
ما بين شقته في العجوزة بالقاهرة، وشقته في شارع النصر بطرابلس، كان «عمي المهدي» حريصًا في أواخر أيامه أن يعيش ما استطاع في شارع النصر. ومنذ أسابيع قرَّر، مختارًا، أن يغادر العالم من وطنه ..!
بعد اغتراب عقود، ورحيل، واستقرار في القاهرة لفترة طويلة، لم يحمل «عمي المهدي» سوى ليبيا في صدره، رغم محبة وروابط متينة بقاهرة المعز التي احتضنته وغيره من المغتربين الليبيين، ومنحتهم استقبالًا يليق بهم حتى احتاروا بين المكانين، إذ تحوَّلتْ البلدان إلى أمكنة ألفوها.
ترك «عمي المهدي» ابنةً بارةً به، وأحفادًا مؤنسين يحملون لقب عائلتي، من بينهم «محمود» الذي يشبهه كثيرًا في هيئته وقامته، ونحافته، وملامح وجهه كنتُ أتواصل مع «عمي المهدي» عن طريق الفيسبوك… أرسلتُ له مؤخرًا مقالًا قديمًا كتبه، عثرتُ عليه بين أرشيف والدي رحمهما الله، تحت عنوان )عيناي عشرة على عشرة(، وهو مقال ساخر ذو مغزى، ويُعد طريقًا خاصًا في الخط الصحفي لدى المهدي الكاجيجي، استمر عليه وطوّره على مدار عقود .. ما أسعدني أن والدي حرص على الاحتفاظ بعدة مقالات لـ«عمي المهدي» كتبها عنه، وأجمل ما فيها توقيعه بـ«مهدي».
ظل «عمي المهدي» صحفيًا حتى أيامه الأخيرة…يعيش بين النَّاس ويكتب عنهم، مهمومًا ببلاده، يكتب صرخات تعلن عن شدة خوفه عليها، يشد الماضي بالحاضر بخيط رفيع من العِبر يحرص على ألا ينقطع…يذكرنا بأيام الألفة والمحبة والبساطة، ويطالبنا بحنوّ ألا ننساها، فقد كانتْ قريبة وما تزال فينا بقايا منها، علينا أن نستبقيها وأن ننمّيها.
إنَّ أردنا أنْ نحرص على المحافظة على ذكرى «المهدي كاجيجي»، فإن علينا أن نستعيد كل مقالاته وأن ننشرها في كتاب، فهو مدرسة صحفية قائمة بذاتها. هناك دائمًا محاولات لطمس الخط الصحفي الليبي، والادعاء باطلًا بأن ليبيا لا صحافة لها، وهذا كلام يدحضه المهدي كاجيجي – وغيره من الصحفيين الليبيين- الذي آمن بالصحفي الليبي واستمر في نهجه، يدعم الصحافة الوطنية بقلمه، ويعلن أن لدينا مدارس صحفية حتى في وقت التضييق والتأميم. باطلٌ من يدّعي ذلك، وعليه فقط أن ينظر إلى أجيال الصحفيين الليبيين الذين كتبوا بين الناس، وأعلنوا بين السطور آراءهم، وترأسوا تحرير الصحف، واستمروا في الكتابة بين ألغام لا يعلم أحد مكانها تحديدًا.
المهدي كاجيجي مدرسة صحفية متفردة تحتاج إلى اهتمام ودراسة، وإن كان هناك من يطالب اليوم بمعهد متخصص للصحافة، فإن ما أخشاه هو طمس الصحافة الوطنية مقابل صحافة معولمة. ورغم أهمية ما طرأ على مهنة الصحافة من تطور سريع، وهو ما أراه في عمل ابنتي دانية، فإن الصحافة الوطنية ذات أهمية بالغة، إذ لا مهنة دون أصل وتاريخ… وإلا كررنا ذاك المسخ العجيب الذي طال مهنًا عدة في بلادنا.
رحيل المهدي كاجيجي اليوم جرس مهم… ينبهنا إلى قيمة هذا الصحفي الليبي المثابر، الذي لم يتوقف عن الكتابة رغم هزائم العمر، والذي لم يتوقف عن العيش بين الناس والمشي في شوارع طرابلس، حتى تعرض لحادث سير، وما إن تعافى منه عاود هواية المشي وسط المدينة.
رحم الله «عمي المهدي» وهو يُحبر قلمه استعدادًا لكتابة مقال جديد، تمهيدًا لمقال آخر…وليكن هذا الرجل مثالًا للصحفي الليبي الذي عشق مهنته، واستمر في خطه المهني يصعد به بثقة، يبني مدرسة صحفية ضمن تنوع وطني يحتاج منا لوقفة جادة حتى لا يضيع الأثر، فتضيع منا البوصلة. رحم الله «عمي المهدي» وخالص العزاء لهبة وأكرم والأحفاد ولأبلة نجاة وعائلات الكاجيجي والقريتلي والمقهور .



