مرايا

من داخل أروقة المحاكم   بعد سنوات من الصبر الأم ما زالت تقول: (نبي صغاري)

لم‭ ‬تكن‭ ‬تظن‭ ‬أن‭ ‬زواجها‭ ‬سيأخذ‭ ‬منها‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يمنحها،‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬السنوات‭ ‬التي‭ ‬قضتها‭ ‬صابرة‭ ‬بالرغم‭  ‬الخلافات‭ ‬والإهانة‭ ‬والخيانة،‭ ‬ستنتهي‭ ‬بها‭ ‬واقفة‭ ‬أمام‭ ‬أبواب‭ ‬المحاكم‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬حقها‭ ‬في‭ ‬أبنائها‭. ‬هي‭ ‬امرأة‭ ‬ليبية‭ ‬تروي‭ ‬قصتها‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬اسمها،‭ ‬أو‭ ‬صورتها‭ ‬حفاظًا‭ ‬على‭ ‬خصوصية‭ ‬أسرتها‭.‬

‭ ‬تقول‭ : ‬إنها‭ ‬كانتْ‭ ‬قبل‭ ‬الزواج‭ ‬ناجحة‭ ‬في‭ ‬عملها،‭ ‬ولها‭ ‬مكانتها‭ ‬واستقلالها،‭ ‬ثم‭ ‬جاء‭ ‬الزواج‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬راغبة‭ ‬فيه‭ ‬كثيرًا،‭ ‬لكنها‭ ‬قبلت‭ ‬بنصيبها،‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬أن‭ ‬تبني‭ ‬حياة‭ ‬مستقرة‭.‬‭ ‬لكن،‭ ‬بحسب‭ ‬روايتها،‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تبدلت‭ ‬الوعود‭ ‬بعد‭ ‬الزواج‭. )‬اللي‭ ‬اتفقنا‭ ‬عليه‭ ‬قبل‭ ‬الزواج‭ ‬مش‭ ‬هو‭ ‬اللي‭ ‬صار‭ ‬بعده‭(. ‬حُرمت‭ ‬من‭ ‬عملها،‭ ‬وأنجبت‭ ‬أطفالها،‭ ‬وبدأتْ‭ ‬رحلة‭ ‬طويلة‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬تصفه‭ ‬بسوء‭ ‬المعاملة‭ ‬والبخل‭ ‬والخيانة‭ ‬والعنف‭. ‬تقول‭ ‬إنّ‭ ‬الاعتداء‭ ‬عليها‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬حادثًا‭ ‬عابرًا،‭ ‬بل‭ ‬تكرر‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬الزواج،‭ ‬حتى‭ ‬تعرضت‭ ‬للضرب‭ ‬وهي‭ ‬حامل‭ ‬في‭ ‬شهرها‭ ‬السادس،‭ ‬وفي‭ ‬واقعة‭ ‬أخرى‭ ‬خرجت‭ ‬من‭ ‬منزلها‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تم‭ ‬اعتداء‭ ‬عليها،‭ ‬بينما‭ ‬حُرمت‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬أطفالها‭ ‬لفترة‭.‬

وتروي‭ ‬أن‭ ‬الخلافات‭ ‬بلغت‭ ‬ذروتها‭ ‬عندما‭ ‬اكتشفت،‭ ‬بحسب‭ ‬قولها،‭ ‬‮«‬علاقات‭ ‬لزوجها‭ ‬بامرأة‭ ‬أخرى‮»‬،‭ ‬ثم‭ ‬اكتشفت‭ ‬لاحقًا‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬يُدخل‭ ‬امرأة‭ ‬إلى‭ ‬المنزل‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬تقيم‭ ‬فيه‭ ‬مع‭ ‬أطفالها‭. )‬ما‭ ‬قدرتش‭ ‬نكمل‭..‬لكن‭ ‬رجعت‭ ‬مرغمة‭ ‬على‭ ‬خاطر‭ ‬صغاري‭(. ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬السنوات،‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬الإهانة‭ ‬أصبحت‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬حياتها‭ ‬اليومية،‭ ‬وإن‭ ‬زوجها‭ ‬كان‭ ‬يهددها‭ ‬بالطلاق‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يمنحها‭ ‬إياه،‭ ‬ويمنعها‭ ‬من‭ ‬أطفالها‭ ‬كلما‭ ‬حاولت‭ ‬الانفصال‭. ‬وفي‭ ‬نهاية‭ ‬2022،‭ ‬تعرضت،‭ ‬وفق‭ ‬روايتها،‭ ‬لضرب‭ ‬مبرح‭ ‬تسبب‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬مشكلة‭ ‬صحية‭ ‬بوجهها‭. ‬ذهبت‭ ‬إلى‭ ‬طبيب‭ ‬مختص،‭ ‬فأخبرها‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬أصابها‭ ‬مرتبط‭ ‬بالتهاب‭ ‬في‭ ‬العصب‭ ‬والتوتر‭ ‬الشديد‭. ‬عندها‭ ‬قررتُ‭ ‬أن‭ ‬تقول‭: ‬كفى‭. ‬في‭ ‬يناير‭ ‬2023‭ ‬غادرت‭ ‬منزل‭ ‬الزوجية‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬أهلها،‭ ‬ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬بدأت‭ ‬معركة‭ ‬أخرى؛‭ ‬معركة‭ ‬استعادة‭ ‬أطفالها‭ ‬وإنهاء‭ ‬زواج‭ ‬تقول‭ ‬إنه‭ ‬استنزف‭ ‬17‭ ‬عامًا‭ ‬من‭ ‬عمرها‭. ‬رفعت‭ ‬قضية‭ ‬طلاق‭ ‬للضرر،‭ ‬واستندت،‭ ‬بحسب‭ ‬روايتها،‭ ‬إلى‭ ‬شهادات‭ ‬وتقارير‭ ‬وأدلة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تعرضت‭ ‬له‭. ‬وفي‭ ‬يوليو‭ ‬الماضي‭ ‬صدر‭ ‬حكم‭ ‬قضائي‭ ‬بمنحها‭ ‬حضانة‭ ‬الأطفال‭ ‬والنفقة،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬طليقها‭ ‬رفض‭ ‬تنفيذ‭ ‬الحكم،‭ ‬وغادر‭ ‬بالأطفال،‭ ‬واستمر‭ ‬في‭ ‬منعها‭ ‬من‭ ‬رؤيتهم‭. ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬محاولاتها‭ ‬لتنفيذ‭ ‬الحكم‭ ‬اصطدمت‭ ‬بالتأجيل‭ ‬والإجراءات‭ ‬والمحسوبية،‭ ‬وإنها‭ ‬تعرضت‭ ‬كذلك‭ ‬لمحاولات‭ ‬مساومة‭ ‬وابتزاز‭ ‬رفضتها،‭ ‬لأنها،‭ ‬كما‭ ‬تقول‭: )‬أنا‭ ‬ماشية‭ ‬بالقانون،‭ ‬وما‭ ‬نبيش‭ ‬ندير‭ ‬قانون‭ ‬الغابة‭(. ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬تطلب‭ ‬مالًا‭ ‬ولا‭ ‬تعويضًا‭ ‬عن‭ ‬سنوات‭ ‬عمرها،‭ ‬بل‭ ‬تكرر‭ ‬جملة‭ ‬واحدة‭: )‬نبي‭ ‬صغاري‭(. ‬وتسأل‭ ‬بحرقة‭: ‬مضنْ‭ ‬يعيد‭ ‬إليها‭ ‬17‭ ‬عامًا‭ ‬من‭ ‬عمرها؟‭ ‬ومن‭ ‬يعوضها‭ ‬عن‭ ‬سنوات‭ ‬عاشت‭ ‬فيها‭ ‬الخوف‭ ‬والإهانة‭ ‬والحرمان‭ ‬من‭ ‬أبنائها؟‭ ‬قصتها،‭ ‬كما‭ ‬ترويها،‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬خلاف‭ ‬بين‭ ‬زوجين،‭ ‬بل‭ ‬صرخة‭ ‬امرأة‭ ‬تقول‭ ‬إنها‭ ‬اختارت‭ ‬طريق‭ ‬القضاء‭ ‬بدل‭ ‬الفوضى،‭ ‬وتطالب‭ ‬بأن‭ ‬يكون‭ ‬القانون‭ ‬ملاذًا‭ ‬للضعيف‭ ‬قبل‭ ‬القوي‭. ‬وفي‭ ‬الختام،‭ ‬يبقى‭ ‬النداء‭ ‬إلى‭ ‬القضاء‭ ‬الليبي‭:‬‭ ‬أن‭ ‬ينظر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬بعين‭ ‬العدالة،‭ ‬وأن‭ ‬يضمن‭ ‬تنفيذ‭ ‬الأحكام‭ ‬وصون‭ ‬حقوق‭ ‬الأم‭ ‬وأطفالها،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الواسطة‭ ‬والمحسوبية،‭ ‬وأن‭ ‬تحصل‭ ‬هذه‭ ‬المرأة‭ ‬على‭ ‬حقوقها‭ ‬كاملة‭ ‬وفق‭ ‬القانون،‭ ‬وأن‭ ‬تُحمى‭ ‬مصلحة‭ ‬الأطفال‭ ‬أولًا‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى