رأي

الحقيبة المدرسية في ليبيا قرارات محبوسة في صفحات الفيسبوك

رضا فحيل البوم

تستمر‭ ‬معاناة‭ ‬التلاميذ‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬يوميًا‭ ‬مع‭ ‬رحلة‭ ‬الذهاب‭ ‬والإياب‭ ‬من‭ ‬وإلى‭ ‬المدارس،‭ ‬وهم‭ ‬يحملون‭ ‬على‭ ‬ظهورهم‭ ‬‮«‬ترسانة‭ ‬ورقية‮»‬‭ ‬كاملة،‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬مناهج‭ ‬دراسية‭ ‬مكثفة‭ ‬تتطلب‭ ‬لكل‭ ‬مادة‭ ‬كتابا‭ ‬للطالب،‭ ‬وكتابا‭ ‬للتدريبات،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬كراسات‭ ‬الحصة‭ ‬والواجب‭ ‬اليومي،‭ ‬يجد‭ ‬الطفل‭ ‬الليبي‭ ‬نفسه‭ ‬مضطرا‭ ‬لنقل‭ ‬أوزان‭ ‬تفوق‭ ‬طاقته‭ ‬الجسدية،‭ ‬أمام‭ ‬غياب‭ ‬تام‭ ‬للتجهيزات‭ ‬المدرسية‭ ‬البسيطة‭ ‬كالخزانات‭ ‬المخصصة‭ ‬وحافظات‭ ‬الأدوات‭ ‬مثل‭ ‬باقي‭ ‬مدارس‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬الآخر‭.‬

في‭ ‬عام‭ ‬2006،‭ ‬حذرت‭ ‬الجمعية‭ ‬الأمريكية‭ ‬للعلاج‭ ‬الطبيعي‭ ‬‮«‬APTA‮»‬‭ ‬من‭ ‬المخاطر‭ ‬الصحية‭ ‬الجسيمة‭ ‬للحقائب‭ ‬المدرسية‭ ‬الثقيلة،‭ ‬مؤكدة‭ ‬أن‭ ‬تجاوز‭ ‬وزن‭ ‬الحقيبة‭ ‬نسبة‭ ‬10‭% ‬إلى‭ ‬15‭% ‬من‭ ‬وزن‭ ‬الطفل‭ ‬يحدث‭ ‬تغيرا‭ ‬تشريحيا‭ ‬في‭ ‬وضعية‭ ‬الجسم‭ ‬ويقلل‭ ‬من‭ ‬سرعة‭ ‬المشي‭ ‬الطبيعية،‭ ‬وتعرّض‭ ‬التلاميذ‭ ‬لإصابات‭ ‬الظهر،‭ ‬والإجهاد‭ ‬العضلي‭ ‬المزمن،‭ ‬وتشوهات‭ ‬القوام،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬الصداع‭ ‬والآلام‭ ‬المفصلية‭ ‬التي‭ ‬تؤثر‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬التركيز‭ ‬والتحصيل‭ ‬الدراسي‭.‬

ورغم‭ ‬هذه‭ ‬الحقائق‭ ‬المعلنة‭ ‬عالميا‭ ‬منذ‭ ‬عقود،‭ ‬لم‭ ‬يصدر‭ ‬عن‭ ‬الجهات‭ ‬الرسمية‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬تحرك‭ ‬موثق‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬2024‮ ‬‭ ‬‮«‬أي‭ ‬بعد‭ ‬نحو‭ ‬18‭ ‬عاماً‮»‬‭ ‬حين‭ ‬نشر‭ ‬مكتب‭ ‬التوعية‭ ‬بوزارة‭ ‬الصحة‭ ‬توجيهات‭ ‬عبر‭ ‬صفحته‭ ‬الرسمية‭. ‬ودعا‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬ترتيب‭ ‬الكتب‭ ‬المدرسية‭ ‬بوضع‭ ‬الأشياء‭ ‬الثقيلة‭ ‬قريبة‭ ‬من‭ ‬الظهر،‭ ‬والالتزام‭ ‬بجدول‭ ‬الحصص‭ ‬اليومي‭ ‬ليقتصر‭ ‬الحمل‭ ‬على‭ ‬متطلبات‭ ‬اليوم‭ ‬فقط،‭ ‬مع‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬ألا‭ ‬يتجاوز‭ ‬وزن‭ ‬الحقيبة‭ ‬10‭% ‬من‭ ‬وزن‭ ‬التلميذ،‭ ‬محملا‭ ‬الإدارات‭ ‬المدرسية‭ ‬مسؤولية‭ ‬تنظيم‭ ‬الجداول‭ ‬للتخفيف‭ ‬عن‭ ‬الطلاب‭.‬

وفي‭ ‬أغسطس‭ ‬2025،‭ ‬أطلقت‭ ‬وزارة‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم‭ ‬استطلاعاً‭ ‬للرأي‭ ‬العام‭ ‬عبر‭ ‬صفحتها‭ ‬الرسمية‭ ‬لرصد‭ ‬أثر‭ ‬ثقل‭ ‬الحقيبة‭ ‬على‭ ‬صحة‭ ‬الأطفال،‭ ‬وطلبت‭ ‬من‭ ‬المتابعين‭ ‬مشاركة‭ ‬آرائهم‭ ‬وأبرز‭ ‬الحلول‭ ‬التي‭ ‬يقترحونها‭ ‬للتخفيف‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المشكلة‭ ‬مثل‭ ‬تخصيص‭ ‬خزائن‭ ‬أو‭ ‬أماكن‭ ‬لحفظ‭ ‬الكتب،‭ ‬أو‭ ‬تنظيم‭ ‬جداول‭ ‬الحصص،‭ ‬حيث‭ ‬لاقى‭ ‬المنشور‭ ‬تفاعلاً‭ ‬واسعاً‭ ‬يعكس‭ ‬حجم‭ ‬الأزمة‭ ‬لدى‭ ‬الأسر‭ ‬الليبية،‭ ‬وحصد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬8‭ ‬آلاف‭ ‬تعليق‭ ‬و12‭ ‬ألف‭ ‬إعجاب‭ ‬و167‭ ‬مشاركة‭. ‬ورغم‭ ‬هذا‭ ‬الاهتمام‭ ‬الشعبي‭ ‬الكبير،‭ ‬مرت‭ ‬الأشهر‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تعلن‭ ‬الوزارة‭ ‬عن‭ ‬نتائج‭ ‬الاستطلاع‭ ‬أو‭ ‬تتخذ‭ ‬خطوات‭ ‬عملية‭ ‬ملموسة؛‭ ‬فلا‭ ‬المناهج‭ ‬خُففت،‭ ‬ولا‭ ‬الكتب‭ ‬تغيرت،‭ ‬وظل‭ ‬الواقع‭ ‬الميداني‭ ‬على‭ ‬حاله‭.‬

وتجددت‭ ‬الآمال‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬2025،‭ ‬عندما‭ ‬أُعلن‭ ‬عبر‭ ‬صفحة‭ ‬وزارة‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم‭ ‬عن‭ ‬مبادرة‭ ‬مشتركة‭ ‬مع‭ ‬الشركة‭ ‬القابضة‭ ‬للاتصالات‭ ‬لتوفير‭ ‬حقائب‭ ‬مدرسية‭ ‬مجانية‭ ‬بمواصفات‭ ‬صحية‭ ‬ومعايير‭ ‬جودة‭ ‬عالية،‭ ‬مع‭ ‬التعهد‭ ‬بتوزيعها‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬تلاميذ‭ ‬وطلاب‭ ‬مرحلتي‭ ‬التعليم‭ ‬الأساسي‭ ‬والثانوي‭ ‬في‭ ‬كافة‭ ‬المؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬تحقيقا‭ ‬لمبدأ‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭.‬

غير‭ ‬أنه‭ ‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬كامل‭ ‬على‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬المبادرة،‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬تسجيل‭ ‬أي‭ ‬تحركات‭ ‬ميدانية‭ ‬ولم‭ ‬تتوفر‭ ‬أي‭ ‬معلومات‭ ‬عن‭ ‬بدء‭ ‬التنفيذ،‭ ‬لتبقى‭ ‬الحقيبة‭ ‬المدرسية‭ ‬الثقيلة‭ ‬خطرًا‭ ‬يهدد‭ ‬سلامة‭ ‬أجيال‭ ‬المستقبل،‭ ‬بانتظار‭ ‬قرارات‭ ‬حاسمة‭ ‬تنتقل‭ ‬من‭ ‬أروقة‭ ‬المنشورات‭ ‬الرقمية‭ ‬إلى‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬داخل‭ ‬المدارس‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى