الرئيسيةديني

40‭ ‬عاماً على‭ ‬إصـدار‭ ‬المصحف

فريال‭ ‬بشير‭ ‬الدالي

في‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬اليوم،‭ ‬في‭ ‬ليلة‭ ‬القدر،‭ ‬ليلة‭ ‬السابع‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬المبارك‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬‮«‬1393‮»‬‭ ‬و‭.‬ر‭ ‬‮«‬1406هـ‮»‬،‭ ‬الموافق‭ ‬7‭ ‬يونيو‭ ‬1983م،‭ ‬وعقب‭ ‬صلاة‭ ‬القيام،‭ ‬بمسجد‭ ‬مولاي‭ ‬محمد‭ ‬بطرابلس،‭ ‬وفي‭ ‬حفل‭ ‬بهيج‭ ‬كان‭ ‬منقولًا‭ ‬عبر‭ ‬الإذاعات؛‭ ‬شهدتْ‭ ‬ليبيا‭ ‬الانتهاء‭ ‬من‭ ‬كتابة‭ ‬المصحف‭ ‬المعروف‭ ‬‮«‬سابقاً‮»‬‭ ‬باسم‭ ‬مصحف‭ ‬الجماهيرية،‭ ‬مصحف‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬‮«‬حالياً‮»‬،‭ ‬برواية‭ ‬قالون‭ ‬وبرسم‭ ‬الداني،‭ ‬الذي‭ ‬نال‭ ‬شرف‭ ‬نسخه‭ ‬الخطاط‭ ‬الشيخ‭ ‬أبو‭ ‬بكر‭ ‬ساسي‭ ‬المغربي‭.‬

انتشار‭ ‬تحفيظ‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬في‭ ‬ليبيا

لعل‭ ‬أجلّ‭ ‬ما‭ ‬ينشغل‭ ‬به‭ ‬المسلم‭ ‬هو‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬تعلّمًا‭ ‬وتعليمًا،‭ ‬وتبحّرًا‭ ‬في‭ ‬علومه؛‭ ‬وذلك‭ ‬لما‭ ‬لهذا‭ ‬النص‭ ‬الإلهي‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬روحية‭ ‬تغذي‭ ‬نفس‭ ‬المؤمن،‭ ‬وما‭ ‬يكتنز‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬تعاليم‭ ‬شملت‭ ‬كل‭ ‬شؤون‭ ‬وأمور‭ ‬الدنيا‭ ‬والآخرة،‭ ‬ولهذا‭ ‬يعتني‭ ‬المؤمنون‭ ‬بفهمه‭ ‬امتثالًا‭ ‬لتعاليم‭ ‬الله،‭ ‬ويحرصون‭ ‬على‭ ‬حفظ‭ ‬أكبر‭ ‬قدر‭ ‬منه،‭ ‬وما‭ ‬أسعد‭ ‬الحافظين‭ ‬بحملهم‭ ‬كلام‭ ‬الخالق‭ ‬جلّ‭ ‬وعلا،‭ ‬في‭ ‬صدورهم‭.‬

ومن‭ ‬مكرمات‭ ‬الله‭ ‬على‭ ‬عباده،‭ ‬أنه‭ ‬فضل‭ ‬أهل‭ ‬القرآن‭ ‬على‭ ‬سائر‭ ‬عباده،‭ ‬لكونهم‭ ‬أهله‭ ‬وخاصته؛‭ ‬قال‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭: ‬‮«‬‭ ‬أهل‭ ‬القرآن‭ ‬هم‭ ‬أهل‭ ‬الله‭ ‬وخاصّته‮»‬،‭ ‬ما‭ ‬أعظمها‭ ‬منزلة‭ ‬وشرفًا‭ ‬ينالهما‭ ‬المسلم‭ ‬المنشغل‭ ‬بالقرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬كما‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬القدسي‭ ‬عن‭ ‬رب‭ ‬العزة‭: ‬‮«‬‭ ‬من‭ ‬شغله‭ ‬القرآن‭ ‬عن‭ ‬مسألتي‭ ‬أعطيته‭ ‬ما‭ ‬أعطي‭ ‬السائلين‮»‬‭.‬

وبفضل‭ ‬الله‭ ‬تعالى،‭ ‬ومنّته،‭ ‬ننعم‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬بالاهتمام‭ ‬بالقرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬الذي‭ ‬وسمت‭ ‬به‭ ‬ليبيا‭ ‬حتى‭ ‬سمّيت‭ ‬بلد‭ ‬المليون‭ ‬حافظ؛‭ ‬ليبيا‭ ‬التي‭ ‬ينتشر‭ ‬قراؤها‭ ‬في‭ ‬أرجاء‭ ‬المعمورة‭ ‬يؤمون‭ ‬المصلّين‭ ‬في‭ ‬المساجد،‭ ‬كما‭ ‬أننّا‭ ‬نعتز‭ ‬ونفتخر‭ ‬ببلوغ‭ ‬أبناء‭ ‬الوطن‭ ‬المراتب‭ ‬العليا‭ ‬فيه‭ ‬عالميًّا؛‭ ‬بنيلهم‭ ‬جلّ‭ ‬التراتيب‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬المسابقات‭ ‬العالمية‭ ‬عن‭ ‬استحقاق‭ ‬وجدارة؛‭ ‬لدرجة‭ ‬أنه‭ ‬إذا‭ ‬حضر‭ ‬متسابق‭ ‬من‭ ‬ليبيا‭ ‬يغلب‭ ‬الظن‭ ‬أن‭ ‬المسابقة‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬الترتيب‭ ‬الثاني،‭ ‬كون‭ ‬المركز‭ ‬الأول‭ ‬محسوم‭ ‬سلفًا،‭ ‬وما‭ ‬أكثر‭ ‬الشيوخ‭ ‬والقراء‭ ‬من‭ ‬بلاد‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامي‭ ‬الذين‭ ‬يشيدون‭ ‬بحسن‭ ‬تلاوة‭ ‬الحافظ‭ ‬الليبي‭.‬

إلى‭ ‬جانب‭ ‬حفظ‭ ‬وتحفيظ‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬في‭ ‬بلدنا‭ ‬الحبيب‭ ‬ليبيا‭ ‬علماء‭ ‬وشيوخ‭ ‬كرسوا‭ ‬حياتهم‭ ‬لعلوم‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم؛‭ ‬فانتقل‭ ‬عبر‭ ‬الأجيال‭ ‬بالتواتر؛‭ ‬تلقينًا‭ ‬وتكتيبًا،‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬منتشرًا‭ ‬منذ‭ ‬عهود‭ ‬قديمة؛‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬شهد‭ ‬تزايدًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬في‭ ‬الأعوام‭ ‬الأخيرة،‭ ‬خاصة‭ ‬بما‭ ‬يشهده‭ ‬مجال‭ ‬الحفظ‭ ‬من‭ ‬تعدد‭ ‬المسابقات‭ ‬التي‭ ‬تشجع‭ ‬الأطفال‭ ‬واليافعين،‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬كبار‭ ‬السن‭ ‬على‭ ‬حفظ‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬ولعل‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬رد‭ ‬الفضل‭ ‬لأهله؛‭ ‬فإن‭ ‬جُلّ‭ ‬هذه‭ ‬المسابقات‭ ‬هي‭ ‬بمبادرات‭ ‬من‭ ‬مؤسسات‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬ورجال‭ ‬الأعمال،‭ ‬مسابقات‭ ‬على‭ ‬عدة‭ ‬مستويات‭ ‬محلية‭ ‬ودولية‭.‬

الحاجة‭ ‬لطباعة‭ ‬المصحف‭ ‬الشريف‭ ‬في‭ ‬ليبيا

ومع‭ ‬كل‭ ‬ذلك؛‭ ‬كنا‭ ‬نفتقد‭ ‬لمصحف‭ ‬ليبي‭ ‬مطبوع؛‭ ‬فلم‭ ‬تتم‭ ‬طباعة‭ ‬المصحف‭ ‬الشريف‭ ‬حتى‭ ‬أواخر‭ ‬السبعينيات؛‭ ‬بإصدار‭ ‬مصحف‭ ‬أمانة‭ ‬‮«‬وزارة‭ ‬التعليم‮»‬،‭ ‬برواية‭ ‬قالون‭ ‬ورسم‭ ‬الخرّاز،‭ ‬تمت‭ ‬مراجعته‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬لجنة‭ ‬من‭ ‬المشايخ‭ ‬الأفاضل،‭ ‬ونسخه‭ ‬بخطه‭ ‬الأستاذ‭ ‬زكريا‭ ‬طه‭ ‬أحمد‭ ‬البلموني‭ ‬من‭ ‬مصر،‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬خطاطًا‭ ‬بأمانة‭ ‬‮«‬وزارة‮»‬‭ ‬التعليم‭ ‬الليبية‭.‬

وبعد‭ ‬سنوات،‭ ‬قامت‭ ‬جمعية‭ ‬الدعوة‭ ‬الإسلامية‭ ‬العالمية‭ ‬بطباعة‭ ‬عدة‭ ‬مصاحف،‭ ‬ومنها‭ ‬عدد‭ ‬لا‭ ‬بأس‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬المصاحف‭ ‬المترجمة،‭ ‬كما‭ ‬طبعت‭ ‬مصحف‭ ‬الشيخ‭ ‬صالح‭ ‬الجلاصي،‭ ‬عام‭ ‬1982م،‭ ‬كان‭ ‬بالخط‭ ‬المغربي‭ ‬الليبي‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬الخطوط‭ ‬الدارجة‭ ‬لدى‭ ‬الشيوخ‭ ‬والطلبة‭ ‬في‭ ‬ليبيا،‭ ‬فتمّت‭ ‬طباعته‭ ‬في‭ ‬هيئة‭ ‬مصحف‭ ‬كامل،‭ ‬كما‭ ‬صدر‭ ‬مقسّمًا‭ ‬لأرباع‭. ‬

كان‭ ‬الشيخ‭ ‬أبو‭ ‬بكر‭ ‬ساسي‭ ‬المغربي‭ ‬يتطلع‭ ‬إلى‭ ‬نسخ‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬منذ‭ ‬فترة‭ ‬سابقة‭ ‬عن‭ ‬شروعه‭ ‬بنسخ‭ ‬المصحف،‭ ‬خاصة‭ ‬وهو‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬يدرس‭ ‬الخط‭ ‬العربي‭ ‬بصفة‭ ‬نظامية‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬العربي؛‭ ‬فقد‭ ‬نال‭ ‬دبلوم‭ ‬الخط‭ ‬العربي‭ ‬عام‭ ‬1941م،‭ ‬من‭ ‬مدرسة‭ ‬تحسين‭ ‬الخطوط‭ ‬الملكية‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬أثناء‭ ‬دراسته‭ ‬بالجامع‭ ‬الأزهر؛‭ ‬فعاد‭ ‬ونشط‭ ‬بالعمل‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الخط‭ ‬العربي،‭ ‬وكان‭ ‬زملاؤه‭ ‬من‭ ‬المشايخ‭ ‬الأفاضل‭ ‬يشجعونه‭ ‬لكتابة‭ ‬مصحف‭ ‬بخطه،‭ ‬حتى‭ ‬سعوا‭ ‬معه،‭ ‬وبادر‭ ‬بعضهم‭ ‬باقتراح‭ ‬كتابة‭ ‬مصحف‭ ‬ليبي،‭ ‬في‭ ‬اجتماع‭ ‬لهم‭ ‬مع‭ ‬مدير‭ ‬إذاعة‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬فضيلة‭ ‬الشيخ‭ ‬محمد‭ ‬أحمد‭ ‬المشري،‭ ‬الذي‭ ‬استجاب،‭ ‬وقام‭ ‬على‭ ‬الفور‭ ‬باتخاذ‭ ‬الخطوة‭ ‬الأولى؛‭ ‬بمراسلة‭ ‬أمانة‭ ‬‮«‬وزارة‮»‬‭ ‬الإعلام؛‭ ‬كون‭ ‬إذاعة‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬تتبعها‭ ‬إداريًّا‭.‬

وفي‭ ‬تواصل‭ ‬هاتفي،‭ ‬أفادنا‭ ‬الدكتور‭ ‬محمد‭ ‬أحمد‭ ‬الشريف‭/ ‬أمين‭ ‬عام‭ ‬جمعية‭ ‬الدعوة‭ ‬الإسلامية‭ ‬العالمية‭ ‬‮«‬سابقاً‮»‬،‭ ‬أنه‭ ‬تم‭ ‬إسناد‭ ‬موضوع‭ ‬إنجاز‭ ‬المصحف‭ ‬إلى‭ ‬جمعية‭ ‬الدعوة‭ ‬الإسلامية‭ ‬العالمية‭.‬

وأضاف‭ ‬الشريف‭: ‬باشرنا‭ ‬العمل،‭ ‬بالاجتماع‭ ‬بالشيخ‭ ‬أبو‭ ‬بكر‭ ‬ساسي‭ ‬المغربي؛‭ ‬وعرفت‭ ‬منه‭ ‬احتياجات‭ ‬إنجاز‭ ‬المصحف؛‭ ‬ومن‭ ‬بينها‭ ‬غرفة‭ ‬تخصص‭ ‬لنسخ‭ ‬ومراجعة‭ ‬ما‭ ‬يكتب‭ ‬من‭ ‬المصحف،‭ ‬وكل‭ ‬الأدوات‭ ‬اللازمة؛‭ ‬من‭ ‬منضدة‭ ‬خاصة‭ ‬وأوراق‭ ‬وحبر‭ ‬وأقلام‭. ‬

وبعد‭ ‬الانتهاء‭ ‬من‭ ‬الاتفاق‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تتولى‭ ‬جمعية‭ ‬الدعوة‭ ‬الإسلامية‭ ‬الرعاية‭ ‬المادية‭ ‬لإنجاز‭ ‬المصحف‭ ‬من‭ ‬توفير‭ ‬الاحتياجات‭ ‬اللازمة،‭ ‬ومكافآت‭ ‬اللجنة،‭ ‬ومصاريف‭ ‬طباعته،‭ ‬وبتاريخ‭ ‬4‭ ‬مايو‭ ‬1980م،‭ ‬الموافق‭: ‬18‭ ‬جمادى‭ ‬الآخرة‭ ‬1390‭ ‬و‭. ‬ر،‭ ‬‮«‬1401‭ ‬هـ‮»‬،‭ ‬أصدر‭ ‬وزير‭ ‬الإعلام‭ ‬قرارًا‭ ‬بتسمية‭ ‬لجنة‭ ‬مراجعة‭ ‬المصحف؛‭ ‬وكانت‭ ‬مكونة‭ ‬من‭ ‬كوكبة‭ ‬من‭ ‬الشيوخ‭ ‬الأفاضل،‭ ‬وهم‭:              الشيخ‭ ‬محمد‭ ‬أحمد‭ ‬المشري‭ ‬رئيسًا‭ ‬للجنة‭.‬

الشيخ‭ ‬مصطفى‭ ‬أحمد‭ ‬قشقش‭ ‬مساعدًا‭ ‬للرئيس

الشيخ‭ ‬شكري‭ ‬أحمد‭ ‬حمادي‭ ‬عضوًا‭.‬

الشيخ‭ ‬الأمين‭ ‬محمد‭ ‬قنيوة‭ ‬عضوًا‭.‬

الشيخ‭ ‬أبوبكر‭ ‬ساسي‭ ‬المغربي‭ ‬عضوًا‭.‬

الشيخ‭ ‬المبروك‭ ‬العماري‭ ‬المسلاتي‭ ‬عضوًا‭.‬

الشيخ‭ ‬الطيب‭ ‬عبد‭ ‬الوهاب‭ ‬النعاس‭ ‬عضوًا‭.‬

الشيخ‭ ‬رجب‭ ‬أبوبكر‭ ‬ساسي‭ ‬عضوًا‭.‬

الشيخ‭ ‬محمد‭ ‬الهادي‭ ‬كريدان‭ ‬عضوًا‭.‬

الشيخ‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬باباي‭ ‬عضوًا‭.‬

الشيخ‭ ‬حسين‭ ‬محمد‭ ‬الزاوي‭ ‬معاونًا‭ ‬إداريًّا‭.‬

الشيخ‭ ‬بشير‭ ‬أحمد‭ ‬مالك‭ ‬معاونًا‭ ‬ماليًّا‭.‬

الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬أحمد‭ ‬القريو‭ ‬معاونًا‭ ‬فنّيًّا

الشيخ‭ ‬مسعود‭ ‬ساسي‭ ‬حسونة‭ ‬معاونًا‭ ‬ماليًّا‭.‬

وقد‭ ‬رأت‭ ‬اللجنة‭ ‬أن‭ ‬يتولى‭ ‬الشيخ‭ ‬المبروك‭ ‬العماري‭ ‬المسلاتي‭ ‬جانب‭ ‬الوقوف؛‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬مرجعًا‭ ‬مهمًّا‭ ‬في‭ ‬الوقف‭ ‬الهبطيّ،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬مراجعة‭ ‬النص‭.‬

أما‭ ‬بخصوص‭ ‬زخرفة‭ ‬المصحف؛‭ ‬فقد‭ ‬اتفق‭ ‬الشيخ‭ ‬أبو‭ ‬بكر‭ ‬ساسي‭ ‬المغربي‭ ‬مع‭ ‬أستاذ‭ ‬الزخرفة‭ ‬التركي،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬معلمًا‭ ‬بمعهد‭ ‬ابن‭ ‬مقلة‭ ‬للخط‭ ‬العربي،‭ ‬الأستاذ‭ ‬نيازي‭ ‬ليتولّى‭ ‬زخرفة‭ ‬المصحف،‭ ‬والحليات،‭ ‬وعلامات‭ ‬الآيات‭ ‬والسجدات‭ ‬وما‭ ‬إليها‭.‬

المصحف‭ ‬برواية‭ ‬قالون‭ ‬ورسم‭ ‬الداني،‭ ‬ووقف‭ ‬الهبطي

وقد‭ ‬تم‭ ‬اختيار‭ ‬رواية‭ ‬الإمام‭ ‬قالون‭ ‬عن‭ ‬الإمام‭ ‬نافع،‭ ‬ورسم‭ ‬وضبط‭ ‬الإمام‭ ‬أبي‭ ‬عمرو‭ ‬الداني،‭ ‬ووقف‭ ‬الإمام‭ ‬الهبطيّ‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬عد‭ ‬المصحف؛‭ ‬فقد‭ ‬اختاروا‭ ‬العد‭ ‬المدنيّ‭ ‬الأول،‭ ‬ومعروف‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬الإسلامي‭ ‬أنهم‭ ‬يأخذون‭ ‬إما‭ ‬بالعد‭ ‬المدني‭ ‬الأول،‭ ‬أو‭ ‬الأخير‭. ‬فيما‭ ‬كانت‭ ‬السجدات‭ ‬إحدى‭ ‬عشرة‭ ‬سجدة،‭ ‬وهي‭ ‬المعمول‭ ‬بها‭ ‬على‭ ‬مذهب‭ ‬الإمام‭ ‬مالك؛‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬مذهب‭ ‬أهل‭ ‬البلد،‭ ‬والمغرب‭ ‬الإسلامي‭.‬

وعن‭ ‬سبب‭ ‬اختيار‭ ‬كتابته‭ ‬بهذا‭ ‬النهج،‭ ‬يقول‭ ‬الدكتور‭ ‬محمد‭ ‬المغربي‭ ‬عضو‭ ‬هيئة‭ ‬التدريس‭ ‬بالجامعة‭ ‬الأسمرية،‭ ‬ورئيس‭ ‬مجمع‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬لصحيفة‭ ‬فبراير‭: ‬للمحافظة‭ ‬على‭ ‬الخصوصية‭ ‬الليبية‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬تعليم‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬المعتمدة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الرواية،‭ ‬وكذلك‭ ‬لتوحيد‭ ‬المصاحف‭ ‬القرآنية‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬القرآنية،‭ ‬والمساجد‭ ‬والزوايا‭ ‬الليبية؛‭ ‬ولهذا‭ ‬صار‭ ‬مصحف‭ ‬ليبيا‭/ ‬الجماهيرية‭ ‬سابقاً،‭ ‬هو‭ ‬المرجع‭ ‬الأساسي‭ ‬لتعليم‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬في‭ ‬ليبيا،‭ ‬والمعتمد‭ ‬في‭ ‬كتاتيبها‭ ‬وزواياها‭ ‬ومدارسها‭.‬

رحلة‭ ‬النسخ‭ ‬والتحضير‭ ‬للطباعة

وفي‭ ‬يوم‭ ‬2‭/‬3‭/‬1981م،‭ ‬الموافق‭ ‬27‭ ‬ربيع‭ ‬الثاني‭ ‬1390و‭.‬ر‭ ‬‮«‬1401هـ‮»‬،‭ ‬أقيم‭ ‬حفل‭ ‬بهيج‭ ‬بإذاعة‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬بمناسبة‭ ‬بداية‭ ‬كتابة‭ ‬المصحف؛‭ ‬حيث‭ ‬شرع‭ ‬فيه‭ ‬الشيخ‭ ‬أبو‭ ‬بكر‭ ‬ساسي‭ ‬المغربي،‭ ‬بكتابة‭ ‬سورة‭ ‬الفاتحة‭ ‬أمام‭ ‬الحضور‭.‬

ومنذ‭ ‬تاريخ‭ ‬البدء‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬المصحف،‭ ‬كان‭ ‬العمل‭ ‬يسير‭ ‬بانتظام؛‭ ‬فالتزم‭ ‬الشيخ‭ ‬أبو‭ ‬بكر‭ ‬ساسي‭ ‬بالحضور‭ ‬بعد‭ ‬صلاة‭ ‬الفجر‭ ‬إلى‭ ‬إذاعة‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬إلى‭ ‬غرفة‭ ‬المكتب‭ ‬المخصصة‭ ‬للعمل‭ ‬بالمصحف،‭ ‬ويكتب‭ ‬صفحة‭ ‬واحدة،‭ ‬ليراجعها‭ ‬أعضاء‭ ‬اللجنة‭ ‬فيما‭ ‬بعد،‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬اليوم‭ ‬وكلٌّ‭ ‬على‭ ‬حدة،‭ ‬وكل‭ ‬شيخ‭ ‬ينهي‭ ‬مراجعة‭ ‬النص؛‭ ‬يكتب‭ ‬ملاحظاته‭ ‬إن‭ ‬وجدت،‭ ‬ويوقع‭ ‬خلف‭ ‬الورقة‭ ‬نفسها،‭ ‬وكان‭ ‬عمل‭ ‬الشيخ‭ ‬الخطاط‭ ‬وأعضاء‭ ‬لجنة‭ ‬المراجعة‭ ‬يتم‭ ‬بشكل‭ ‬يومي‭ ‬عدا‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة،‭ ‬والعطلات‭ ‬الرسمية‭.‬

وفي‭ ‬حديث‭ ‬مع‭ ‬صحيفة‭ ‬فبراير‭ ‬قال‭ ‬الدكتور‭ ‬محمد‭ ‬ابن‭ ‬الشيخ‭ ‬أبو‭ ‬بكر‭ ‬ساسي‭ ‬المغربي‭:‬‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬الشهور‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬نسخ‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬وفي‭ ‬الفترة‭ ‬المسائية‭ ‬كان‭ ‬يعمل‭ ‬الشيخ‭ ‬أبوبكر‭ ‬ساسي‭ ‬في‭ ‬بيته‭ ‬مع‭ ‬المزخرف‭ ‬الأستاذ‭ ‬نيازي،‭ ‬لإعداد‭ ‬زخرفة‭ ‬الحِليات؛‭ ‬وهي‭ ‬الوحدات‭ ‬الزخرفية‭ ‬التي‭ ‬تكتب‭ ‬فيها‭ ‬الأجزاء‭ ‬والأحزاب‭ ‬والأنصاف‭ ‬والأرباع‭ ‬والأثمان،‭ ‬وكتابة‭ ‬أرقام‭ ‬الآيات‭ ‬وغيرها؛‭ ‬فقاما‭ ‬بتصميم‭ ‬عدة‭ ‬أشكال،‭ ‬حتى‭ ‬استقرا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬تنفيذها‭ ‬بالمصحف‭.‬

استمر‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو؛‭ ‬حتى‭ ‬الانتهاء‭ ‬من‭ ‬نسخه،‭ ‬والذي‭ ‬أقيم‭ ‬له‭ ‬احتفال‭ ‬كبير‭ ‬بجامع‭ ‬مولاي‭ ‬محمد،‭ ‬ليلة‭ ‬القدر،‭ ‬ليلة‭ ‬27‭ ‬رمضان‭ ‬1393و‭.‬ر‭ ‬‮«‬1403هـ‮»‬،‭ ‬الموافق‭ ‬7‭/ ‬6‭/ ‬1983م‭.‬

وفي‭ ‬حوار‭ ‬ليَّ‭ ‬مع‭ ‬الشيخ‭ ‬أبو‭ ‬بكر‭ ‬ساسي‭ ‬المغربي‭ ‬عام‭ ‬2004م،‭ ‬وفي‭ ‬بيته‭ ‬العامر،‭ ‬أخبرني‭ ‬أن‭ ‬الطبعة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬المصحف‭ ‬وردتْ‭ ‬بها‭ ‬بعض‭ ‬الهفوات،‭ ‬وقد‭ ‬صححها‭ ‬وراسل‭ ‬الجمعية‭ ‬بالتصويبات؛‭ ‬منها‭ ‬تاريخ‭ ‬تسليم‭ ‬المصحف‭ ‬لجمعية‭ ‬الدعوة‭ ‬الإسلامية‭ ‬برسالة‭ ‬رسمية‭ ‬بعد‭ ‬الانتهاء‭ ‬من‭ ‬نسخه‭ ‬وتصحيحه،‭ ‬الذي‭ ‬تم‭ ‬بتاريخ‭ ‬20‭/ ‬4‭/ ‬1985م‭.‬

رحلة‭ ‬طباعة‭ ‬المصحف‭ ‬في‭ ‬إيطاليا

ومما‭ ‬ذكره‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬أحمد‭ ‬القريو،‭ ‬عضو‭ ‬لجنة‭ ‬مراجعة‭ ‬المصحف،‭ ‬أنه‭ ‬بعد‭ ‬الانتهاء‭ ‬من‭ ‬النسخ‭ ‬والمراجعة،‭ ‬تم‭ ‬التنسيق‭ ‬بين‭ ‬وزارة‭ ‬الإعلام‭ ‬والسفارة‭ ‬الليبية‭ ‬في‭ ‬إيطاليا،‭ ‬التي‭ ‬كلفت‭ ‬الملحق‭ ‬الإعلامي‭ ‬بالسفارة‭ ‬للتواصل‭ ‬مع‭ ‬مطبعة‭ ‬كبيرة‭ ‬للتعاقد‭ ‬وترتيب‭ ‬العمل‭ ‬معها،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬مهامه‭ ‬متابعة‭ ‬عمل‭ ‬لجنة‭ ‬المصحف‭ ‬والمطبعة؛‭ ‬وبناءً‭ ‬على‭ ‬ذلك؛‭ ‬تم‭ ‬إيفاد‭ ‬الأعضاء‭ ‬الذين‭ ‬كان‭ ‬عملهم‭ ‬يتم‭ ‬بشكل‭ ‬يومي؛‭ ‬بحيث‭ ‬تتم‭ ‬مراجعة‭ ‬كل‭ ‬الصفحات،‭ ‬ولكل‭ ‬حجم‭ ‬على‭ ‬حدة،‭ ‬استمر‭ ‬العمل‭ ‬كذلك‭ ‬مدة‭ ‬ثلاثة‭ ‬أشهر‭ ‬بشكل‭ ‬مكثف‭ ‬لإنجاز‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬المحدد‭.‬

تمت‭ ‬الطباعة،‭ ‬وأصدر‭ ‬المصحف‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬مارس‭ ‬عام‭ ‬1986م،‭ ‬وقد‭ ‬صدر‭ ‬في‭ ‬الطبعة‭ ‬الأولى‭ ‬بثلاثة‭ ‬أحجام‭: ‬الحجم‭ ‬الطبيعي‭ ‬الذي‭ ‬كتب‭ ‬به،‭ ‬والحجم‭ ‬الجوامعي،‭ ‬والحجم‭ ‬العادي‭.‬

كُتِب‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬على‭ ‬ورق‭ ‬أبيض‭ ‬مصقول‭ ‬بحجم‭ ‬كبير،‭ ‬بطول‭ ‬100‭ ‬سنتيمتر‭ ‬وعرض‭ ‬75‭ ‬سنتيمترًا؛‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬الحجم‭ ‬الطبيعي‭ ‬للنسخة‭ ‬المكتوبة؛‭ ‬وطُبِع‭ ‬بها؛‭ ‬لهذا‭ ‬كان‭ ‬ثقيلًا؛‭ ‬فالنسخة‭ ‬الواحدة‭ ‬منه‭ ‬تزن‭ ‬65‭ ‬كيلوغرامًا؛‭ ‬وقد‭ ‬خُصِّص‭ ‬هذا‭ ‬الحجم‭ ‬ليكون‭ ‬إهداءً‭ ‬من‭ ‬ليبيا‭ ‬إلى‭ ‬رؤساء‭ ‬العالم‭ ‬وكبار‭ ‬الشخصيات‭ ‬التي‭ ‬تزور‭ ‬ليبيا،‭ ‬كما‭ ‬وُضعتْ‭ ‬منه‭ ‬نسخٌ‭ ‬في‭ ‬مكتبة‭ ‬الدعوة‭ ‬الإسلامية‭ ‬العالمية،‭ ‬وفي‭ ‬مبنى‭ ‬جمعية‭ ‬الدعوة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬وفي‭ ‬المتحف‭ ‬الوطني،‭ ‬وبعض‭ ‬المؤسسات‭ ‬الوطنية‭ ‬الكبيرة‭.‬

‭ ‬ثم‭ ‬توالتْ‭ ‬الطبعاتُ‭ ‬حتى‭ ‬بلغ‭ ‬عدد‭ ‬نسخه‭ ‬الملايين،‭ ‬وقد‭ ‬تنوعت‭ ‬أحجامه‭ ‬وأشكال‭ ‬طباعته؛‭ ‬فمثلًا؛‭ ‬صدر‭ ‬المصحف‭ ‬في‭ ‬طبعات‭ ‬لاحقة،‭ ‬بهيئة‭ ‬أرباع،‭ ‬وربعات‭ ‬مكونة‭ ‬من‭ ‬ثلاثين‭ ‬جزءًا،‭ ‬ومنذ‭ ‬الطبعة‭ ‬الأولى‭ ‬عام‭ ‬1986م،‭ ‬وإلى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭ ‬تمت‭ ‬طباعة‭ ‬مصحف‭ ‬الجماهيرية‭ ‬ست‭ ‬عشرة‭ ‬مرةً،‭ ‬آخرها‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬ديسمبر‭ ‬2025،‭ ‬وفي‭ ‬الطبعات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬بعد‭ ‬2011م،‭ ‬تم‭ ‬تغيير‭ ‬الاسم‭ ‬من‭ ‬مصحف‭ ‬الجماهيرية‭ ‬إلى‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬وربما‭ ‬ذلك‭ ‬يرجع‭ ‬لكون‭ ‬أن‭ ‬المصحف‭ ‬تمت‭ ‬تسميته‭ ‬بالاسم‭ ‬الرسمي‭ ‬لليبيا‭ ‬حينها،‭ ‬وأن‭ ‬تغييره‭ ‬صار‭ ‬لزامًا‭ ‬لانتهاء‭ ‬العمل‭ ‬به‭.‬

ما‭ ‬الذي‭ ‬يميز‭ ‬مصحف‭ ‬الجماهيرية‭ ‬الذي‭ ‬خطه‭ ‬الشيخ‭ ‬أبو‭ ‬بكر‭ ‬ساسي‭ ‬المغربي؟

لقد‭ ‬اكتسب‭ ‬مصحف‭ ‬ليبيا‭ ‬زخمًا‭ ‬ورواجًا‭ ‬كبيرين؛‭ ‬لأن‭ ‬رواية‭ ‬قالون‭ ‬تنتشر‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬وأجزاء‭ ‬من‭ ‬تونس،‭ ‬وبعض‭ ‬أهل‭ ‬المدينة‭ ‬المنَّورة،‭ ‬وكتابة‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬العربي‭ ‬تتم‭ ‬بالخطوط‭ ‬المغربية‭ ‬التي‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬يستشكل‭ ‬على‭ ‬غير‭ ‬أهل‭ ‬البلد‭ ‬قراءتها؛‭ ‬فكان‭ ‬مصحفنا‭ ‬الذي‭ ‬مثل‭ ‬ليبيا‭  ‬بخط‭ ‬النسخ‭ ‬وما‭ ‬يتميز‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬وضوح،‭ ‬مطلوبًا‭ ‬للحفاظ‭ ‬والمحفظين‭ ‬برواية‭ ‬قالون‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬وخارجها،‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬هو‭ ‬المعتمد‭ ‬في‭ ‬مساجدنا‭ ‬ومدارسنا‭ ‬القرآنية،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬وضوحه‭ ‬وسهولة‭ ‬قراءته؛‭ ‬جعلاه‭ ‬مرجعًا‭ ‬لكثير‭ ‬من‭ ‬الحافظين‭ ‬والمحفظين‭ ‬ومن‭ ‬ينسخون‭ ‬ويراجعون‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬برواية‭ ‬قالون‭ ‬عن‭ ‬نافع‭ ‬برسم‭ ‬الداني‭ ‬ووقف‭ ‬الهِبطيّ‭ ‬من‭ ‬الأقطار‭ ‬التي‭ ‬تنتشر‭ ‬فيها‭ ‬روايات‭ ‬أخرى،‭ ‬وبرسم‭ ‬وضبط‭ ‬ووقوف‭ ‬مختلفة‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬الإسلامي‭.‬

وبالمناسبة؛‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬المصحف‭ ‬وبحلته‭ ‬القشيبة‭ ‬هو‭ ‬المصحف‭ ‬الأول‭ ‬الذي‭ ‬يتم‭ ‬نسخه‭ ‬وطباعته‭ ‬برواية‭ ‬قالون‭ ‬ورسم‭ ‬الداني‭ ‬بخط‭ ‬النسخ؛‭ ‬والثاني‭ ‬في‭ ‬الكتابة،‭ ‬بنفس‭ ‬الخط،‭ ‬بعد‭ ‬مصحف‭ ‬الجزائر‭ ‬بخط‭ ‬الشيخ‭ ‬محمد‭ ‬سعيد‭ ‬شريفي‭ ‬برواية‭ ‬ورش،‭ ‬الذي‭ ‬تمت‭ ‬طباعته‭ ‬قبل‭ ‬مصحف‭ ‬الجماهيرية‭ ‬بعامين،‭ ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬معروفًا‭ ‬لدينا؛‭ ‬كون‭ ‬تداوله‭ ‬وانتشاره‭ ‬كان‭ ‬محلّيًّا‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬عالميًّا،‭ ‬بخلاف‭ ‬مصحف‭ ‬ليبيا،‭ ‬الذي‭ ‬شهد‭ ‬انتشارًا‭ ‬واسعًا؛‭ ‬فالمؤسسة‭ ‬التي‭ ‬ملكت‭ ‬حق‭ ‬الإصدار،‭ ‬وهي‭ ‬جمعية‭ ‬الدعوة‭ ‬الإسلامية‭ ‬العالمية،‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬فروع‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬دول،‭ ‬كما‭ ‬درس‭ ‬ويدرس‭ ‬في‭ ‬كليتها‭ ‬طلاب‭ ‬العلم‭ ‬الشرعي‭ ‬من‭ ‬شتى‭ ‬أقطار‭ ‬العالم‭ ‬الإسلاميّ‭.‬

القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬بخط‭ ‬النسخ،‭ ‬لماذا؟

عندما‭ ‬تم‭ ‬اختيار‭ ‬خط‭ ‬النسخ‭ ‬لكتابة‭ ‬المصحف‭ ‬كان‭ ‬هدفه‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬سهل‭ ‬القراءة‭ ‬للجميع،‭ ‬مشارقة‭ ‬ومغاربة؛‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬نحتاج‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الخط‭ ‬واضحًا‭ ‬سهل‭ ‬القراءة،‭ ‬بما‭ ‬يوافق‭ ‬ما‭ ‬عرفناه‭ ‬من‭ ‬تعليمنا‭ ‬العام‭.‬

خط‭ ‬النسخ‭ ‬من‭ ‬الخطوط‭ ‬المشرقية،‭ ‬ونقط‭ ‬حروفه‭ ‬هو‭ ‬نفس‭ ‬النقط‭ ‬الذي‭ ‬عرفناه‭ ‬في‭ ‬دراستنا؛‭ ‬لكن‭ ‬الخط‭ ‬المغربي‭ ‬يختلف‭ ‬في‭ ‬النقط‭ ‬قليلًا؛‭ ‬فمثلًا‭: ‬حرف‭ ‬الفاء‭ ‬توضع‭ ‬له‭ ‬نقطة‭ ‬واحدة‭ ‬أسفله،‭ ‬وحرف‭ ‬القاف‭ ‬توضع‭ ‬نقطة‭ ‬واحدة‭ ‬أعلاه؛‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الحروف‭ ‬المعجمة‭ ‬لا‭ ‬تنقط‭ ‬إذا‭ ‬وقعت‭ ‬طرفية‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬الكلمة،‭ ‬وهي‭ ‬حروف‭ ‬الياء‭ ‬والنون‭ ‬والفاء‭ ‬والقاف،‭ ‬كذلك‭ ‬تداخل‭ ‬كتابة‭ ‬بعض‭ ‬الحروف‭ ‬وخاصة‭ ‬ذوات‭ ‬الكاسات،‭ ‬وبالذات‭ ‬إذا‭ ‬جاءت‭ ‬متتالية؛‭ ‬حيث‭ ‬ترسم‭ ‬متداخلة‭ ‬متعاشقة‭ ‬مع‭ ‬وضع‭ ‬علاماتها‭ ‬بشكل‭ ‬قد‭ ‬يلتبس‭ ‬على‭ ‬غير‭ ‬العارفين‭ ‬به‭.‬

ومن‭ ‬سمات‭ ‬هذا‭ ‬المصحف‭ ‬الشريف؛‭ ‬أن‭ ‬لجنة‭ ‬المراجعة‭ ‬مكونة‭ ‬من‭ ‬ثُلة‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬مشايخنا،‭ ‬الذين‭ ‬حق‭ ‬لليبيا‭ ‬أن‭ ‬تفتخر‭ ‬بهم،‭ ‬جلهم‭ ‬ليسوا‭ ‬فقط‭ ‬قراء‭ ‬ومحفظين،‭ ‬بل‭ ‬علماء‭ ‬أجلّاء،‭ ‬حفظوا‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬مشايخ‭ ‬كبار‭ ‬كالشيخ‭ ‬مختار‭ ‬حورية،‭ ‬وتلقّوا‭ ‬تعليمهم‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬أماكن‭ ‬محلية‭ ‬وخارجية؛‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬والمعهد‭ ‬السنوسي،‭ ‬وجامعة‭ ‬الزيتونة،‭ ‬والأزهر‭ ‬الشريف‭.‬

ملاحظة‭:‬‭ ‬تسمية‭ ‬مصحف‭ ‬الجماهيرية‭ ‬صدرت‭ ‬بها‭ ‬عدة‭ ‬مصاحف‭ ‬عن‭ ‬جمعية‭ ‬الدعوة‭ ‬الإسلامية‭ ‬العالمية،‭ ‬وبروايات‭ ‬مختلفة‭ ‬وبأكثر‭ ‬من‭ ‬رسم‭ ‬وضبط؛‭ ‬منها‭ ‬المصاحف‭ ‬التي‭ ‬نسخها‭ ‬الخطاط‭ ‬عبد‭ ‬المجيد‭ ‬الشفح‭.‬

من‭ ‬الطرائف‭ ‬التي‭ ‬رافقتْ‭ ‬إنجاز‭ ‬المصحف‭:‬

‭ ‬استنكار‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬سمع‭ ‬أن‭ ‬الشيخ‭ ‬محمد‭ ‬المشري‭ ‬رئيس‭ ‬لجنة‭ ‬مراجعة‭ ‬المصحف،‭ ‬وأن‭ ‬تعيينه‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬اللجنة‭ ‬تم‭ – ‬فقط‭ – ‬لكونه‭ ‬مدير‭ ‬إذاعة‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم؛‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬علماء،‭ ‬وفقهاء‭ ‬ليبيا‭.‬

■‭  كيف‭ ‬يرد‭ ‬اسم‭ ‬الشيخ‭ ‬أبوبكر‭ ‬ساسي‭ ‬المغربي‭ ‬في‭ ‬لجنة‭ ‬المراجعة،‭ ‬وهو‭ ‬خطاط‭ ‬المصحف‭ ‬فقط؟‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬الشيخ‭ ‬أبو‭ ‬بكر‭ ‬ساسي‭ ‬المغربي‭ ‬كان‭ ‬حافظًا،‭ ‬وذا‭ ‬صوت‭ ‬حسن،‭ ‬ورئيس‭ ‬وحدة‭ ‬القراء‭ ‬في‭ ‬إذاعة‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1966م،‭ ‬وفي‭ ‬طفولته‭ ‬أكمل‭ ‬القلم‭ ‬الأول‭ ‬بحفظه‭ ‬القرآن‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬الشيخ‭ ‬مختار‭ ‬حورية،‭ ‬ثم‭ ‬القلم‭ ‬الثاني‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬الشيخ‭ ‬مختار‭ ‬القنّور،‭ ‬وكان‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬الثالثة‭ ‬عشرة،‭ ‬بل‭ ‬وسعى‭ ‬حتى‭ ‬تعلم‭ ‬التجويد‭ ‬على‭ ‬الشيخ‭ ‬حسن‭ ‬شاهين‭.‬

■‭ ‬أيضًا‭ ‬ظن‭ ‬بعض‭ ‬النَّاس‭ ‬أن‭ ‬الشيخ‭ ‬رجب‭ ‬أبوبكر‭ ‬ساسي‭ ‬ابن‭ ‬الخطاط‭ ‬أبو‭ ‬بكر‭ ‬ساسي‭ ‬المغربي،‭ ‬بينما‭ ‬هما‭ ‬لا‭ ‬يمتّان‭ ‬لبعضهما‭ ‬بأية‭ ‬صلة‭ ‬قرابة‭. ‬

جعل‭ ‬الله‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬الجليل‭ ‬في‭ ‬موازين‭ ‬حسنات‭ ‬شيوخنا،‭ ‬وكل‭ ‬من‭ ‬ساهم‭ ‬ويساهم‭ ‬في‭ ‬نشره،‭ ‬رحم‭ ‬الله‭ ‬من‭ ‬رحل‭ ‬منهم،‭ ‬وأطال‭ ‬الله‭ ‬بأعمار‭ ‬الأحياء‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى