مرايا

وجع وصبر.. حكايات التوحد التي لا تُقال بل تُعاش

فائزة العجيلي

في البيوتٍ التي لا تصلها عدسات الكاميرات، تُكتب يوميًا قصصٌ من نوع مختلف؛ قصصٌ لا تُقاس بعدد الكلمات، بل بسنوات الصبر التي يحملها آباءُ وأمهاتُ أطفال اضطراب «طيف التوحد».
هناك بعيدًا عن الضجيج تخوض أسر كثيرة معاركها اليومية في صمتٍ، بين البحث عن العلاج، ومواجهة نظرة المجتمع، ومحاولة صناعة مستقبل أفضل لأبنائها.
اضطراب «طيف التوحد» ليس مجرد تشخيص طبي يُدوَّن في ملف، أو تقرير بل تجربة إنسانية متكاملة تُغيّر حياة الأسرة بأكملها. فمنذ لحظة الاكتشاف الأولى تبدأ رحلة طويلة من التساؤلات والقلق والبحث عن الإجابات. إلا أن ما يزيد من صعوبة هذه الرحلة في ليبيا ليس «التوحد» وحده، بل نقص الخدمات المتخصّصة، وغياب البرامج المستدامة، وضعف الوعي المجتمعي.

وخلال برنامج تدريبي احتضنه مسرح مركز الدراسات الاجتماعية ببلدية أبوسليم في طرابلس، التقتْ «اللحظة الفاصلة» بعدد من أولياء الأمور الذين شاركوا تجاربهم الإنسانية، كاشفين عن جوانب من المعاناة والأمل في آن واحد.
طريق طويل دون خارطة
خليفة نافع أب من مدينة بني وليد، اكتشف إصابة ابنه بالتوحد وهو في الثالثة من عمره. يصف تلك اللحظة بأنها نقطة تحوَّل غيّرت مسار حياته بالكامل.
يقول: حتى المجتمع مش فاهم شن معنى كلمة توحد، فيه اللي يقول مريض، وفي اللي يقول درويش، وهذي كلمات ما نقبلوهاش.
لم تكن معاناة خليفة مرتبطة بالحالة الصحية لابنه فقط، بل أيضًا بالأحكام المسبقة والمفاهيم الخاطئة التي ما زالت تحيط بالتوحد. ومن أجل ابنه، تنقل بين عدة مراكز داخل ليبيا وخارجها، بحثًا عن العلاج والتأهيل.
ويضيف: ما فيش خطة واضحة من البداية، كل مرة نظام جديد وتجربة جديدة، وعيالنا هم اللي يدفعوا الثمن.
ويرى أن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب رؤية وطنية متكاملة للتعامل مع اضطراب التوحد، مؤكدًا أن الأسرَ تُترك في كثير من الأحيان لمواجهة مصيرها وحدها.
أم صنعتْ الأملَ بالصبر
لمياء سعيد العربي -أم-، بدأتْ رحلتها مع ابنها «حذيفة» في ماليزيا؛ حيث اكتشفت إصابته بالتوحد. ورغم الصدمة الأولى، قرَّرتْ أن تحوّل الألمَ إلى قوةٍ.
تقول: في البداية كانتْ صدمة، بعدين تحوَّلتْ لقوة.
بدأتْ رحلة التعلم والبحث، مستعينة بأطباء وخبراء من داخل وخارج البلاد، وأمضتْ سنوات في التدريب والمتابعة اليومية. ومع مرور الوقت بدأتْ النتائج تظهر.
وتضيف بفخر : ولدي ناطق ويتكلم، والحمد لله خطوة خطوة.
وترى لمياء أن الدور الأكبر في رحلة التأهيل يقع على عاتق الأسرة، وبالأخص الأم.
مؤكدة أن النجاح لا يتحقَّق بالاعتماد على المراكز وحدها.
وتقول: 70 % من الشغل على الأم، لو ما اشتغلتيش عليه بنفسك، مش حيصير شي .. كما تنتقد بعض المراكز الخاصة التي تستغل حاجة الأسر، مشدَّدة على أن التأهيل الحقيقي يبدأ من المنزل، ومن الاستمرارية والإيمان بقدرات الطفل.
عندما تتحوَّل التجربة إلى رسالة
خيرية سعيد، مرشدة نفسية بقسم الإرشاد الأسري بمركز التوحد أبوسليم، تعيش التجربة من زاويتين؛ فهي أم لطفل من ذوي التوحد، ومتخصصة تعمل يوميًا مع أسر أخرى تواجه التحديات نفسها.
تروي أن ابنها كان يتحدث ويقرأ بشكل طبيعي، لكنه بدأ تدريجيًا بالانسحاب من محيطه الاجتماعي وعدم التفاعل مع الآخرين.
تقول: كان ينسحب، ما يردش، ما يتفاعلش.
وبحكم تخصصها، أدركتْ المؤشرات مبكرًا وبدأتْ رحلة التدخل والتأهيل، حتى وصل ابنها إلى مرحلة متقدمة من الاستقرار والتطور.
وتؤكد: وصل لبر الأمان، الحمد لله. اليوم تسعى خيرية إلى دعم الأمهات نفسيًا وإرشاديًا، وتشجعهن على تجاوز مشاعر الخوف والإنهاك، مؤكدة أن التحدي الأكبر لا يكمن في الطفل بقدر ما يكمن أحيانًا في نظرة المجتمع.
وتقول: ما تحسوش إنكن ناقصات، بالعكس أنتن القوة.
كما تلفت الانتباه إلى غياب البرامج المخصصة للأشخاص المصابين بالتوحد بعد سن الثامنة عشرة، وهي مرحلة تثير قلق الكثير من الأسر بسبب محدودية الخيارات المتاحة.
بين العلم والواقع
البرنامج التدريبي الذي قدمته خبيرة متخصصة من الأردن تناول الجوانب العلمية المرتبطة بالتوحد، خاصة ما يتعلق بالمشكلات الحسّية المرتبطة بالسمع والبصر والتوازن والتفاعل مع البيئة المحيطة.
لكن ما بدأ واضحًا من خلال شهادات المشاركين هو وجود فجوة بين المعرفة النظرية والواقع العملي. فالأسر لا تحتاج فقط إلى دورات تدريبية ومعلومات علمية، بل إلى منظومة دعم متكاملة تبدأ بالتشخيص المبكر، وتستمر عبر التأهيل والتعليم والدمج المجتمعي.
أمانة تنتظر قرارًا
خلف كل طفل من ذوي التوحد، توجد أسرة تخوض معركة يومية بصمت. أسر تحاول وتتعثر ثم تعاود المحاولة، مدفوعة بالأمل والإيمان بحق أبنائها في حياة كريمة.
لكن هذه الأسر لم تعد بحاجة إلى التعاطف وحده، بل إلى سياسات واضحة وخدمات مستدامة وخطط وطنية تضمن حق أطفال التوحد في التعليم والتأهيل والاندماج.
فهؤلاء الأطفال ليسوا قضية مؤجلة، بل أمانة حاضرة ومسؤولية مشتركة. وبينما تواصل الأسر كفاحها اليومي، يبقى السؤال مطروحًا: كم من طفل ينتظر أن يُفهم ويُحتوى، بدلًا من أن يُساء الحكم عليه؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى