مرايا

من‭ ‬أروقة‭ ‬المحكمة ضحّت‭ ‬بكل‭ ‬شيء‭ .. ‬فمَنْ‭ ‬يحفظ‭ ‬قلبها‭ ‬؟

إشراف :فايزة العجيلي

في‭ ‬المحكمة‭ ‬الابتدائية‮ ‬‭ ‬بإحدى‭ ‬ضواحي‭ ‬طرابلس‮ ‬‭ ‬الواقعة‭ ‬بمنطقة‭ ‬الحي‭ ‬الإسلامي؛‭ ‬حيث‭ ‬تتزاحم‭ ‬الحكايات،‭ ‬وتنكشف‭ ‬أسرار‭ ‬البيوت‭ ‬خلف‭ ‬أبواب‭ ‬القضايا‭. ‬التقيتُ‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬بامرأة‭ ‬في‭ ‬العقد‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬عمرها‭ ‬تحمل‭ ‬بين‭ ‬يديها‭ ‬أوراق‭ ‬الطلاق‭ ‬وتتردَّد‭ ‬في‭ ‬تقديمها‭ ‬كأنها‭ ‬تقف‭ ‬بين‭ ‬قرار‭ ‬ينقذ‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬روحها‭ ‬وخوف‭ ‬قديم‭ ‬يسكن‭ ‬قلبها‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭.‬

كانت‭ ‬تقلب‭ ‬صفحاتها‭ ‬بين‭ ‬الحين‭ ‬والآخر‭ ‬ثم‭ ‬تعود‭ ‬فتضمها‭ ‬إلى‭ ‬صدرها‭ ‬اقتربتُ‭ ‬منها‭ ‬ألقيتُ‭ ‬عليها‭ ‬التحية‭ ‬وسألتها‭ ‬عن‭ ‬سبب‭ ‬وجودها‭ ‬في‭ ‬المحكمة‭ ‬فتنهدتْ‭ ‬طويلًا‭ ‬ثم‭ ‬قالتْ‭ ‬بصوتٍ‭ ‬خافتٍ‭: ‬‭)‬جيت‭ ‬اليوم‭ ‬باش‭ ‬نقدم‭ ‬أوراق‭ ‬طلاقي‭ ‬لكن‭ ‬والله‭ ‬مش‭ ‬قادرة‭ ‬ناخذ‭ ‬القرار‭ ‬مش‭ ‬خوفًا‭ ‬منه‭ ‬لكن‭ ‬خايفة‭ ‬على‭ ‬صحة‭ ‬بوي‭ ‬لو‭ ‬يعرف‭ ‬اللي‭ ‬صاير‭ ‬معاي‭ ‬مش‭ ‬عارفة‭ ‬شن‭ ‬بيصير‭ ‬فيه؟‭(.‬

بدأتْ‭ ‬حكايتها‭ ‬في‭ ‬2017‭ ‬حين‭ ‬تقدم‭ ‬ابن‭ ‬عمها‭ ‬المولود‭ ‬عام‭ ‬1992‭ ‬لخطبتها‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تعرف‭ ‬عنه‭ ‬الكثير‭ ‬فقد‭ ‬نشأتْ‭ ‬في‭ ‬عائلة‭ ‬محافظة‭ ‬لا‭ ‬تختلط‭ ‬فيها‭ ‬الفتيات‭ ‬بالشباب‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬هناك‭ ‬فرصة‭ ‬للتعرّف‭ ‬إلى‭ ‬طباعه‭ ‬قبل‭ ‬الزواج‭.‬

تضيف‭ : ‬‭)‬في‭ ‬البداية‭ ‬كنتُ‭ ‬رافضة‭ ‬لكن‭ ‬بوي‭ ‬قالي‭: ‬كان‭ ‬تبي‭ ‬رضاي‭ ‬خذيه‭ ‬وعلى‭ ‬خاطره‭ ‬وافقتُ‭. ‬قالولي‭ ‬بنسكن‭ ‬مع‭ ‬العيلة‭ ‬وبعد‭ ‬عام‭ ‬يكون‭ ‬حوشك‭ ‬كامل‭ ‬ودرنا‭ ‬العرس‭ ‬بعد‭ ‬شهرين‭(‬‭.‬

مرتْ‭ ‬الأسابيع‭ ‬الأولى‭ ‬هادئة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬الشكوك‭ ‬تتسلل‭ ‬إلى‭ ‬قلبها‭. ‬لاحظتْ‭ ‬اهتمام‭ ‬زوجها‭ ‬الزائد‭ ‬بإحدى‭ ‬قريباته‭ ‬فقرَّرتْ‭ ‬تفتيش‭ ‬هاتفه‭ ‬لتكتشف‭ ‬علاقة‭ ‬سابقة‭ ‬بينهما‭ ‬وصورًا‭ ‬تجمعهما‭. ‬واجهته‭ ‬وبكتْ‭ ‬ثم‭ ‬قبلتْ‭ ‬اعتذاره‭ ‬ومنحته‭ ‬فرصة‭ ‬جديدة‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬مجرد‭ ‬ماضٍ‭ ‬لن‭ ‬يعود‭.‬

لكن‭ ‬الصدمة‭ ‬عادتْ‭ ‬بعد‭ ‬أشهر‭ ‬وهي‭ ‬حامل‭ ‬بطفلها‭ ‬الأول‭ ‬حين‭ ‬اكتشفتْ‭ ‬علاقة‭ ‬أخرى‭ ‬مع‭ ‬فتاة‭ ‬من‭ ‬العائلة‭ ‬نفسها‭.‬

تقول‭ ‬بحرقة‭: ‬‭)‬انقهرتْ‭ ‬وندمتْ‭ ‬لكن‭ ‬خليتها‭ ‬في‭ ‬قلبي‭. ‬كل‭ ‬ما‭ ‬نتذكر‭ ‬كلمة‭ ‬بوي‭: ‬‮«‬الله‭ ‬لا‭ ‬يسامحني‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬زعلك‭ ‬ولا‭ ‬ضايقك‮»‬‭ ‬نحس‭ ‬روحي‭ ‬مكسورة‭ ‬وما‭ ‬نبيش‭ ‬نحسسه‭ ‬إن‭ ‬اختياره‭ ‬كان‭ ‬غلطًا‭(.‬

حاولتْ‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬جديد،د‭ ‬وتحملتْ‭ ‬ما‭ ‬استطاعت‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬بيتها‭ ‬وطفلها‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الشكوك‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬وحدها‭ ‬ما‭ ‬يهدَّد‭ ‬استقرار‭ ‬حياتها‭.‬

ففي‭ ‬أحد‭ ‬أيام‭ ‬رمضان‭ ‬لاحظتْ‭ ‬أن‭ ‬زوجها‭ ‬يتناول‭ ‬الماء‭ ‬بعد‭ ‬الإفطار‭ ‬ثم‭ ‬يخرج،‭ ‬فقرَّرتْ‭ ‬أن‭ ‬تعرف‭ ‬السبب‭. ‬كانت‭ ‬الصدمة‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬مختلفة‭ ‬وجدته‭ ‬يتعاطى‭ ‬الحشيش‭ ‬داخل‭ ‬سيارته‭.‬

‭)‬والله‭ ‬انصدمت‭ ‬وما‭ ‬عرفتش‭ ‬شن‭ ‬ندير‭. ‬واجهته،‭ ‬قالي‭ ‬‮«‬والله‭ ‬نجرب‭ ‬فيه‭ ‬بس‮»‬،‭ ‬وكلمت‭ ‬خواته‭ ‬باش‭ ‬يساعدوني‭ ‬وقلت‭ ‬يمكن‭ ‬يتغير‭(.‬

ولم‭ ‬تكد‭ ‬تتجاوز‭ ‬تلك‭ ‬الأزمة‭ ‬حتى‭ ‬وقع‭ ‬خلاف‭ ‬بسيط‭ ‬بينهما‭ ‬بسبب‭ ‬التلفزيون‭ ‬أرادتْ‭ ‬تشغيل‭ ‬إحدى‭ ‬قنوات«القرآن‭ ‬الكريم‮»‬‭ ‬لتنام‭ ‬بينما‭ ‬أراد‭ ‬هو‭ ‬إطفاؤه‭. ‬تصاعد‭ ‬النقاش‭ ‬وانتهى‭ ‬بلفظ‭ ‬الطلاق‭ ‬بعد‭ ‬شهرين‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬ولادة‭ ‬طفلها‭ ‬الأول‭. ‬تدخل‭ ‬والد‭ ‬زوجها‭ ‬فعادتْ‭ ‬إلى‭ ‬بيتها‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬وظلت‭ ‬تفاصيل‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬أشقائها‭ ‬خوفًا‭ ‬من‭ ‬اتساع‭ ‬دائرة‭ ‬الخلافات‭.‬

ومع‭ ‬مرور‭ ‬السنوات‭ ‬تحولتْ‭ ‬المشكلات‭ ‬المتكررة‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬نفسي‭ ‬أثقلها‭ ‬حتى‭ ‬دخلت‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬اكتئاب‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تعمل‭ ‬ولم‭ ‬يُتح‭ ‬لها‭ ‬استكمال‭ ‬دراستها‭ ‬كما‭ ‬تقول‭ ‬إنها‭ ‬حُرمتْ‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬ومن‭ ‬استخدام‭ ‬بعض‭ ‬تطبيقات‭ ‬‮«‬الإنترنت‮»‬‭ ‬والخروج‭ ‬إلا‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬أهلها‭.‬

ورغم‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬تجعل‭ ‬ضيق‭ ‬الحال‭ ‬المادي‭ ‬سببًا‭ ‬للخلاف،‭ ‬ولم‭ ‬تطلب‭ ‬حياة‭ ‬مترفة‭ ‬كانتْ‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬الرزق‭ ‬من‭ ‬الله،‭ ‬وأن‭ ‬الشراكة‭ ‬الحقيقية‭ ‬تعني‭ ‬الوقوف‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الزوج‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬العسر‭ ‬قبل‭ ‬اليسر‭.‬

‭)‬كنتُ‭ ‬نقدر‭ ‬ظروفه‭ ‬ونخدم‭ ‬أمه‭ ‬وبوه‭ ‬ونرحب‭ ‬بخواته‮ ‬‭ ‬ونحرم‭ ‬روحي‭ ‬من‭ ‬حاجات‭ ‬واجدة‭ ‬باش‭ ‬نوفروا‭ ‬القرش‭. ‬لكن‭ ‬عمري‭ ‬ما‭ ‬توقعت‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬التضحيات‭ ‬ما‭ ‬يكونش‭ ‬ليها‭ ‬حتى‭ ‬قيمة‭(.‬

أما‭ ‬الضربة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬فجاءتْ‭ ‬خلال‭ ‬تردَّدها‭ ‬على‭ ‬إحدى‭ ‬المصحات‭ ‬لإجراء‭ ‬كشوفات‭ ‬طبية،‭ ‬حين‭ ‬اكتشفتْ‭ ‬أن‭ ‬زوجها‭ ‬أخذ‭ ‬رقم‭ ‬موظفة‭ ‬الاستقبال‭ ‬وأصبح‭ ‬يتواصل‭ ‬معها‭.‬

عند‭ ‬هذه‭ ‬النقطة،‭ ‬شعرتْ‭ ‬أن‭ ‬سنوات‭ ‬الصبر‭ ‬التي‭ ‬منحتها‭ ‬لزواجها‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬كافية‭ ‬لإقناعها‭ ‬بالاستمرار‭. ‬حملت‭ ‬أوراق‭ ‬الطلاق‭ ‬وتوجهت‭ ‬إلى‭ ‬المحكمة،‭ ‬لكنها‭ ‬توقفت‭ ‬أمام‭ ‬سؤال‭ ‬واحد‭: ‬كيف‭ ‬ستواجه‭ ‬والدها‭ ‬إذا‭ ‬علم‭ ‬أن‭ ‬ابنته‭ ‬التي‭ ‬وافقت‭ ‬على‭ ‬الزواج‭ ‬إرضاءً‭ ‬له‭ ‬عادت‭ ‬تحمل‭ ‬وجعها‭ ‬وأوراق‭ ‬انفصالها؟‭.‬

وقبل‭ ‬أن‭ ‬تنهي‭ ‬حديثها،‭ ‬قالت‭: ‬‭)‬أنا‭ ‬مش‭ ‬نادمة‭ ‬إني‭ ‬وقفت‭ ‬معاه‭ ‬ولا‭ ‬نادمة‭ ‬إني‭ ‬تحملت‭ ‬ظروفه‭ ‬لكن‭ ‬نبي‭ ‬نفهم‭ ‬علاش‭ ‬اللي‭ ‬تعطي‭ ‬من‭ ‬قلبها‭ ‬وتراعي‭ ‬ظروف‭ ‬راجلها‭ ‬وتوقف‭ ‬مع‭ ‬أهله‭ ‬ما‭ ‬تلقاش‭ ‬حتى‭ ‬التقدير؟‭ ‬شن‭ ‬جابرني‭ ‬نعيش‭ ‬عمري‭ ‬كله‭ ‬في‭ ‬وجع؟‭(.‬

غادرتْ‭ ‬المكان‭ ‬وهي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬متردَّدة‭ ‬تحمل‭ ‬أوراقها‭ ‬في‭ ‬يد،‭ ‬والخوف‭ ‬على‭ ‬والدها‭ ‬في‭ ‬اليد‭ ‬الأخرى‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬نصيحة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬إجابة‭ ‬لسؤال‭ ‬ظل‭ ‬يؤرقها‭ ‬سنوات‭:‬‭ ‬هل‭ ‬يصبح‭ ‬الصبر‭ ‬واجبًا‭ ‬لا‭ ‬نهاية‭ ‬له؟،‭ ‬وهل‭ ‬تتحوَّل‭ ‬التضحية‭ ‬إلى‭ ‬حق‭ ‬مكتسب‭ ‬للطرف‭ ‬الآخر؟‭.‬

في‭ ‬أروقة‭ ‬المحاكم،‭ ‬لا‭ ‬تحمل‭ ‬أوراق‭ ‬الطلاق‭ ‬دائمًا‭ ‬نهاية‭ ‬قصة‭ ‬حب‭ ‬فقد‭ ‬تكون‭ ‬حصيلة‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬التنازلات‮ ‬‭ ‬ومحاولات‭ ‬الإصلاح‭. ‬وأحيانًا‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬أصعب‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الانفصال‭ ‬هو‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار،‭ ‬بل‭ ‬التحرر‭ ‬من‭ ‬الشعور‭ ‬بالذنب‭ ‬تجاه‭ ‬الآخرين‭ ‬حين‭ ‬يصبح‭ ‬استمرار‭ ‬الزواج‭ ‬عبئًا‭ ‬يفوق‭ ‬قدرة‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬الاحتمال‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى