
في ظل التطورات المُتسارعة التي تشهدها بلادنا على كافة الأصعدة، تبرز الحاجة الماسّة لقيام البرلمان الليبي بمراجعة القوانين الأساسية التي تُنظم حياة المُجتمع وتضبط إيقاعه. إن هذه التشريعات، رغم أهميتها التاريخية وحفظها للحقوق لعقود مضت، تتطلب اليوم وقفة جادة لإعادة النظر فيها بعد تقييمها بشكل موضوعي ودقيق، لتواكب متطلبات العصر وتُسهم في بناء دولة حديثة قادرة على مواجهة التحديات المتزايدة.
إن التطور المذهل في التقنية والاعتماد المتزايد على الفضاء الرقمي، إلى جانب ظهور الجريمة العابرة للحدود وغيرها من المُستجدات الواقعية، قد أفرزت تحديات غير مَسبوقة لم تكن في الحسبان عند صياغة القوانين القديمة. هذا الواقع الجديد يجعل بكل أسف – النصوص التشريعية الحالية بالية، وغير قادرة على استيعاب هذه التغيرات، مما يفقدها الفاعلية والقدرة على توصيف الجرائم الحديثة أو توفير الرادع القانوني المُناسب لها.
وأمام هذا القصور التشريعي، يقع على عاتق البرلمان، وخاصة في ظل وجوده برئاسة جديدة، مسؤولية تاريخية للنهوض بالبُـنية القانونية للدولة. يتطلب الأمر الشَروع الفوري، في تكوين لجان فنية مُتخصصة تجمع بين خبرة أعضاء البرلمان المعنيين بالشأن القانوني التخصصي، وبين الكفاءات الأكاديمية والقانونية والمُتخصصين من ذوي الخبرة في مختلف فروع القانون والمستجدات التقنية والجنائية.
كما يجب أن تَعمل هذه اللجان الفنية المشتركة على سبيل «التفرغ التام» و«بدون مقابل مادي»، انطلاقاً من الواجب الوطني الخالص والشُعور بالمسؤولية تجاه الأجيال القادمة. وتتركز مهمة هذه اللجان في دراسة التشريعات النافذة المختلفة بعمق ونظرة مستقبلية، ومقارنتها بالمَعايير الحديثة، ومن ثم وضع مُقترحات عملية ورصينة لتطويرها وتحديثها، لتكون قادرة على حِماية المجتمع وصون حقوق أفراده بفعالّية.
وعقب الانتهاء من صياغة المُسودات وتحديث النصوص، لا ينبغي أن تُقر هذه القوانين بمعزل عن محيطها الأكاديمي والمُجتمعي؛ بل تقوم كل لجنة «بعرض توصياتها ومقترحاتها» بشفافِية على الجامعات والمراكز البَحثية «كل في مجال اختصاصه» ومُنظمات المجتمع المدني. إن إشراك هذه الجهات يُعد ضمانة حقيقية لإثراء النقاش القانوني، والاستماع إلى الملاحظات والتعليقات البناءة من نُخب المُجتمع وصناع الرأي فيه.
إن هذا «المسار التشاركي» يجب أن يُنظم في إطار برنامج وطني شامل يتجاوز أي تجاذبات سياسية او مناقطية، ويجمع كافة الأطياف حول هدف واحد، وهو سيادة القانون وتحديث التشريعات. بهذه الخطوات المدروسة والمُعتدلة، يُمكننا أن نؤسس لبيئة «قانونية متينة» تحمي مُقدرات الوطن والمواطن، وتُواكب مستجدات الجريمة والتقنية، وتعيد ثقة المُواطن الليبي في مؤسساته التشريعية وفي قدرتها على تحقيق العدالة الناجزة.


