متابعات

الحوار المهيكل تحت المجهر.. مخرجات مثيرة للجدل بين وعود الإصلاح ومخاوف إطالة الأزمة السياسية

فائزة العجيلي

في الوقت الذي يترقب فيه الليبيون خطوات عملية تنهي سنوات الانقسام وتفتح الطريق نحو انتخابات طال انتظارها، جاءت مخرجات الحوار المهيكل الذي رعته بعثة الأمم المتحدة لتثير موجة واسعة من الجدل السياسي والمجتمعي. وبين من يرى أن بعض التوصيات تحمل جوانب إيجابية يمكن البناء عليها، وبين من يعتبرها إعادة إنتاج لمراحل انتقالية أثقلت كاهل الدولة وأرهقت المواطنين، تتصاعد الأسئلة حول مدى قدرة هذه المخرجات على تحقيق التوافق الوطني الذي ينشده الليبيون، أو ما إذا كانت ستتحول إلى محطة جديدة في مسلسل الأزمة الممتد منذ سنوات.

هل تعكس المخرجات الإرادة الشعبية؟
يرى أستاذ العلوم السياسية «صبري المبروك» أن المخرجات المطروحة لا يمكن اعتبارها معبرة عن آراء جميع الليبيين، مؤكداً أن الهدف الحقيقي الذي يتطلع إليه المواطن يتمثل في تحقيق توافق وطني شامل، وإعادة بناء العقد الاجتماعي، ووضع دستور دائم للبلاد، وإنهاء المراحل الانتقالية المتعاقبة. ويشير إلى أن مشاركة ممثلين عن تيارات سياسية وأحزاب وبلديات وجامعات في جلسات الحوار تعد نقطة إيجابية من حيث توسيع دائرة النقاش المجتمعي، إلا أن ذلك لا يكفي ما لم يقترن بالشفافية الكاملة ومنهجية واضحة في إدارة التوافقات وصياغة الأفكار وتحويلها إلى توصيات تحظى بقبول واسع .. ويؤكد «المبروك» أن بعض المخرجات المطروحة تمس قضايا مرتبطة بالسيادة والأمن القومي الليبي، ما يستوجب وجود ضمانات حقيقية تحول دون فرضها على الليبيين دون توافق وطني واسع، داعياً النخب السياسية والثقافية ومنظمات المجتمع المدني والإعلام إلى لعب دور أكثر فاعلية في تشكيل رأي عام واعٍ وقادر على التأثير في مسار صناعة القرار.
انتقادات لمسار الحوكمة
من جانبه، يذهب المستشار السياسي لرئاسة هيئة أعيان ومشائخ ليبيا وعضو مسار الحوكمة بالحوار المهيكل «عبد اللطيف سحيب» إلى أن التوصيات لا تمثل الإرادة الشعبية، معتبراً أن أحد أبرز أسباب ذلك يتمثل في غياب الاستفتاء أو المشاورات الشعبية الكافية قبل اعتمادها.
ويشير إلى أن انسحاب وتحفظ عدد من أعضاء مسار الحوكمة يعكس وجود خلافات جوهرية حول مضمون المخرجات، لافتاً إلى أن ردود الفعل الرافضة التي صاحبت الإعلان عنها تعزز الشكوك بشأن مدى قبولها مجتمعياً. ويطرح «سحيب» تساؤلات حول إمكانية فرض هذه التوصيات على الليبيين رغم مطالبهم المتكررة بإجراء انتخابات وتوحيد المؤسسات وإنهاء المراحل الانتقالية، محذراً من أن بعض البنود قد تؤدي إلى إعادة إنتاج أزمات سابقة شهدتها البلاد خلال مراحل سياسية مختلفة.. كما ينتقد ما وصفه بعدم إتاحة مساحة كافية لعرض تحفظات الأعضاء للرأي العام، مؤكداً أن من حق المواطنين الاطلاع على تفاصيل الاعتراضات وأسبابها، باعتبارها جزءاً من عملية الشفافية التي يفترض أن ترافق أي حوار يهدف إلى بناء توافق وطني.
بين القبول الجزئي والرفض السياسي
أما المستشارة والمحامية «ثريا الطويبي» فتتبنى موقفاً أكثر توازناً، إذ ترى أن المخرجات لا ينبغي التعامل معها بمنطق القبول المطلق أو الرفض المطلق.
وتوضح أن بعض التوصيات الاقتصادية والإدارية تتضمن جوانب إيجابية وآليات قابلة للتطوير والبناء عليها، غير أن الإشكالية الأساسية تكمن في المسار السياسي الذي حملته التوصيات، والذي لا يعكس من وجهة نظرها مطالب الشارع الليبي بإنهاء المرحلة الانتقالية والاحتكام المباشر إلى صناديق الاقتراع.
وتعتبر «الطويبي» أن إعادة إنتاج آليات اختيار السلطة التنفيذية عبر أجسام ولجان سياسية سبق أن خاضت التجربة نفسها يثير مخاوف من عودة المحاصصة وتقاسم النفوذ، وهو النهج الذي أثبت محدودية قدرته على تحقيق الاستقرار خلال السنوات الماضية.. كما تبدي تحفظها على المقترحات المتعلقة بإعادة التقسيم الإداري إلى ثلاث ولايات، معتبرة أن معالجة اختلالات اللامركزية لا تستوجب العودة إلى صيغ قد تثير حساسيات جهوية، بل يمكن تحقيق الإصلاح عبر بدائل إدارية أكثر توازناً وعدالة.
السيادة والهوية الوطنية في قلب الجدل
ملفات السجل المدني والأرقام الإدارية والقيود المؤقتة والعائدين وسكان أوزو كانت من بين أكثر الملفات إثارة للنقاش والجدل داخل الأوساط السياسية والحقوقية.. وفي هذا السياق تؤكد «الطويبي» أن هذه القضايا يجب أن تخضع لمعالجات قانونية دقيقة تستند إلى الوثائق والأسانيد القانونية لكل حالة على حدة، بعيداً عن الحلول الجماعية أو القرارات المتسرعة التي قد تفتح الباب أمام إشكالات قانونية وسيادية معقدة.. وتشدد على أن حماية الحقوق الإنسانية والخدمات الأساسية يجب ألا تتعارض مع احترام القوانين المنظمة للجنسية والهوية الوطنية، مؤكدة أن ملفات السيادة لا يجوز أن تكون محل مساومات سياسية أو ضغوط خارجية.
مخاوف من تكريس المحاصصة
بدورها، ترى الصحفية «سالمة الشعاب» عضو رئاسة حراك نشطاء طرابلس، أن عدداً من التوصيات أثار مخاوف حقيقية لدى شرائح واسعة من المواطنين بسبب ما تعتبره اتجاهاً نحو تكريس المحاصصة الجهوية وتوزيع المناصب على أسس مناطقية.
وتوضح أن اعتماد التوازنات الجغرافية كمعيار رئيسي في إدارة السلطة لا يضمن تحقيق الكفاءة أو العدالة، بل قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات القائمة وإعادة إنتاج الصراع حول النفوذ والمصالح.. وتلفت إلى أن التوصيات لم تقدم جدولاً زمنياً واضحاً ومحدداً لإجراء الانتخابات، الأمر الذي يثير مخاوف من استمرار المرحلة الانتقالية لفترة أطول، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية وخدمية ومعيشية متزايدة كما تؤكد أن الحفاظ على الهوية الوطنية والتركيبة السكانية يمثلان من الثوابت التي لا يمكن التهاون بشأنها، مشددة على أن أي حلول سياسية ينبغي أن تنطلق من الإرادة الوطنية الليبية بعيداً عن أي ترتيبات لا تحظى بقبول شعبي واسع.
معركة الثقة المفقودة يكشف الجدل الدائر حول مخرجات الحوار المهيكل عن أزمة أعمق تتجاوز مضمون التوصيات نفسها، وتتعلق بتراجع الثقة بين المواطن والمؤسسات السياسية المختلفة. فبعد سنوات طويلة من المبادرات والاتفاقات والتسويات التي لم تنجح في إنهاء الانقسام أو الوصول إلى انتخابات شاملة، أصبح الشارع الليبي أكثر تشككاً تجاه أي مسار سياسي جديد لا يقدم ضمانات واضحة وقابلة للتنفيذ.. ويرى مراقبون أن نجاح أي مبادرة مستقبلية لن يرتبط فقط بما تتضمنه من بنود وتوصيات، بل بقدرتها على استعادة ثقة المواطنين عبر الشفافية، وتوسيع المشاركة الشعبية، وتقديم خارطة طريق واضحة تنتهي بانتخابات حرة ومؤسسات مستقرة وموحدة.
ختاما
في خضم الجدل المتصاعد حول مخرجات الحوار المهيكل، تبدو الحقيقة الأكثر وضوحاً أن الليبيين لم يعودوا يبحثون عن ترتيبات انتقالية جديدة بقدر ما يبحثون عن نهاية حقيقية للمرحلة الانتقالية نفسها. وبين مؤيد لبعض البنود ومعارض لأخرى، يبقى المطلب الجامع هو بناء دولة تستمد شرعيتها من إرادة مواطنيها، وتستند إلى دستور ومؤسسات منتخبة وقانون يعلو على الجميع. فكل مبادرة لا تضع الانتخابات والسيادة الوطنية ووحدة الدولة في صدارة أولوياتها ستظل عرضة للتشكيك والرفض، بينما يبقى الرهان الأكبر على قدرة الليبيين أنفسهم على تحويل مطالبهم إلى قوة ضغط تدفع نحو بناء الدولة وإنهاء واحدة من أطول الأزمات السياسية في تاريخ البلاد الحديث.. ويبقى السؤال المطروح: لماذا تتكرر الأزمات السياسية رغم تعدد المبادرات؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى