
في وقت يعيش فيه المواطن الليبي واقعاً طبياً مريراً داخل المستشفيات العامة التي تعاني نقصاً حاداً في الأدوية وتراجعاً كارثياً للخدمات، تواصل وزارة الصحة الرهان على المسكنات المؤقتة عبر إطلاق خطة طوارئ جديدة لـ 100 يوم بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية تحت شعار عودة الحياة، ماهو إلا هروب إلى الأمام وترحيل للأزمات الهيكلية الخانقة، مما يعمق الفجوة الهائلة بين الوعود النظرية لرؤية 2030 والواقع المعيشي، ويكرس ارتهان القرار الصحي المحلي للدعم الخارجي على حساب الحلول الجذرية التي تمس حياة المريض بشكل مباشر،
صحيفة فبراير رصدت مجموعة من آراء الأطباء الاختصاصيين ليضعوا هذه الخطة المئوية تحت مجهر التقييم الطبي والمهني ويوضحوا حقيقتها.البداية كانت مع
د.محمود أبودبوس/ رئيس المنظمة الوطنية لدعم التبرع بالاعضاء بليبيا
يرى أن المواطن الليبي بات يواجه تحديات متزايدة ومعقدة في سبيل الحصول على خدمات صحية تليق بحقه الأساسي في العلاج والرعاية الطبية، حيث تتجسد هذه المعاناة بشكل جليّ في التنقل بين جدران المؤسسات الصحية العامة والخاصة، في رحلة علاج مريرة غالباً ما تنتهي بضرورة السفر إلى الخارج، فرغم الميزانيات الضخمة والمميزة التي تخصص لقطاع الصحة سنوياً، لا يزال المواطن يكابد ضعف الخدمات ونقص الإمكانات وسوء المعاملة في بعض المرافق، الأمر الذي أدى بدوره إلى تراجع حاد في الثقة بالمنظومة الصحية المحلية داخل المستشفيات والمراكز العامة، التي يشتكي فيها المريض من نفاد الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية وتأخر المواعيد الحيوية وضعف التجهيزات التقنية، يضاف إليها الازدحام الشديد وقلة الكوادر الطبية المتخصصة، مما يحول مراجعة هذه المرافق إلى معاناة يومية تبدأ لحظة دخول المؤسسة الصحية ولا تنتهي إلا بعد رحلة طويلة ومضنية .
د. عبد الناصر أبورقيقة/ اختصاصي طب الأطفال وعناية حديثي الولادة: إن ما يُشاع حول خطة الـ 100 يوم كان محكومًا عليه بالفشل منذ اللحظة الأولى لإعلانه،و أن إصلاح قطاع صحي منهار يتطلب بناء أساسات متينة والتطوير عبر مسارات عدة ومتوازية، حيث تبدأ الأولوية من دعم الكوادر البشرية من أطباء وأطقم التمريض الذين باتوا ينفرون من القطاع العام نتيجة تدني المرتبات والتعرض للإهانات المتكررة، بالتزامن مع ضرورة توفير بيئة عمل مريحة ومحترمة للطبيب والمواطن على حد سواء وهي غائبة تمامًا في الوقت الراهن، ليأتي بعد ذلك دور تأمين المستلزمات الأساسية من أدوية ومعدات طبية شحيحة، مما يضع الطبيب وحده في مواجهة مباشرة مع معاناة المواطن، وهو الأمر الذي تسبب في فقدان الثقة بكل الوعود والشعارات أمام واقع مأساوي يقدم خير دليل على الأزمة. والتعامل مع الإجراءات الإدارية المعقدة.
د. عماد بركة/ تخصص أجنه وأمراض ذكورة: خطة الـ100يوم مدة زمنية غير كافية لانها تقف عاجزة أمام عمق الأزمات الهيكلية التي تعاني منها المرافق والخدمات في قطاع الصحة؛ فالأدوية وحدها تستغرق شهوراً طويلة لتوفيرها عبر جهاز الإمداد الطبي، نتيجة الدورة البيروقراطية الطويلة التي تبدأ بالمناقصات والاعتمادات المالية، مروراً بالفحص والجودة والحوالات، وصولاً إلى التفتيش والشحن ثم التوزيع النهائي على المرافق، بالتوازي مع أزمة تهالك البنية التحتية، حيث تحتاج أغلب المستشفيات والمراكز الطبية إلى عمليات صيانة وترميم جذرية، ورغم هذا التدهور المستمر، فإنها تُجبر على العمل بأقل الإمكانات المتاحة، يُضاف إلى ذلك الافتقار الحاد للكوادر الطبية الكافية في القطاع العام، فالموجود حالياً لا يسد الحاجة الفعلية، مما يستوجب إطلاق برامج عاجلة لتطوير الكفاءات الطبية والإدارية، وهي ملفات تثبت مجتمعة أن خطة المئة يوم غير كافية لحدث التغيير المطلوب، وينعكس هذا العجز الهيكلي بوضوح على مراكز تشخيص العقم وتأخر الإنجاب، التي تفتقر لمعظم الأدوية والمستلزمات الطبية الخاصة بهذا التخصص الدقيق، لتبقى مئات الحالات دون علاج في ظل غياب كامل للأدوية الحيوية بالمراكز الحكومية، فضلاً عن أن تفعيل برامج الكشف المبكر عن أمراض الذكورة يصطدم بنقص حاد في الكوادر الوطنية المتخصصة، مما يضطر معظم المرضى للتوجه نحو دول الجوار تكبُّداً لأعباء مالية ونفسية ثقيلة، الأمر الذي يضعنا أمام ضرورة قصوى لبناء كفاءات وطنية متخصصة في مجال العقم للجنسين، بالتزامن مع دعم وتطوير مراكز الخصوبة المحلية لتقليل معاناة المرضى وإنهاء رحلات العلاج الشاقة في الخارج.
د. مفيدة المصراتى/ استشارى علاج أورام اشعاعى: أعتقد أن الصحة تحتاج إلى وقفة جادة تعالج المشاكل المتجذرة والتى انعكست على كل الخدمات الصحية ولكن خطة ال100يوم مع اننى لم اطلع على بنودها أو خطواتها ممكن أن تعالج مختنقات عاجلة حيث يلمسها المريض فى أقسام الطوارى والإسعاف أو أقسام العمليات المتكررة بشكل يومي وغير المعقدة أو فى المجمعات والعيادات الصحية .
أما عن الخدمات الصحية التخصصية فهو من المستحيل أن يكون هناك تحسن إلا بخطة استراتيجية يكون قبلها تنظيم هيكلية المؤسسات المنظمة للصحة مثل وزارة الصحة وجهاز دعم الخدمات العلاجية والامداد الطبي والهيئات المتسحدثة مكافحة السرطان وهيئة المعدات الطبية.
د.أسامة الساكت/
مدير عام مركز الخمس الطبي: بخصوص الفجوة بين خطة الـ100 يوم وواقع مركز الخمس الطبي، نوضح أن المركز ومدينة الخمس لم يكونا مستهدفين بشكل مباشر في هذه الخطة التي ركزت على إجراءات عاجلة وإنعاش سريع لبعض المرافق، ولم تكن وعداً بحل كل مشاكل القطاع الصحي، ومع ذلك حظيت العيادة المجمعة بالخمس بالدعم بعد انتهاء المائة يوم بالتعاون مع مركز طب الطوارئ، أما نقص الأدوية الأساسية فهو تحدٍ عام تواجهه أغلب المؤسسات الصحية بسبب محدودية الكميات الموردة من جهاز الإمداد الطبي، علماً بأن الدعم المالي المباشر الذي تلقاه المركز من مبادرة رئيس الحكومة كان مخصصاً للمستلزمات التشغيلية فقط وليس لشراء الأدوية، وفيما يتعلق بغرف العمليات فهي تعمل باستمرار وتشهد تزايداً في الأداء الجراحي بفضل كوادرنا المتميزة وبرامج توطين العلاج الناجحة، ورغم العمل بميزانية مستشفى عام وليس مركز طبي، فإن هناك تطوراً حقيقياً في الخدمات، وتبدو المسؤولية هنا مشتركة بين التخطيط والتمويل والإمداد المركزي وإدارة المركز التي تلتزم باستثمار المتاح للمطالبة بحقوق المؤسسة وخدمةالمواطن.
د. محمد المهدي/ اختصاصي السكري: هناك جهودًا ملموسة وكبيرة تُبذل حاليًا على مستوى تسكين الملاكات الوظيفية وتنظيم العمل في المرافق الصحية التابعة لوزارة الصحة، مشيدًا بالدور الذي تلعبه إدارات الخدمات الصحية بالمناطق في تفعيل المستوصفات والمراكز الصحية وزيادة فعاليتها ومتابعة ومراقبة مستوى أدائها، إلى جانب الإشراف المباشر والمستمر من قِبل وزير الصحة ووكيل الوزارة لشؤون المستشفيات لرفع كفاءة المستشفيات والعيادات المجمعة، إلا أنه شدد في الوقت ذاته على أن كل هذه الخطوات الإصلاحية والجهود المبذولة ستبقى بحاجة ماسة إلى دعم مالي مستمر، مستعرضًا ضرورة الإسراع في تسوية كافة المستحقات المالية المؤجلة للكوادر الطبية والطبية المساعدة، والتي تشمل تعديل درجاتهم الوظيفية وصرف الفروقات المالية المستحقة لهم، بالإضافة إلى زيادة مرتباتهم عبر إقرار علاوات تمييز عادلة تضمن تقدير جهودهم، أسوة بالعديد من القطاعات الحيوية الأخرى في الدولة مثل الهيئات القضائية والرقابية وغيرها من الجهات التي حظيت بتسويات مالية مشابهة.
د.محمد علي زايد/ اختصاصي علاج طبيعي: يرى أن خطة الـ100 يوم التي أعلنت عنها الوزارة لا تعدو كونها زوبعة في فنجان ومحاولة للتسويق الإعلامي دون ملامسة حقيقية لواقع القطاع الصحي المرير، ويتساءل مستنكرًا عما إذا كانت هذه المدة القصيرة ستحمل في طياتها أي زيادة في رواتب الأطباء والفنيين وأطقم التمريض، أو ستوفر لهم تأمينًا صحيًا لائقًا يحميهم ويؤمن عائلاتهم أسوة بقطاعات النفط والكهرباء والنهر والرقابة والمصارف، أم أنهم سيبقون مقيدين بجدول المرتبات الموحد المجحف الذي لا يلبي أدنى متطلبات الحياة الكريمة، مؤكدًا بكل وضوح أنه بدون تحسين حقيقي للدخل وإفراجات مالية عاجلة ومستحقة فلن يقدم أي كادر طبي عطاءه المعهود لأن تهميش العنصر البشري هو المسمار الأول في نعش أي إصلاح مزعوم، ويضيف الدكتور زايد في تشخيصه القاسي للخطة إن مائة يوم هي وقت قصير للغاية وغير كافٍ لإحداث أي تغيير هيكلي، معتقدًا أن ما جرى إنجازه بالفعل ليس سوى استنزاف لميزانية ضخمة تم إقفالها وتسويتها دون تقديم خدمات ملموسة للمواطن على أرض الواقع، حيث لا تزال المستشفيات العامة خالية تمامًا من المعدات والمستلزمات الطبية الأساسية، بينما يستمر المريض في الشكوى اليومية من انعدام الأدوية واختفائها من المخازن والمرافق العامة، مما يضطر المواطن البسيط لتحمل أعباء شرائها من جيبه الخاص، ليبقى التساؤل الملح والمستمر أين هي الخدمات التي تتحدث عنها الوزارة وأين انعكاس هذه الأموال على غرف العمليات والطوارئ، ليخلص في نهاية رأيه إلى أن الخطة فشلت في تحقيق أهدافها وذهبت أدراج الرياح كغيرها من الخطط السابقة، ليظل المشهد الصحي غارقًا في الركود والانهيار ويبقى الحال المأساوي كما هو عليه دون أي تغيير يذكر.



