
مدن في مهب الجريمة وكـتل بشرية بلا ضوابط قانونية قلق ورعب وغضب
قوانين نافذة وأدوات جاهزة .. هل حان وقت الحسم
لم يعد ملف )الهجرة غير الشرعية( في ليبيا مجرد قضية أمنية مرتبطة بحراسة الحدود، أو ملاحقة المهربين، بل تحوَّل إلى واحدٍ من أكثر القضايا حساسية داخل المدن الليبية، بعدما امتدتْ تداعياته إلى النسيج الاجتماعي، والحياة اليومية للمواطنين. نعم للمهاجر غير الشرعي أحلامٌ يراها بعيدة المنال في وطنه. ويراها عكس ذلك في بلد آخر، لكن على أحلامه ألا تكون على حساب أحلام ذوات أخرى خصوصًا عندما تتحوَّل تلك الأماني إلى جريمة، وشغب، وفوضى. في العاصمة طرابلس، وتحديدًا في مناطق )السراج، وجنزور، وغوط الشعال، وحي الأندلس(، تصاعدتْ خلال الأشهر الأخيرة مطالب السكان بالتدخل العاجل لإعادة ضبط الأوضاع، في ظل تزايد أعداد المهاجرين غير النظاميين وانتشار التجمعات العشوائية داخل الأحياء السكنية.
خلال الأيام الماضية نفذتْ الأجهزة الأمنية حملاتٍ ميدانية واسعة استهدفتْ أوكارًا، وتجمعات للمهاجرين غير الشرعيين، بالتنسيق مع المجالس الاجتماعية والجهات المحلية، بعد تزايد شكاوى المواطنين من السكن العشوائي، والسرقات، والاعتداءات وتحوَّل بعض المناطق إلى بؤر مغلقة خارجة عن الرقابة. ويؤكد عددٌ من السكان أنَّ معاناتهم لم تعد مرتبطة بالازدحام، أو الضغط على الخدمات فحسب، بل وصلتْ إلى مرحلة الشعور بالخوف داخل الأحياء السكنية، بعد تداول وقائع وسلوكيات أثارتْ استياءً واسعًا بين العائلات، وسط مخاوف من تغير طبيعة الحياة الاجتماعية داخل بعض المناطق ومع تصاعد الجدل حول الملف، يبرز سؤال جوهري: ما الأدوات القانونية المتاحة للدولة لمعالجة الهجرة غير الشرعية؟، وكيف يمكن تحقيق التوازن بين فرض القانون وحماية الحقوق الإنسانية.
قوانين جاهزة للحسم
تؤكدُ الخبيرة القانونية ثريا الطويبي أنَّ الدولة الليبية تمتلك أدوات قانونية واضحة لمعالجة الملف، في مقدمتها قانون مكافحة الهجرة غير المشروعة رقم )19(، الذي عرّف المهاجرَ غير الشرعي بأنه )كل مَنْ دخل الأراضي الليبية، أو أقام بها دون إذن، أو تصريح من الجهات المختصة بقصد الاستقرار، أو العبور(. وتوضح الطويبي أنَّ القانونَ لا يقتصر على تجريم الدخول غير القانوني فقط، بل يشمل كذلك إدخال المهاجرين أو نقلهم، أو إيواءهم، أو تسهيل بقائهم داخل البلاد، أو إعداد وثائق سفر، أو هويات مزورة لهم. كما تنص المادة السادسة على عقوبات بالحبس، أو الغرامة، مع وجوب إبعاد الأجنبي المحكوم عليه في الجرائم المنصوص عليها.
وتشير الطويبي إلى أن قانون مكافحة التوطين رقم )24( لسنة 2023 عزَّز من هذه الأدوات القانونية؛ حيث يجرم الأفعال الرامية إلى توطين الأجانب داخل ليبيا، أو مساعدتهم على البقاء بصورة دائمة خارج الأطر القانونية، كما يعاقب مَنْ يقوم بإيوائهم، أو تشغيلهم دون تصاريح رسمية.
وترى أن المعالجة تبدأ بتفعيل هذه القوانين عبر حملات تفتيش على أماكن العمل والمساكن التي تؤوي المخالفين، والتنسيق بين الأجهزة الضبطية والمجالس المحلية، مع تشديد الرقابة على الحدود واستخدام التقنيات الحديثة لرصد التحركات غير القانونية..كما تؤكد أن تطبيق العقوبات القانونية والإبعاد القضائي لا يتعارض مع المعايير الإنسانية، بل يمثلُ تنفيذًا للقانون مع ضمان حقوق المتهم وإجراءات التقاضي العادلة .. وتدعو إلى رفض أي محاولات لتحويل ليبيا إلى بلد توطين، أو منصة احتواء دائمة للمهاجرين، مؤكدةً ضرورة إلزام المجتمع الدولي بالمساهمة في معالجة جذور الأزمة داخل دول المصدر، ودعم جهود تأمين الحدود الليبية بدل تحميل البلاد أعباء تفوق إمكاناتها.
أزمةٌ تتجاوز البعد الأمني
وعلى المستوى الاجتماعي، يرى د.علي فرج المستشار الاجتماعي بوزارة الشؤون الاجتماعية، أنّ تأثير الهجرة غير الشرعية لم يعد مقتصرًا على الجانب الأمني، بل امتد إلى الشعور العام بالأمان داخل الأحياء السكنية.
ويقول إن الوجود العشوائي للمهاجرين غير النظاميين يؤثر مباشرة على إحساس السكان بالأمن، سواء فيما يتعلق بالممتلكات، أو الأطفال أو النساء، وهو ما ينعكس على الحياة الاجتماعية والاستقرار النفسي للأسر.
ويضيف أن اختلاف العادات وأنماط الحياة بين المهاجرين والمجتمع المحلي قد يؤدي إلى تغيرات اجتماعية وثقافية غير محسوبة، خاصة في ظل غياب التنظيم والرقابة. كما يحذر من أن استمرار التركز العشوائي قد يهيئ بيئة لانتشار الجريمة المنظمة، أو الاتجار بالمخدرات والمؤثرات العقلية، فضلًا عن احتمالات تأثر بعض الشباب بسلوكيات دخيلة على المجتمع ..ويلفت إلى جانب صحي لا يقل أهمية، يتمثل في وجود عمالة، ومقيمين غير خاضعين للرقابة الصحية، أو الاجتماعية رغم انتشارهم في الأسواق والأماكن العامة وبعض المنازل.
ويؤكد فرج أن استمرار الوضع الحالي دون تنظيم وحصر دقيق قد يؤدي مستقبلاً إلى ظهور تجمعات عشوائية مغلقة، وبؤر للجريمة، بما ينعكس سلبًا على التماسك الاجتماعي والشعور بالأمان داخل المدن.
مقاربة إنسانية لا تلغي القانون
في المقابل يؤكد الناشط الحقوقي عبد الله الربو أن معالجة الملف يجب أن تتم وفق القانون، ولكن دون إغفال الجوانب الإنسانية وحقوق الإنسان.
ويرى أن الدولة تمتلك الأدوات القانونية اللازمة، إلا أن نجاحها يتطلب إرادة حقيقية في التنفيذ، إلى جانب تعزيز الرقابة على الحدود وتفعيل الاتفاقيات الدولية الخاصة بدعم ليبيا في مكافحة الهجرة غير الشرعية. ويشير إلى أنَّ جزءًا من المسؤولية يقع على المنظمات الدولية العاملة في الملف، معتبرًا أن الأموال التي تُنفق داخل ليبيا يمكن أن تُسهم بشكل أكبر في تمويل برامج العودة الطوعية والتنمية داخل دول المصدر، بما يحد من أسباب الهجرة، ويعالج جذور المشكلة بدل الاكتفاء بإدارة نتائجها.
كما يدعو إلى توجيه الجهود الدولية نحو دعم الاستقرار والتنمية في الدول المصدرة للهجرة، مع الاستمرار في احترام كرامة المهاجرين خلال إجراءات الضبط والترحيل، وفق المعايير القانونية والإنسانية المعتمدة
بين القانون ومخاوف الشارع
ما تشهده مناطق )السراج، وجنزور، وغوط الشعال، وحي الأندلس( من انتفاضة شعبية يعكس حجم التحدي الذي تواجهه الدولة الليبية في إدارة ملف معقد تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية، والاجتماعية والاقتصادية، والإنسانية، فالمواطنون يطالبون باستعادة الشعور بالأمان داخل أحيائهم، فيما تؤكد الجهات القانونية ضرورة تطبيق القوانين النافذة، ويشدَّد المختصون الاجتماعيون على خطورة استمرار التركز العشوائي للمهاجرين داخل المدن، بينما يدعو الحقوقيون إلى مقاربة تحترم القانون والكرامة الإنسانية في الوقت نفسه. ويبقى ملف )الهجرة غير الشرعية( اليوم أمام اختبار حقيقي لقدرة الدولة على تحقيق معادلة دقيقة تجمع بين فرض القانون، وحماية المجتمع، والحفاظ على الحقوق الإنسانية. فبين مخاوف السكان وضغوط الواقع وتعقيدات المشهد الإقليمي، تظل الحاجة ملحة إلى رؤية وطنية شاملة تعيد ضبط الملف وتحفظ استقرار المدن الليبية التي أنهكتها سنوات طويلة من الأزمات والانقسام.
السراج وجنزور وغوط الشعال
وحي الأندلس غضب شعبي وحملات أمنية لكسر الفوضى
مختصون: التركز العشوائي يهدد التماسك الاجتماعي ويضاعف الشعور بعدم الأمان



