
في زمن لم يعد فيه الوصول إلى الآخرين يحتاج أكثر من ضغطة زر، يتنامى شعور غريب بين كثير من المجتمعات ؛ شعور بالوحدة رغم كثرة المحيطين بهم. فبينما تعج الهواتف الذكية بالإشعارات وتمتلئ منصات التواصل بالصور والتعليقات والتفاعلات اليومية، تتراجع في المقابل مساحة التواصل الإنساني الحقيقي، ويصبح الإنسان أكثر قرباً من شاشة هاتفه من أقرب الناس إليه.
هذه الظاهرة التي باتت تُعرف بـ)العزلة وسط الزحام( لم تعد مقتصرة على فئة عمرية معينة، بل أصبحت حالة اجتماعية يلاحظها الآباء والأمهات والشباب على حد سواء، الأمر الذي يثير تساؤلات حول طبيعة العلاقات الاجتماعية في المجتمع الليبي ومدى تأثير التكنولوجيا على الروابط الأسرية والإنسانية.
بين الواقع والافتراض.. ماذا يقول الشارع الليبي؟
ترى فاطمة الغرياني، وهي أم لثلاثة أطفال، أن وسائل التواصل الاجتماعي ساعدتها في البداية على البقاء على اتصال بالأصدقاء والأقارب البعيدين، لكنها مع مرور الوقت لاحظت تغيراً واضحاً في طبيعة العلاقات.
وتقول: «أصبح التواصل أسهل من أي وقت مضى، لكن العلاقات فقدت شيئاً من دفئها. الرسائل والمحادثات لا يمكن أن تعوض جلسة عائلية أو زيارة تجمع الأحبة حول حديث واحد.»
أما سالم التركي، وهو موظف وأب لعدد من الأبناء، فيشير إلى أن الهواتف الذكية أصبحت حاضرة في كل تفاصيل الحياة اليومية، حتى داخل الأسرة الواحدة.
ويضيف: نجلس جميعاً في غرفة واحدة، لكن كل شخص يعيش في عالم مختلف. لم تعد الأحاديث العائلية كما كانت، وأصبحت الشاشات تستحوذ على معظم الوقت الذي كان مخصصاً للتواصل بين أفراد الأسرة.
ومن جانبها، ترى الطالبة الجامعية مريم المصري أن وسائل التواصل الاجتماعي خلقت ضغوطاً نفسية جديدة لدى الشباب، خاصة مع المقارنات المستمرة التي تفرضها الحياة الرقمية.
وتقول: نشاهد يومياً صور النجاح والسفر والرفاهية، فيشعر البعض أن حياته أقل قيمة من الآخرين. أحياناً يكون الإنسان وسط أهله وأصدقائه لكنه يشعر بأنه غير مفهوم أو غير مسموع.»
وتضيف أن الوحدة لم تعد تعني غياب الناس، بل غياب الشعور الحقيقي بالقرب منهم.
المختصون: المشكلة ليست في التكنولوجيا بل في طريقة استخدامها
تؤكد د. سامية الورفلي، أختصاصية علم الاجتماع، أن المجتمع الليبي عرف تاريخياً بقوة العلاقات الاجتماعية والترابط الأسري، إلا أن أنماط التواصل الحديثة فرضت واقعاً مختلفاً.
وتوضح أن المشكلة لا تكمن في وجود وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما في اعتمادها كبديل عن التواصل المباشر.
وتقول: نحن لا نفقد التواصل، بل نفقد نوعيته. اللقاءات المباشرة والزيارات العائلية كانت تصنع روابط اجتماعية عميقة يصعب أن توفرها الرسائل الإلكترونية أو التفاعلات السريعة على المنصات الرقمية.»
وترى الورفلي أن انشغال الأفراد بالهواتف والأجهزة الذكية أدى إلى تراجع الاهتمام بالحوار الأسري، الأمر الذي ساهم في اتساع دائرة العزلة داخل كثير من البيوت.
من جهته، يوضح الأختصاصي النفسي أيمن القماطي أن الوحدة النفسية تختلف عن العزلة الجسدية، فالفرد قد يكون محاطاً بعشرات الأشخاص لكنه يفتقد الشعور بالارتباط العاطفي الحقيقي.
ويقول: الإنسان يحتاج إلى التفاعل المباشر وإلى الشعور بالاهتمام والاستماع إليه. وسائل التواصل تمنح إحساساً سريعاً بالاتصال، لكنها لا تستطيع دائماً تلبية الاحتياجات النفسية العميقة.»
ويشير إلى أن الإفراط في استخدام المنصات الرقمية قد يؤدي إلى ارتفاع مستويات القلق والتوتر والشعور بالفراغ النفسي، خاصة لدى فئة الشباب.
أما الأخصائية الاجتماعية نجلاء بن غشير فتؤكد أن التكنولوجيا ليست عدواً للعلاقات الاجتماعية، بل وسيلة يمكن أن تكون إيجابية أو سلبية بحسب طريقة استخدامها.
وتضيف: وسائل التواصل قربت المسافات بين المدن والدول، لكنها لا ينبغي أن تحل محل العلاقات الواقعية. المشكلة تبدأ عندما يصبح العالم الافتراضي بديلاً دائماً عن الحياة الاجتماعية الحقيقية.
هل قربتنا التكنولوجيا أم أبعدتنا؟
يكشف هذا الاستطلاع أن الإجابة ليست بسيطة أو قاطعة. فالتكنولوجيا نجحت في تقريب المسافات الجغرافية، وسهلت الوصول إلى المعلومات والأشخاص، ووفرت فرصاً جديدة للتواصل والتعلم والعمل.
لكن في المقابل، تسببت في تراجع بعض أشكال التواصل الإنساني المباشر، وقللت من فرص الحوار العائلي، وزادت من المقارنات الاجتماعية التي تؤثر على الصحة النفسية للأفراد.
وبين الفوائد والتحديات، يبقى العامل الحاسم هو قدرة الإنسان على تحقيق التوازن بين العالم الرقمي والعالم الواقعي، بحيث تكون التكنولوجيا وسيلة للتقارب لا سبباً في صناعة المزيد من المسافات.
خاتمة…
في مجتمع عُرفَ باللمة والزيارات وصلة الرحم، تبدو الوحدة اليوم أكثر تعقيداً من مجرد غياب الأشخاص. إنها شعور يتسلل إلى النفوس رغم الازدحام، ويكبر أحياناً خلف شاشات مضيئة تخفي فراغاً إنسانياً لا تملؤه الإعجابات ولا التعليقات.
لقد قرّبت التكنولوجيا المدن والبلدان، لكنها في بعض الأحيان أبعدت القلوب عن بعضها. وبين آلاف الرسائل اليومية، ما زال الإنسان يبحث عن حديث صادق، ووجه مألوف، ووقت حقيقي يمنحه شعوراً بأنه حاضر في حياة الآخرين لا مجرد اسم يظهر على الشاشة.
فهل نعيد للتواصل الإنساني مكانته قبل أن تتحول العلاقات إلى مجرد إشعارات عابرة؟ ذلك هو السؤال الذي يفرض نفسه اليوم على مجتمع يعيش أكثر لحظاته اتصالاً. وأكثرها وحدة في الوقت ذاته.


