رأي

وحدَت الميزانية فليأت دور الصرف

أمين مازن

أعلن‭ ‬بنك‭ ‬ليبيا‭ ‬المركزي‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬الماضية‭ ‬اتفاق‭ ‬مجلسي‭ ‬النَّواب،‭ ‬والدولة‭ ‬الليبيين‭ ‬عن‭ ‬توحيد‭ ‬الميزانية‭ ‬العامة‭ ‬بين‭ ‬السلطتين‭ ‬المتنازعتين‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ظلتا‭ ‬منقسمتين‭ ‬لما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬ثلاث‭ ‬عشرة‭ ‬سنة،‭ ‬وقد‭ ‬تم‭ ‬الاتفاق‭ ‬المذكور‭ ‬بوساطة‭ ‬أمريكية‭ ‬قادها‭ ‬‮«‬مسعد‭ ‬بولس‮»‬‭ ‬وأخذتْ‭ ‬منه‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الوقت،‭ ‬والتنقل‭ ‬داخل‭ ‬البلاد‭ ‬وخارجها،‭ ‬وأشاعت‭ ‬بإعلانها‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الارتياح‭ ‬والأمل‭ ‬في‭ ‬إمكانية‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬النفق‭ ‬الذي‭ ‬طالما‭ ‬ظل‭ ‬يخيف‭ ‬كل‭ ‬مَنْ‭ ‬يدرك‭ ‬ما‭ ‬يحمله‭ ‬الانقسام‭ ‬من‭ ‬العبث‭ ‬المليء بأوخم‭ ‬العواقب،‭ ‬ليس‭ ‬للنواحي‭ ‬المالية‭ ‬وحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬بقاء‭ ‬الكيان‭ ‬الليبي‭ ‬في‭ ‬عمومه،‭ ‬وما‭ ‬قد‭ ‬يترتب‭ ‬على‭ ‬التضحية‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬التسويات‭ ‬الكبيرة‭ ‬باعتبارها‭ ‬كانتْ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيرها‭ ‬سببًا‭ ‬في‭ ‬وجوده‭ ‬عقب‭ ‬الحرب،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬التسيب‭ ‬الذي‭ ‬منيت‭ ‬به‭ ‬الدولة‭ ‬لشيخوخة‭ ‬الملك‭ ‬إدريس،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬حالت‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬تطور‭ ‬فأملت‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬البديل‭ ‬الذي‭ ‬ساد‭ ‬لعقود‭ ‬أربعة‭ ‬أدت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المطلوب‭ ‬ريثما‭ ‬هبَّت‭ ‬زوابع‭ ‬الربيع‭ ‬العربي،‭ ‬فكانت‭ ‬هذه‭ ‬الدوامة‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تستمر‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬لولا‭ ‬ما‭ ‬احتدم‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬الصراع‭ ‬المتعلق‭ ‬بالتسويات‭ ‬وحتى‭ ‬الحروب‭.‬

وقد‭ ‬كان‭ ‬للإعلان‭ ‬المشار‭ ‬إليه‭ ‬وقعه‭ ‬الطيب‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬مما‭ ‬رافقه‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬القراءات‭ ‬القاصرة،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬ترى‭ ‬فيه‭ ‬نوعًا‭ ‬من‭ ‬الانتقاص‭ ‬من‭ ‬للسيادة،‭ ‬والتي‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬تخفي‭ ‬بالتشكك‭ ‬في‭ ‬التدخل‭ ‬الأمريكي‭ ‬خوفها‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬ظلت‭ ‬تنعم‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬التربح‭ ‬والذي‭ ‬طالما‭ ‬عمَّ‭ ‬اللاعبين‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬عجيب‭ ‬عمَّهم‭ ‬جميعًا‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يخص‭ ‬مناباتهم‭ ‬من‭ ‬الجرايات‭ ‬العينية‭ ‬والمنافع‭ ‬المتعدَّدة،‭ ‬أو‭ ‬تمكين‭ ‬المحاسيب،‭ ‬إنها‭ ‬التي‭ ‬تجعلنا‭ -‬دون‭ ‬غيرها‭- ‬معشر‭ ‬مراقبي‭ ‬المشهد‭ ‬نستبشر‭ ‬بما‭ ‬جرى‭ ‬لما‭ ‬في‭ ‬توحيد‭ ‬الميزانية‭ ‬من‭ ‬إمكانية‭ ‬وجود‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬المراجعة‭ ‬والتي‭ ‬تضمن‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬التفريق‭ ‬بين‭ ‬عناوين‭ ‬الإنشاء‭ ‬والتسيير‭ ‬والسفر‭ ‬الضيافة،‭ ‬أو‭ ‬الأنشطة‭ ‬المشبوهة‭ ‬والمفتعلة،‭ ‬مما‭ ‬يسمح‭ ‬لكل‭ ‬ذي‭ ‬رأي‭ ‬ودراية‭ ‬وعبر‭ ‬بوابة‭ ‬بنك‭ ‬ليبيا‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬معرفة‭ ‬أحجام‭ ‬المحاباة،‭ ‬عسى‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬متناول‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬لديه‭ ‬أقل‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬استشعار‭ ‬المسؤولية‭ ‬أن‭ ‬يبذل‭ ‬ولو‭ ‬القليل‭ ‬مما‭ ‬يستطيع‭ ‬في‭ ‬مقاومة‭ ‬العبث‭ ‬المالي‭ ‬والاستخفاف‭ ‬الإداري‭ ‬في‭ ‬استفادة‭ ‬البعض‭ ‬دون‭ ‬البعض‭ ‬الآخر،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬حديث‭ ‬للإعلام‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬الماضي‭ ‬والماضي‭ ‬وحده،‭ ‬وعندما‭ ‬ننضم‭ ‬إلى‭ ‬المرحبين‭ ‬بالتدخل‭ ‬الأمريكي‭ ‬لتوحيد‭ ‬الميزانية‭ ‬ولا‭ ‬نرى‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التدخل‭ ‬ما‭ ‬يمس‭ ‬السيادة‭ ‬الوطنية‭ ‬التي‭ ‬يتشدق‭ ‬بها‭ ‬عديد‭ ‬المصطفين‭ ‬التلفزيونيين‭ ‬الليبيين‭ ‬ممن‭ ‬لم‭ ‬يسأموا‭ ‬ما‭ ‬درجوا‭ ‬على‭ ‬تصديعنا‭ ‬بتعليقاتهم‭ ‬المكرسة‭ ‬لصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬المخاطر‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬يعاني‭ ‬منها‭ ‬المواطن‭ ‬الليبي‭ ‬والتي‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬الثلاثة‭ ‬وسبعين‭ ‬مليارًا‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬حجم‭ ‬المرتبات،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تبلغ‭ ‬نسبة‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬للفقر‭ ‬أربعين‭ ‬في‭ ‬المئة،‭ ‬فإن‭ ‬مراجعة‭ ‬بنود‭ ‬هذه‭ ‬الميزانية‭ ‬من‭ ‬الأجانب‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الرأفة‭ ‬ولن‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬المكاشفة‭ ‬الأخيرة‭ ‬إن‭ ‬امتدتْ‭ ‬الأيامُ‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى