
أقرأ للبسطاء الذين يسكبون أوجاعهم في كؤوس اللغة.. قد يخطئون في النحو والإملاء لكنهم أبدا لا يلوون أذرع الكلام صوب المعاني الجاهزة.. أقرأ للمهمومين وهم ينشرون آلامهم على حبال الكنايات يبتكرون الصور الآسرة ويجسدونها نجوما جديدة على قبة السماء.. أقرأ للنقية دروبهم من شبهة الرياء المخلصين في محاورة الأنا تدفعهم ثورة العاطفة فيقولون كوامنهم كما هي.. أقرأ للهامسين بود.. المتحررين من غواية الجعجعة.. المنسابين كجداول رقراقه في عطش الروح.. أقرأ للمتوجسين وهم يلظمون لؤلؤهم في عقد الكلام.. الناجين من كذبة اليقين الخالص.. البالغين بتواضعهم الجم ذروة البيان.
في بلد تتقاتل فيه المدن.. من الغباء أن تسألني: من أي مدينة أنت؟ في بلد تكفر فيه المذاهب بعضها البعض.. لا تسألني بما تعتقد؟ في زمن الغلاء الفاحش.. اسألني كيف تدبّر رغيفك بمعاشك التقاعدي الزهيد؟ اسألني أي الأغاني ما زال يرتعش لها القلب؟ وأي الأصدقاء ظل وفيًا على العهد؟ وأي القصائد تنتشلك من قاع الرتابة؟ اسألني عن الأفق الذي كان في متناول البصر.. كيف يبدو الآن بعيدًا؟ عن الوقت الذي أقضيه متقلبًا على فراش الأرق.. عن الخُطى المتلعثمة في الطوابير الطويلة.. والآذان التي تصمّ عن سيول الشتائم.. اسألني عن الوطن المغتال؟ والوقت المهدور.. عن المدارس المقفلة.. والشوارع المكتظة بالمراهقين.. عن المسارح المقفلة.. والنوادي وهي تطرح الشغب على تخوم ملاعبها.. اسألني عن هذه البقية الباقية من عمر واكب كل هذا النكد.. ولم يزل يأمل في غد أفضل.

