والخسائر البشرية، بعدما تحول خطرٌ كان معروفًا ومتكررًا عبر التاريخ إلى واحدة من أكثر الكوارث الطبيعية مأساوية في تاريخ المدينة الحديث.
عند الثالثة تقريبًا فجرًا، انهار سدا «وادي درنة» و«أبو منصور» المتهالكان بفعل ضغط المياه وإهمال الصيانة لسنوات، فانطلقت نحو 30 مليون متر مكعب من المياه عبر مجرى الوادي نحو قلب المدينة، جرفت معها أحياءً كاملة، ومزّقت وسط درنة التجاري، ومحت ربع مساحتها الحضرية تقريبًا من الخريطة.
مع الدقائق الأولى من الصباح، كانت درنة الزاهرة، التي يسكنها نحو مئة ألف نسمة، أمام مشهد غير مسبوق: جسور منهارة تقسمها نصفين، آلاف الجثث والمدفونين تحت الطمي أو الملقى بهم في البحر، وعشرات الآلاف من النازحين الذين فقدوا البيوت والمتاجر والذاكرة، فيما قدّر تقرير دولي لاحقًا إجمالي الأضرار والخسائر المادية بحوالي 1.65 مليار دولار، أي ما يعادل 3.6% من الناتج المحلي الإجمالي لليبيا.
سوء الإدارة وتحذيرات المهندسين المُهمَلة
لم تكن الكارثة في درنة طبيعيةً بالكامل؛ إذ سبقتها أيام من التخبط الإداري والأمني في كيفية التعامل مع التحذيرات من العاصفة «دانيال». فبينما اكتفت السلطات في الشرق بقرار حظر تجوال ليلي لمدة يومين ودعوة السكان إلى البقاء في منازلهم، جاءت البلاغات اللاحقة متضاربة؛ تُشدد أولًا على الالتزام بحظر التنقل، ثم تدعو بشكل متأخر إلى إخلاء الأحياء المطلة على شاطئ البحر، دون أن تشمل الأحياء السكنية الواقعة على ضفتي وادي درنة، التي كانت في قلب مسار السيول القاتلة.
هذا التركيز الخاطئ على واجهة البحر باعتبارها مصدر الخطر، مقابل تجاهل مباشر لمخاطر الوادي والسدود المتهالكة فوقه، جعل آلاف المواطنين يتحركون من الأطراف إلى وسط المدينة بحثًا عن «المناطق الآمنة» كما فهموا من التعليمات، ليجدوا أنفسهم في عين الفيضان عند انهيار السدين، وهو ما حوّل سوء إدارة الأزمة إلى عامل مضاعف للخسائر البشرية والمعاناة.
ويضاف إلى ذلك قلة الصيانة والترميم المزمنة للسدود. فقد
صُرفت أموال قبل 2011 وبعدها، لكن بسبب الاضطرابات الأمنية والفساد الإداري لم تكتمل أعمال صيانة السدين أبدًا. وحسب تحقيق لوكالة رويترز بتاريخ 15 سبتمبر 2023، خُصصت 2.3 مليون يورو لصيانة السدود في 2012-2013، لكن الأموال لم تُنفذ فعليًا في الموقع. كما كشفت تحقيقات أن شركة تركية صغيرة تلقت عقود صيانة بقيمة 30 مليون دولار بين 2007 و2010 دون تنفيذ أي أعمال ملموسة.
وبالإضافة إلى ذلك، حذّر أهالي درنة والمهندسون والجيولوجيون المحليون أكثر من مرة من أن سدود درنة لا تتحمل إهمالًا أكثر من ذلك، وأن الكارثة قادمة لا محالة إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة، لكن هذه التحذيرات تُركت دون استجابة من السلطات المختصة.
جرس الإنذار الأخير ندوة «بيت درنة الثقافي»
في يوم الأربعاء 6 سبتمبر 2023، أي قبل انهيار السدود واجتياح العاصفة «دانيال» لدرنة بأربعة أيام فقط، استضاف «بيت درنة الثقافي» ندوة حوارية حملت عنوانًا دقيقًا ومحذّرًا: «وادي درنة.. تبعات الإهمال ومخاطر الانهيارات». ناقش رواد البيت الثقافي خلالها بشكل مباشر وصريح حالة السدود في مجرى وادي درنة، والإهمال الذي طال صيانتها، محذّرين من احتمالية انهيارها والكارثة المائية التي قد تحل بالمدينة.
المفارقة المأساوية أن المثقفين المجتمعين تحت سقف ذلك البيت الثقافي لم يكونوا يعلمون أنهم يجتمعون للمرة الأخيرة، وأن الكارثة التي يحذّرون منها ستحدث بالفعل فجر 11 سبتمبر، لتجرف مياه السد المنهار ربع المدينة، وتجرف معها «بيت درنة الثقافي» نفسه.
ومن أبرز المشاركين في تلك الندوة الشاعر والكاتب الراحل مصطفى الطرابلسي، الذي شارك بقوة وكان من أشد المحذّرين من كارثة السد، وشاءت الأقدار أن يكون هو نفسه من بين آلاف الشهداء الذين ارتقوا في الفيضان بعد هذه الندوة بأيام معدودة.
لم تكن تلك الندوة مجرد نشاط ثقافي عابر، بل يُنظر إليها اليوم كـ«جرس إنذار أخير» ودّعت به النخبة الثقافية في درنة مدينتها قبل الفاجعة، في مفارقة تاريخية مفجعة تُعد من أكثر اللحظات إيلامًا وحزنًا في الذاكرة الليبية الحديثة.
حصيلة ضحايا كارثة درنة والمفقودين
تباينت أرقام ضحايا كارثة فيضانات درنة خلال الأيام والأسابيع الأولى التي أعقبت الكارثة، في ظل استمرار عمليات البحث وانتشال الجثامين وتضارب البيانات الميدانية. ففي يناير 2024، أشارت تقديرات أممية إلى نحو 5,900 وفاة مؤكدة، مع بقاء آلاف الأشخاص في عداد المفقودين.
لكن التحقيق الذي أجراه مكتب النائب العام أفضى لاحقًا إلى تسجيل 4,540 وفاة جراء الفيضانات في درنة، بينهم 3,964 ليبيًا و576 أجنبيًا، وهو الرقم الرسمي الذي ينبغي التمييز بينه وبين التقديرات الأممية المرحلية.
وفي أغسطس 2025، أعلنت الهيئة العامة للبحث والتعرّف على المفقودين أول إحصاء رسمي لملفات المفقودين المرتبطة بكارثة درنة، وبلغ 3,297 ملفًا. وأوضحت الهيئة أن عملية حصر المفقودين وإعداد قاعدة البيانات الوراثية استندت إلى جمع العينات المرجعية من ذويهم، تمهيدًا لمطابقتها مع العينات المأخوذة من الجثامين مجهولة الهوية.
وبحلول سبتمبر 2026، أعلنت الهيئة أن عدد الجثامين التي جرى انتشالها بلغ 3,801 جثمان، فيما تمكنت من التعرف على هوية 354 جثمانًا حتى 10 سبتمبر 2026، عبر مطابقة عينات الحمض النووي (DNA) مع العينات المرجعية والبيانات المسجلة لدى الهيئة. وأوضحت أن نتائج 13 حالة إضافية كانت قد اكتملت، لكنها كانت لا تزال في طريقها إلى الإحالة إلى مكتب النائب العام تمهيدًا للإعلان عنها رسميًا.
أما رقم 11,300 وفاة الذي جرى تداوله على نطاق واسع في الأيام الأولى للكارثة، فقد ورد في تحديث أممي في سبتمبر 2023 استنادًا إلى بيانات نُسبت آنذاك إلى الهلال الأحمر الليبي، قبل أن تُراجع الأمم المتحدة الرقم لاحقًا. ولذلك لا ينبغي التعامل معه بوصفه حصيلة نهائية للضحايا.
وفي الفترة نفسها، قدّر عمدة درنة آنذاك، عبد المنعم الغيثي، أن عدد الوفيات في المدينة قد يصل إلى 18 ألفًا أو 20 ألفًا، مستندًا إلى حجم الأحياء التي جرفتها السيول. وظل هذا الرقم تقديرًا ميدانيًا غير رسمي، ولم تؤكده الحصيلة النهائية للتحقيقات.
ومع ذلك، فإن تعدد الأرقام التي ظهرت خلال مراحل الكارثة يعكس حجم الفوضى التي رافقت عملية الحصر في الأيام الأولى، وصعوبة تحديد مصير آلاف الأشخاص الذين جرفتهم المياه أو دُفنت جثامينهم بصورة عاجلة. وبينما حُسم جزء من الملف عبر عمليات الانتشال والتعرف بالحمض النووي، لا يزال ملف المفقودين مفتوحًا، ولا تزال عمليات التعرف على الجثامين مجهولة الهوية مستمرة.
تطورات إحصائية لضحايا درنة
رغم تلقي آلاف البلاغات من أسر المفقودين في درنة وأخذ آلاف عينات الحمض النووي المرجعية، لم تنجح الهيئة العامة للبحث والتعرّف على المفقودين، عبر عمليات المطابقة الجينية، إلا في التعرف على بضع مئات من الجثامين حتى عام 2026، وهو رقم متواضع مقارنة بحجم الكارثة.
ويرتبط هذا التباطؤ العلمي واللوجستي، من بين عوامل أخرى، بجرف عدد كبير من الجثث إلى أعماق البحر المتوسط وتناثر بعضها على مسافات بعيدة، بما في ذلك سواحل طبرق، وهو ما يترك آلاف العائلات في حالة من «الفقدان الغامض»، في انتظار معرفة مصير ذويهم والتأكد من هويات الجثامين. وقد أضاف ذلك عبئًا إنسانيًا ونفسيًا بالغًا على الأسر، فضلًا عن التعقيدات القانونية والإدارية التي رافقت هذا الملف.
وفي المقابل، تمكنت بعض الأسر من التعرف على ذويها خلال الأيام الأولى للكارثة، قبل دفن الجثامين، من خلال الصور والإجراءات التي جرت آنذاك بإشراف جهات من بينها الهلال الأحمر والنيابة في درنة. كما لجأت أسر أخرى إلى مسارات قضائية لإثبات وفاة مفقوديها؛ إذ يتقدم ذوو المفقود بطلب أمام النيابة، مع الاستناد إلى شهادة أشخاص لديهم معرفة مباشرة بالواقعة، ثم تُحال المسألة إلى المحكمة، ويكون للقاضي تقدير مدى قبول الشهادة والاستناد إليها في إثبات الوفاة، بحسب شهادة أحد مواطني درنة المتضررين من الفيضان، وما يتداوله عدد من أسر المفقودين.
وفي هذا السياق، برزت أيضًا إشكالية المدة القانونية اللازمة لاعتبار المفقود متوفى بحكم القانون، إذ تتداول بين أسر المفقودين في درنة مسألة اشتراط مرور أربع سنوات قبل إمكان إصدار حكم بوفاته قانونًا. وتختلف المدة المطلوبة قانونًا باختلاف حالة المفقود ونوع الدعوى، وهو ما يجعل كثيرًا من الأسر تلجأ إلى محامين متخصصين لتقييم كل حالة على حدة غير أن النقاشات القانونية حول ملف المفقودين لم تتوقف؛ فقد نظّمت جامعة درنة ووزارة العدل ملتقيات حوارية حول «أحكام المفقود في القانون الليبي»، وطُرحت مقترحات لتشريع خاص بالكوارث يسهّل الحكم بوفاة المفقودين، كما شهد عامَا 2025 و2026 جهودًا للتوافق حول مسودة قانون وطني بشأن الأشخاص المفقودين برعاية الأمم المتحدة. ومع ذلك، ظل تطبيق الآليات القانونية والإدارية المرتبطة بهذا الملف بطيئًا، ولا تزال مسألة تحديد مصير المفقودين والتعرف على الجثامين تمثل عبئًا مستمرًا على الأسر.
وأوضحت الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين أن عدد الجثامين التي تم انتشالها تجاوز 3,800 جثمان، بين ليبيين ووافدين، فيما بلغ إجمالي الحالات التي تم التعرف على هوياتها 354 حالة حتى 10 سبتمبر 2026، وذلك عبر مطابقة عينات الحمض النووي مع البيانات المتاحة في قواعد المعلومات الرسمية.
وصرّح رئيس الهيئة، كمال السيوي، بأن عملية التعرف على الجثامين قد تستغرق سنوات بسبب اختفاء عائلات كاملة في كارثة درنة، ما يؤدي إلى غياب عينات مرجعية كافية من الأقارب الأحياء لإتمام عمليات المطابقة الجينية بشكل سريع.
وكشف السيوي أن المؤسسة لم تتلقَّ أي تمويل مخصص لملف درنة منذ عام 2024، ما انعكس مباشرة على قدرات المختبرات الجنائية وفرق المتابعة الميدانية، مرجعًا هذا التعطل المالي إلى الصعوبات الاقتصادية العامة والانقسامات السياسية والتجاذبات بين السلطات المتنافسة، التي أدت إلى تعطيل اعتماد الميزانيات اللازمة لاستكمال الملف بشكل منظم وشامل .



