بمشاركة المركزي المؤتمر العربي في نسخته الخامسة يناقش تحديات البنوك وآفاق الذكاء المالي

استضافت طرابلس خلال الفترة من 7 إلى 9 سبتمبر 2026، المؤتمر العربي الخامس للادخار والثقافة المالية تحت شعار «الذكاء المالي في عصر التحولات» بمشاركة مصرف ليبيا المركزي ومؤسسات مالية ومصرفية محلية وإقليمية ودولية إلى جانب خبراء وأكاديميين وبنوك مركزية عربية. وطرح المؤتمر جملة من الملفات المرتبطة بتحديث القطاع المالي والمصرفي من الشمول المالي والدفع الإلكتروني والتحويلات الفورية إلى الربط المالي عبر منصة «بنى» ونظام CIPS والأمن السيبراني والنقود الرقمية ومشروع «راتبك لحظي».
وفي كلمة استهلالية تحدث ناجي عيسى محافظ مصرف ليبيا المركزي عن مستقبل مالي عربي أكثر وعيًا وابتكارًا وعن دور ليبيا في هذه التحولات. لكن بين ما يُطرح في المؤتمرات وما يعيشه المواطن يوميًا تظل هناك مساحة تستحق الفحص: هل تحولت هذه المبادرات إلى خدمات مصرفية أكثر سهولة واستقرارًا وأمانًا؟ وما الذي تغيّر فعلًا في حياة المواطن ورواد الأعمال؟ يحاول هذا التحقيق تتبع هذه المسافة من خلال شهادات ومسؤولين ومختصين للوقوف على ما تحقق في الخدمات المصرفية الرقمية والشمول المالي وما يوجهه المستخدم من تحديات .
تجارب القطاع المالي
تناولت الجلسة الأولى في المؤتمر تجارب القطاع المالي ومواكبة استخدامات الذكاء الاصطناعي حيث أوضح الدكتور /رضوان الهادي المدني الخبير الاقتصادي ومؤسس مبادرة الانتقال الآمن نحو دولة مستقرة أن الذكاء الاصطناعي يمثل أداة مساعدة وتنظيمية مهمة لرواد الأعمال لكنه لا يمكن أن يحل محل العقل البشري في اتخاذ القرار. وأضاف أن دقة مخرجاته ترتبط بجودة المعلومات والبيانات التي يتم إدخالها إليه , لذلك تبقى مسؤولية التحقق من النتائج وتقييمها قبل اعتمادها من مسؤولية المستخدم.
وفي ما يتعلق بحماية حسابات العملاء والبيانات شدد «المدني» على أهمية الاعتماد على التطبيقات الآمنة والمصادر الموثوقة واستخدام كلمات مرور قوية وبرامج للحماية من الفيروسات إلى جانب تأمين وسائل الاتصال وتبادل البيانات. وأشار إلى أن حماية البيانات مسؤولية مشتركة بين المستخدم ومزود الخدمة فالمستخدم مطالب باتباع إجراءات الأمان بينما يتحمل مزود الخدمة مسؤولية توفير أنظمة موثوقة وحماية بيانات العملاء. وأكد أهمية رفع مستوى الوعي بالمخاطر الرقمية من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والرسائل النصية والمنشورات التوعوية بما يساعد المستخدمين وأصحاب المشاريع على اتخاذ الاحتياطات المناسبة.
أداة عملية للتحليل
ومن جانبه أوضح سالم المصراتي موظف بالمصرف المركزي إن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة عملية يمكن للمشاريع الاستفادة منها في تحليل البيانات وتسريع إنجاز بعض المهام وتحسين الخدمات والتواصل مع العملاء بما قد يساعد أصحاب المشاريع على توفير الوقت والموارد واتخاذ قرارات أكثر استنادًا إلى المعلومات.
وتابع : هذه الأدوات رغم فوائدها لا تعكس بصورة كاملة واقع النشاط التجاري لذلك يجب أن تبقى مخرجاتها محل مراجعة وتقييم من جانب الإنسان خصوصًا عند اتخاذ القرارات التي ترتبط بالاستثمار وإدارة المخاطر. وأشار إلى أن توسع المشاريع في استخدام التقنيات الرقمية يجعل حماية البيانات ولا سيما البيانات المالية وبيانات العملاء أولوية أساسية موضحًا أن المصارف لديها إدارات متخصصة في أمن المعلومات تعمل على حماية البيانات وتعزيز أمن الأنظمة المصرفية وحذر « المصراتي» من مخاطر التطور السريع للذكاء الاصطناعي داعيًا إلى استخدامه بوعي ومسؤولية.
ويرى الدكتور أحمد سويسي عميد كلية الاقتصاد جامعة سبها إن بناء جيل من رواد الأعمال يتطلب توعية الشباب وتشجيعهم على خوض التجارب الاستثمارية مبكرًا مع تزويدهم بالمعارف الأساسية التي تساعدهم على فهم المخاطر والتعامل معها خاصة في ظل طبيعة الاقتصاد وما يحيط به من غموض وصعوبة في التنبؤ بالنتائج. مضيفا أن تحويل هذه التوعية إلى نتائج ملموسة يتطلب الانتقال من المعرفة النظرية إلى التطبيق العملي داعيًا الشباب إلى المبادرة وعدم انتظار الظروف المثالية والبدء في استثمار أفكارهم وإمكاناتهم مع التعلم من التجربة والتعامل الواعي مع المخاطر
ومن أجل توفير فرص متكافئة أمام الشباب يوصي «سويسي» بأهمية وضع معايير واضحة ودقيقة للتدريب تتيح اختيار أصحاب الكفاءة والقدرة على تطوير الأفكار وتحويلها إلى مشاريع قابلة للتنفيذ. و أشار إلى أن نشر ثقافة الادخار وحده لا يكفي لصناعة رواد الأعمال داعيًا إلى توفير بيئة عملية من خلال ورش العمل والمسابقات الريادية وتشجيع المشاريع الصغيرة الناجحة وتعميم تجاربها بما يحفز الشباب على تحويل أفكارهم إلى مشاريع حقيقية والمساهمة في خلق فرص اقتصادية جديدة.
مواجهة الاحتيال الرقمي
بحثت الجلسة الثانية تحت عنوان الوعي المالي في مواجهة الاحتيال الرقمي , وعلى هامشها قالت المهندسة عبير محمد ابوزقية خبيرة التحول الرقمي والأمن السيبراني – إن النقاش المتزايد حول الحوادث والتهديدات السيبرانية المحتملة التي قد تطال بعض المؤسسات والقطاعات الحيوية في ليبيا يبرز أهمية مواصلة تطوير الجاهزية الرقمية وتعزيز أساليب حماية الأنظمة والشبكات.
وأوضحت أبوزقية أن تعزيز الأمن السيبراني لا يعتمد فقط على اقتناء التقنيات الحديثة وإنما يشمل أيضاً تطوير تصميم الشبكات وتنظيم الصلاحيات وحماية البيانات والنسخ الاحتياطية إلى جانب تدريب الكوادر واختبار خطط الاستجابة والتعافي بصورة دورية.
وفي ذات السياق أشار محمد الرتيمي عضو لجنة تنظيم في المؤتمر – إلى أهمية الأمن السيبراني في حماية المعلومات والأنظمة المصرفية موضحًا أن أمن هذه الأنظمة يرتبط باستمرارية الخدمات المصرفية وحماية بيانات العملاء والمعاملات خصوصًا مع الاعتماد المتزايد على المنصات الإلكترونية. وأوضح الرتيمي أن مصرف ليبيا المركزي يتيح للمواطنين الحصول على حصصهم من العملة الأجنبية عبر المصارف التجارية وفق الإجراءات المعتمدة فيما تساهم المنصة التابعة للمصرف في تنظيم المعاملات وتيسير الإجراءات. وأشار إلى أن كفاءة الخدمات المصرفية لا ترتبط بالإجراءات والأنظمة الإلكترونية وحدها، وإنما تتأثر كذلك بالظروف الاقتصادية المحيطة التي تشكل بدورها جزءًا من التحديات التي تواجه القطاع المصرفي والمستفيدين من خدماته.
نشر الثقافة المالية
بدوره أفادنا الدكتور/ محمد أحمد الأسود خبير سياسات ريادة الأعمال والابتكار- إن مصرف ليبيا المركزي يعمل على برنامج يستهدف نشر الثقافة المالية لدى رواد الأعمال وأصحاب المشروعات الصغرى والمتوسطة ضمن استراتيجية ومنصة وبرامج تدريبية في هذا المجال. وذكر « الأسود » أن محافظ مصرف ليبيا المركزي أعلن عن مبادرة لتدريب 100 متخصص من القطاع المصرفي في هذا المجال. وفي سياق حديثه عن المبادرة ذكر أن تدريب الكوادر المصرفية قد يسهم في تحسين التعامل مع احتياجات رواد الأعمال والمشروعات الصغرى والمتوسطة خصوصًا في ما يتعلق بالتعريف بالخدمات المالية ومتطلبات التعامل المصرفي وهي جوانب قد تمثل تحديات لبعض أصحاب هذه المشروعات وتبقى الأسئلة مطروحة عن كم نُفذ من هذه المبادرات فعليًا وهل يمكن قياس أثرها على وصول رواد الأعمال والمشروعات الصغرى والمتوسطة إلى التمويل والخدمات المالية؟
وقالت د./ راضية عبدالعزيز الرجباني مديرة إدارة مكاتب المجلس القومي للمرأة الليبية إن المشاركة في المؤتمر العربي للادخار والثقافة المالية تهدف إلى تعزيز التمكين المالي للمرأة والتعريف بالأدوات والخدمات المالية التي تساعدها على تطوير مشروعاتها. مشيرة إلى أن الاهتمام بالثقافة المالية يرتبط بالتحول الرقمي وتطور الخدمات المالية إلى جانب البحث عن أدوات وبدائل تساعد على التعامل مع تحديات السيولة مشيرة إلى أهمية رفع الوعي بالمفاهيم المالية لدى المواطنين، وكذلك ضرورة دعم المشروعات الصغرى والمتوسطة وتشجيع الاستثمار وتنويع مصادر الدخل إلى جانب تنفيذ مبادرات تدريبية في مجالات الاستثمار والخدمات المالية .
توصيات على تحديث التشريعات
المؤتمر خلص في ختام جلساته إلى جملة من التوصيات منها إعداد استراتيجية وطنية للثقافة المالية والشمول المالي وإدماج مفاهيم الادخار والاستثمار وريادة الأعمال في التعليم والتدريب إلى جانب توسيع الوصول إلى الخدمات والمنتجات المالية خاصة للمرأة والشباب والمشروعات الصغرى والمتوسطة , وفي الجانب الرقمي تضمنت تطوير الهوية الرقمية والمدفوعات الرقمية وربط أنظمة الدفع بما يسهل المعاملات ويقلل الاعتماد على النقد ،كما تضمنت التوصيات ضرورة تحديث التشريعات المنظمة للتكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي وتعزيز حماية البيانات والحد من الاحتيال المالي أما في مجال دعم الابتكار فركزت على مساندة شركات التكنولوجيا المالية والمشروعات الناشئة والصغرى والمتوسطة بالتمويل والتدريب إلى جانب إعداد خارطة طريق لاستخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع المالي مع ضمان الشفافية والمساءلة في القرارات المهمة وتناولت كذلك دراسة الجدوى الاقتصادية والتشريعية والتقنية لإصدار عملة رقمية من مصرف ليبيا المركزي وتنظيم التعامل مع الأصول المشفرة إلى جانب إجراء مسوح دورية لقياس مستويات الثقافة المالية والشمول المالي والصحة المالية.

