الرئيسيةتقارير

عمالة وافدة.. وبطالة وطنية

تقرير: مفتاح المصباحي

 

    منّذ أن عرفتْ المجتمعات البشرية الاستقرار، عملت على إيجاد ضوابط ونواميس تنظم العلاقة بينها، وكذلك مع التجمعات البشرية المناظرة لها في أماكن أخرى.. ومع التقدم البشري وازدهار الدول حتى صارت بشكلها الحالي، صارت الحاجة أكثر إلحاحًا لقوانين خاصة بالعمل، تنظم العلاقة بين الاحتياجات والمخرجات، وكذلك بين العامل ورب العامل (أفرادًا أو دولة).. وكان الهدف الأساس في ذلك إيجاد فرص عمل مناسبة لأبناء البلد، ليسهموا في تطور بلادهم، وأيضًا ضمان توفير سبل الحياة المريحة لهم..

ليبيا دولة بحجم قارة، مترامية الأطراف، قليلة السكان، مقارنة بغيرها من دول الإقليم المجاورة، لديها وفرة في الثروات الطبيعية، عانت كثيرًا من الاستعمار لعدة قرون، ما جعلها تتخلف عن ركب الدول المتقدمة..

 

ليبيا جنة العمالة الوافدة.. لا تأشيرة ولا ضــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرائب ولا مصاريف خدمية

ومع الاستقرار النسبي الذي شهدته منذ أكثر من نصف قرن، قامت بسن القوانين المنظمة للعمل داخلها، سواء تلك الخاصة بمواطنيها، أو ما يخص العمالة الوافدة..

ومع وجود ليبيا كبلد غني، وسط دول تعاني كثافة سكانية، وفقرًا في الموارد والناتج القومي، ونتيجة لعوامل سياسي، وأمنية، واجتماعية، أصبحت قبلة للباحثين عن العمل للوافدين من مختلف البلدان، نظرًا لعدم التشدَّد في إجراءات دخولهم، والتي جلها بطرق غير شرعية، وكذلك عدم تطبيق القوانين المنظمة للعمالة الوافدة إلا في أضيق نطاق..

فأكثر العمالة الوافدة دخلت البلاد عن طريق الحدود الشاسعة، والمفتوحة دون رقيب، كهجرة غير قانونية، فيجدون في البلاد المأوى والعمل، بلا أي قيود ولا ضرائب، ولا قوانين منظمة لوجودهم، حتى يترأى للمتجول  داخل البلاد أن الليبي أصبح غريبًا في وطنه..

وبالعودة إلى سوق العمل في ليبيا، فإن انعدام التخطيط السليم الموائم بين احتياجات سوق العمل، ومخرجات التعليم، والتدريب، جعل البلاد تعاني من بطالة نسبية، وغير صادقة .. حيث يعد المواطن الذي لا يعمل في القطاع العام عاطلًا عن العمل، حتى وإن كان يعمل في القطاع الخاص..

وكذلك مساهمة الدولة في بعض الفترات على فتح باب التوظيف على مصراعيه، أثقل كاهل الخزينة العامة بتكدس وظيفي غير منتج، ما جعل فراغًا كبيرًا في كثير من الحرف والمهن، تم استغلالها والسيطرة عليها والانفراد بها من قبل العمالة الوافدة غير القانونية..

ورغم المحاولات المتكررة والمستمرة من كافة مؤسسات الدولة العامة، والخاصة، في معالجة مشكلة العمالة الوافدة، وسن القوانين، وتفعيل الموجود منها، لتنظيمها حسب احتياجات سوق العمل، إلا أن تلك المحاولات ما هي إلا طفرات، وقفزات في الهواء، وذلك لأنها محاولات فردية آنية، حيث تعمل كل مؤسسة منفردة عن باقي المؤسسات..

إن معالجة مشكلة العمالة الوافدة وتنظيم سوق العمل يحتاج إلى تكاتف الجهود والعمل كفريق واحد بين كل المؤسسات العامة، والخاصة المعنية بهذه المشكلة..

إن تنظيم سوق العمل والسيطرة على العمالة الوافدة، وجلبها حسب الاحتياج، يحتاج إلى وزارة التخطيط، ووزارة العمل والتأهيل، ووزارة الداخلية، ووزارة التعليم، وغرفة التجارة والصناعة والزراعة بما تضمه من رجال أعمال، ومؤسسات خدمية وإنتاجية فاعلة، ووزارة الاقتصاد والتجارة، ووزارة الزراعة ، ووزارة الصناعة، وغيرها .. بحيث تتم دراسة سوق العمل الليبي، من حيث الاحتياج للوظائف والمهن والحرف، ومقارنة ذلك بمخرجات التعليم والتدريب والتأهيل، بعد ذلك يتم سد النقص (إن وجد) بعمالة وافدة كفؤة، يتم استجلابها حسب الاحتياج، طبقًا لقوانين منظمة لجلبها ووجودها داخل البلاد..

إن عدم سيطرة الدولة على تنظيم العمالة الوافدة، سيعمل على استنزافها تدريجيًا، وتفريغ خزائنها من العُملة الصعبة، من خلال تحويل العمالة الوافدة للأموال إلى بلدانهم، وكذلك سيسهم في انتشار الجريمة، وتفكيك النسيج الاجتماعي للمجتمع الليبي المتماسك..

وتكمن أولى خطوات السيطرة على دخول العمالة الوافدة للبلاد، بالسيطرة على المنافذ والحدود، وهذا أمرٌ تتولاه وزارتا الدفاع، والداخلية، ثم القيام بحصر العمالة الموجودة داخل البلاد، وتسوية أوضاع العاملين الفعليين منهم، حسب القوانين والتشريعات النافذة والمنظمة لذلك، ووفقًا للاتفاقيات الثنائية المبرمة مع بلدانهم، وترحيل من ليس لديه عمل، ومن لم يقم بتسوية وضعه القانوني داخل البلاد، وهذا أمر تختص به وزارة العمل والتأهيل من حيث الحصر، وتحديد الاحتياجات داخل سوق العمل، والتي يسمح بشغلها من قبل عمالة وافدة، وكذلك يأتي دور وزارة الخارجية من حيث تفعيل الاتفاقيات الثنائية في هذا الشأن، وكذلك المعاملة بالمثل في منح التأشيرات، وتصاريح الدخول والإقامة، وفرض الضرائب، وتوفير الخدمات..

ورغم كل الجهود المبذولة والمستمرة من الحكومة متمثلة في وزارة العمل والتأهيل، لمعرفة حجم العمالة الوافدة وحصرها وتقنينها، إلا أن كل الاحصائيات التي تنشر بين الحين والآخر، سواء من جهات محلية أو دولية، بعيدة كل البعد عن العدد الحقيقي للعمالة الوافدة الموجودة بالبلاد، سواء أكان وجودها قانونيًا أم غير ذلك ..  حيث أشارت إحصائيات صادرة في 2004 إلى أن 150 ألف عامل فقط من حوالي مليوني عامل أجنبي دخلوا ليبيا عن طريق عقود رسمية وتعاقدات مسبقة مع مؤسسات الدولة، في حين دخل الباقون عبر المنافذ الحدودية المختلفة بحثاً عن عمل.. كما ذكرت مصادر عن منظمة الهجرة الدولية أن أكثر من مليوني عامل أجنبي غادروا البلاد مع اندلاع ثورة فبراير 2011..

وحسب مصادر مختلفة فإن عدد العمالة الأجنبية بليبيا بما بين مليون ونصف المليون إلى مليوني عامل .. وفي عام 2013 ناهز عدد العمالة المصرية بالبلاد 800 ألف شخص، وفقاً لبيانات صادرة عن وزارة العمل الليبية آنذاك، في حين كانت دراسات غير رسمية تقدرها بأكثر من 1.5مليون عامل..

 وبالنظر إلى القوانين والقرارات المنظمة لسوق العمل، نجد أن لدينا إسهالاً تشريعياً، بحيث لم تغفل تلك القوانين عن أي شاردة، أو واردة في هذا الشأن، إلا أننا وفي الوقت ذات نعاني إمساكاً تنفيذياً مزمناً، منذ عقود ماضية .. ولذلك أسبابه، فالتخبط الإداري وعدم ثبات هيكلية إدارية للدولة خلال العقود الماضية، من بلديات إلى شعبيات وغيرها، كذلك الظروف السياسية التي مرت بها البلاد، من محاولة تكوين كيانات إقليمية وقارية، وارتجالية القرارات، وكذلك الانقسام السياسي والاستقطاب، أدى إلى تراكمات يصعب حلها والتخلص منها خلال فترة قريبة..

ورغم مسؤولية الدولة بالدرجة الأولى على تنظيم سوق العمل، إلا أن القطاع الخاص يتحمل المسؤولية في ذلك أيضًا .. وذلك بالتنسيق مع الحكومة ومؤسساتها في تدريب وتأهيل العناصر الوطنية، وفتح مجال العمل لها، وتوفير فرص عمل لجزء من مخرجات التعليم والتدريب، وتطبيق التشريعات المنظمة، من حيث الأجور، والضمان والضرائب، وما إلى ذلك.. وكذلك دراسة احتياج السوق الليبي وإنشاء المصانع طبقًا لذلك، فيتم توفير السلع، واستقطاب العمالة الوطنية، ومن ثم عدم استنزاف الخزينة العامة في الاستيراد من الخارج..

ومعروف في كافة البلدان أن المصارف شركات استثمارية تسهم في الدفع بعجلة التنمية والبناء إلى الأمام، من خلال توفير التمويل اللازم لإنشاء المشروعات وتشغيلها، والتي ستحتاج حتمًا لقوى عاملة تنفذها وتديرها، وذلك من خلال الإقراض، أو المشاركة، والاستثمار، ولكن المصارف في ليبيا هي مجرد خزنات مال للمودعين، وساعي بريد يقوم بتوصيل الأموال من الدولة إلى العاملين بها..

وكالة الأنباء الليبية نقلت عن وزير العمل والتأهيل بحكومة الوحدة الوطنية قوله : (إن البطالة في ليبيا مصطلحٌ غير دقيق، وأرقامها غير دقيقة كذلك؛ لأن السائد في المجتمع أن الذين لا يعملون في القطاع العام (في الدولة) يُعتبرون عاطلين عن العمل، رغم أن معظم الذين محسوبين عن «البطالة» يعملون في القطاع الخاص، في مصانع وشركات، وفي مقاهٍ وورش، وما إلى ذلك، مؤكدًا أن فرص العمل متوفرة في السوق الليبي، والدليل على ذلك العدد الكبير للعمالة الأجنبية الموجودة في ليبيا وأن ما ينقصنا هو تنظيم سوق العمل في ليبيا .. وأضاف أن الحكومة بدأت تعمل على تنظيم سوق العمل الليبي، وإعادة تنظيم السجل التجاري وحصر القطاع الخاص حيث إن كل من لديه عمل ووظيفة في القطاع الخاص سيُمنع من العمل في القطاع العام والحصول على مرتب من الدولة..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى