رأي

قوانيننا‭ ‬تحتضر‭ ‬نحو‭ ‬ثورة ‭ ‬تشريعية‭ ‬عاجلة

عثمان‭ ‬القاجيجي

في‭ ‬ظل‭ ‬التطورات‭ ‬المُتسارعة‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬بلادنا‭ ‬على‭ ‬كافة‭ ‬الأصعدة،‭ ‬تبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬الماسّة‭ ‬لقيام‭ ‬البرلمان‭ ‬الليبي‭ ‬بمراجعة‭ ‬القوانين‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬تُنظم‭ ‬حياة‭ ‬المُجتمع‭ ‬وتضبط‭ ‬إيقاعه‭. ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬التشريعات،‭ ‬رغم‭ ‬أهميتها‭ ‬التاريخية‭ ‬وحفظها‭ ‬للحقوق‭ ‬لعقود‭ ‬مضت،‭ ‬تتطلب‭ ‬اليوم‭ ‬وقفة‭ ‬جادة‭ ‬لإعادة‭ ‬النظر‭ ‬فيها‭ ‬بعد‭ ‬تقييمها‭ ‬بشكل‭ ‬موضوعي‭ ‬ودقيق،‭ ‬لتواكب‭ ‬متطلبات‭ ‬العصر‭ ‬وتُسهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬دولة‭ ‬حديثة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬المتزايدة‭.‬

إن‭ ‬التطور‭ ‬المذهل‭ ‬في‭ ‬التقنية‭ ‬والاعتماد‭ ‬المتزايد‭ ‬على‭ ‬الفضاء‭ ‬الرقمي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ظهور‭ ‬الجريمة‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المُستجدات‭ ‬الواقعية،‭ ‬قد‭ ‬أفرزت‭ ‬تحديات‭ ‬غير‭ ‬مَسبوقة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬الحسبان‭ ‬عند‭ ‬صياغة‭ ‬القوانين‭ ‬القديمة‭. ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬الجديد‭ ‬يجعل‭  ‬بكل‭ ‬أسف‭ – ‬النصوص‭ ‬التشريعية‭ ‬الحالية‭ ‬بالية،‭ ‬وغير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬هذه‭ ‬التغيرات،‭ ‬مما‭ ‬يفقدها‭ ‬الفاعلية‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬توصيف‭ ‬الجرائم‭ ‬الحديثة‭ ‬أو‭ ‬توفير‭ ‬الرادع‭ ‬القانوني‭ ‬المُناسب‭ ‬لها‭.‬

وأمام‭ ‬هذا‭ ‬القصور‭ ‬التشريعي،‭ ‬يقع‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬البرلمان،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬وجوده‭ ‬برئاسة‭ ‬جديدة،‭ ‬مسؤولية‭ ‬تاريخية‭ ‬للنهوض‭ ‬بالبُـنية‭ ‬القانونية‭ ‬للدولة‭. ‬يتطلب‭ ‬الأمر‭ ‬الشَروع‭ ‬الفوري،‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬لجان‭ ‬فنية‭ ‬مُتخصصة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬خبرة‭ ‬أعضاء‭ ‬البرلمان‭ ‬المعنيين‭ ‬بالشأن‭ ‬القانوني‭ ‬التخصصي،‭ ‬وبين‭ ‬الكفاءات‭ ‬الأكاديمية‭ ‬والقانونية‭ ‬والمُتخصصين‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬الخبرة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬فروع‭ ‬القانون‭ ‬والمستجدات‭ ‬التقنية‭ ‬والجنائية‭.‬

كما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تَعمل‭ ‬هذه‭ ‬اللجان‭ ‬الفنية‭ ‬المشتركة‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬‮«‬التفرغ‭ ‬التام‮»‬‭ ‬و«بدون‭ ‬مقابل‭ ‬مادي‮»‬،‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬الواجب‭ ‬الوطني‭ ‬الخالص‭ ‬والشُعور‭ ‬بالمسؤولية‭ ‬تجاه‭ ‬الأجيال‭ ‬القادمة‭. ‬وتتركز‭ ‬مهمة‭ ‬هذه‭ ‬اللجان‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬التشريعات‭ ‬النافذة‭ ‬المختلفة‭ ‬بعمق‭ ‬ونظرة‭ ‬مستقبلية،‭ ‬ومقارنتها‭ ‬بالمَعايير‭ ‬الحديثة،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬وضع‭ ‬مُقترحات‭ ‬عملية‭ ‬ورصينة‭ ‬لتطويرها‭ ‬وتحديثها،‭ ‬لتكون‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬حِماية‭ ‬المجتمع‭ ‬وصون‭ ‬حقوق‭ ‬أفراده‭ ‬بفعالّية‭.‬

وعقب‭ ‬الانتهاء‭ ‬من‭ ‬صياغة‭ ‬المُسودات‭ ‬وتحديث‭ ‬النصوص،‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تُقر‭ ‬هذه‭ ‬القوانين‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬محيطها‭ ‬الأكاديمي‭ ‬والمُجتمعي؛‭ ‬بل‭ ‬تقوم‭ ‬كل‭ ‬لجنة‭ ‬‮«‬بعرض‭ ‬توصياتها‭ ‬ومقترحاتها‮»‬‭ ‬بشفافِية‭ ‬على‭ ‬الجامعات‭ ‬والمراكز‭ ‬البَحثية‭ ‬‮«‬كل‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬اختصاصه‮»‬‭ ‬ومُنظمات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭. ‬إن‭ ‬إشراك‭ ‬هذه‭ ‬الجهات‭ ‬يُعد‭ ‬ضمانة‭ ‬حقيقية‭ ‬لإثراء‭ ‬النقاش‭ ‬القانوني،‭ ‬والاستماع‭ ‬إلى‭ ‬الملاحظات‭ ‬والتعليقات‭ ‬البناءة‭ ‬من‭ ‬نُخب‭ ‬المُجتمع‭ ‬وصناع‭ ‬الرأي‭ ‬فيه‭.‬

إن‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬المسار‭ ‬التشاركي‮»‬‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يُنظم‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬برنامج‭ ‬وطني‭ ‬شامل‭ ‬يتجاوز‭ ‬أي‭ ‬تجاذبات‭ ‬سياسية‭ ‬او‭ ‬مناقطية،‭ ‬ويجمع‭ ‬كافة‭ ‬الأطياف‭ ‬حول‭ ‬هدف‭ ‬واحد،‭ ‬وهو‭ ‬سيادة‭ ‬القانون‭ ‬وتحديث‭ ‬التشريعات‭. ‬بهذه‭ ‬الخطوات‭ ‬المدروسة‭ ‬والمُعتدلة،‭ ‬يُمكننا‭ ‬أن‭ ‬نؤسس‭ ‬لبيئة‭ ‬‮«‬قانونية‭ ‬متينة‮»‬‭ ‬تحمي‭ ‬مُقدرات‭ ‬الوطن‭ ‬والمواطن،‭ ‬وتُواكب‭ ‬مستجدات‭ ‬الجريمة‭ ‬والتقنية،‭ ‬وتعيد‭ ‬ثقة‭ ‬المُواطن‭ ‬الليبي‭ ‬في‭ ‬مؤسساته‭ ‬التشريعية‭ ‬وفي‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬العدالة‭ ‬الناجزة‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى