
تظل قضية «سرطان الثدي» في بلادنا معركة لا تقتصر على الجسد المنهك فحسب، بل تمتد لتطال منظومة صحية تتمثل في نقص في الأدوية الأساسية، وغياب المسوحات الشاملة التي تجعل من «الاكتشاف المبكر» مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي لا واقعًا علاجيًا ملموسًا. في وقت تضيق فيه الخيارات أمام المريض بين قوائم انتظار حكومية لا تنتهي وتكاليف قطاع خاص باهظة، أين دور وزارة الصحة ومسؤوليتها المباشرة في توفير الكيماوي المفقود وضمان حق النجاة قبل أن يتحوَّل الورم من كتلة صامتة إلى فاجعة؟. «فبراير» كان لها حوارٌ مع د.سميرة فتحي البيري . لتحدثنا عن مخاطر هذا المرض.
ماذا عن الاكتشاف المبكر لسرطان الثدي؟
علميًا، الاكتشاف المبكر يرفع نسب الشفاء إلى 99 % ويحمي المرأة من بتر الثدي ومن جحيم الكيماوي. لكن الواقع مرير؛ فنحن نناشد المسؤولين ليل نهار لتوفير أجهزة الإشعاع المعطلة، أو المعدومة. الاكتشاف المبكر لا قيمة له إذا لم تتبعه منظومة علاجية متكاملة، وما يحدث الآن هو دفع المريض نحو القطاع الخاص الباهظ، أو الموت ببطء.
عندما يغيب الكيماوي وتتعطل أجهزة الإشعاع هل نععد وزارة الصحة شريكًا؟
المسؤولية هنا تكليف لا تشريف، وحق المواطن في العلاج المجاني هو قضية أمن مجتمعي. الكارثة أن المريض يضطر لشراء الكيماوي بأسعار فلكية، أو يواجه شروطاً مضنية للعلاج بالخارج. عندما ينقطع الدواء، نحن لا نفقد وقتاً فقط، نحن نفقد أرواحاً كان يمكن إنقاذها.
لماذا تفشل السيدات في التمييز بين الورم الحميد، والخبيث حتى يقع الفأس في الرأس؟
السرطان خبيث لأنه صامت. الأورام الحميدة غالباً ما تكون مطاطية ومرنة، أما السرطان فهو كتلة صلبة، ثابتة، وغير منتظمة. إذا تغير جلد الثدي إلى ملمس «قشرة البرتقالة»، أو انقلبتْ الحلمة وظهرت إفرازات دموية، فنحن أمام فاجعة حقيقية تتطلب جراحة فورية، وتجريفًا للإبط.
هيئة مكافحة الأورام المستحدثة.. هل هي مجرد هيكل إداري زاد من تعقيد الأزمة بدلاً من حلها؟
العجز الآن أوضح من أي وقت مضى. بدلاً من تفريخ هيئات ومسميات جديدة، كان الأجدى وضع خطة تضمن عدم انقطاع الدواء.
الواقع يقول إنَّ الإمدادات غير مستمرة والأسعار في تصاعد، والمريض لا تهمه المسميات الإدارية بقدر ما يهمه توفر جرعة الكيماوي في موعدها.
لماذا يتم استيراد حياة الليبيين باستيراد أدوية من شركات مشبوهة، أو ضعيفة المستوى؟
نعم، هناك تعامل مع شركات دون المستوى. مريض السرطان لا يحتمل التجربة، أو المجازفة بأدوية ضعيفة المصدر. المواطن الليبي يستحق أجود أنواع العلاج من شركات عالمية لضمان الشفاء.
ماذا عن العامل الوراثي ؟
العامل الوراثي حاسم ومدمر.
يجب على كل سيدة لديها تاريخ عائلي إصابة أقارب من الدرجة الأولى، أو سرطان مبيض، أو حتى إصابة رجال العائلة أن تبدأ الفحص قبل 5 سنوات من السن الذي أصيبت فيه قريبتهن. الانتظار في هذه الحالات هو انتحار طبي.
الخاتمة ..
في ختام هذا الحوار مع الدكتورة سميرة البيري، نجد أنفسنا أمام حقيقة صادمة تتجاوز حدود الطب؛ فمعركة السرطان في بلادنا لم تعد مجرد صراع بيولوجي مجهد بين الخلايا والمناعة، بل تحولت إلى انعكاس صارخ لغياب الإرادة السياسية وتخبط الرؤية الإدارية؛ حيث أثبتت النقاشات أن الشعارات الرنانة حول «الاكتشاف المبكر» ستظل صدىً باهتاً في ممرات المستشفيات الخالية ما لم تترجم إلى واقع ملموس يرتكز على بنية تحتية فعالة تضمن عمل الأجهزة الإشعاعية بكفاءة مستمرة، وأمن دوائي مستدام يوفر جرعات الكيماوي بكرامة تحفظ للمواطن إنسانيته بعيداً عن ذل الانتظار، أو السوق السوداء، مع ضرورة فرض قبضة رقابية حديدية لتطهير الأسواق من الأدوية المشبوهة التي تتاجر بآلام البسطاء؛ لقد وضعت الدكتورة البيري النقاط على الحروف بشجاعة مؤكدة أنه إذا كان المرض قدراً طبياً لا رادّ له، فإن الموت الناتج عن نقص الإمكانات أو شبهات فساد التوريدات هو جريمة مكتملة الأركان في حق الشعب، وإن الاستمرار في تهميش هذا القطاع لا يعد تقصيراً إدارياً فحسب، بل هو طعنة في جوهر العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، ليبقي السؤال معلقاً في أروقة صنع القرار بانتظار إجابة تتجاوز الوعود: متى سيتحوَّل «حق النجاة» للمواطن الليبي من حلم بعيد المنال إلى أولوية وطنية قصوى تعلو فوق كل الحسابات السياسية والتقاسمات المالية؟. إن دماء المرضى، وآهات ذويهم هي الأمانة التي وضعتها د.البيري اليوم أمام ضمير المسؤول، فهل من مجيب؟!.


