مرايا

عائشة‭ ‬عبد‭ ‬الله‭..‬ثمانيةأيام بلا أم 

فايزة‭ ‬صالح

‭)‬يا‭ ‬ماما‭ ‬علاش‭ ‬بعدتي‭ ‬علينا؟‭ ‬حسّينا‭ ‬بفراق‭ ‬بونا‭ ‬واليوم‭ ‬حسّينا‭ ‬بفراقك‭ ‬إنتِ‭ ‬هلبة‭(.. ‬كلمات‭ ‬تختصر‭ ‬وجع‭ ‬خمسة‭ ‬أطفال‭ ‬أيتام‭ ‬وجدوا‭ ‬أنفسهم‭ ‬بعيدين‭ ‬عن‭ ‬أمهم‭ ‬ثمانية‭ ‬أيام‭ ‬بينما‭ ‬كانتْ‭ ‬هي‭ ‬تقبع‭ ‬رهن‭ ‬التوقيف‭ ‬وفق‭ ‬روايتها‭ ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬قضية‭ ‬وفاة‭ ‬مريض‭ ‬داخل‭ ‬مركز‭ ‬صحي‭.‬

خلف‭ ‬القضية‭ ‬حكاية‭ ‬الممرضة‭ ‬عائشة‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬العجيلي‭ ‬التي‭ ‬تقول‭ ‬إنها‭ ‬أمضت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬35‭ ‬عامًا‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬المرضى‮ ‬‭ ‬لتجد‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬تجربة‭ ‬قاسية‭ ‬لم‭ ‬تبعدها‭ ‬عن‭ ‬مهنتها‭ ‬فحسب‭ ‬بل‭ ‬حرمتها‭ ‬مؤقتًا‭ ‬من‭ ‬احتضان‭ ‬أبنائها‭ ‬الذين‭ ‬فقدوا‭ ‬والدهم،‭ ‬وكانتْ‭ ‬أمهم‭ ‬سندهم‭ ‬الوحيد‭.‬

من‭ ‬الواجب‭ ‬إلى‭ ‬التحقيق

تروي‭ ‬عائشة‭ ‬أن‭ ‬صباح‭ ‬27‭ ‬أغسطس‭ ‬شهد‭ ‬وصول‭ ‬رجل‭ ‬عربي‮ ‬‭ ‬الجنسية‭ ‬إلى‭ ‬مستوصف‭ ‬المشروع‭ ‬الزراعي‭ ‬بعدما‭ ‬عَثَرَ‭ ‬عليه‭ ‬أحد‭ ‬المواطنين‭ ‬ملقى‭ ‬في‭ ‬الطريق‭. ‬وبحسب‭ ‬روايتها‭ ‬أبلغهم‭ ‬المواطن‭ ‬بأن‭ ‬الرجل‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬الصرع،‭ ‬فباشر‭ ‬طاقم‭ ‬التمريض‭ ‬إسعافه‭ ‬وقياس‭ ‬ضغطه‭ ‬ونبضه‭.‬

وتقول‭ ‬إن‭ ‬حالته‭ ‬كانتْ‭ ‬حرجة‭ ‬وتحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تجهيزات‭ ‬إنعاش‭ ‬وأكسجين‭ ‬غير‭ ‬متوفرة‭ ‬بالمستوصف،‭ ‬وإن‭ ‬العاملين‭ ‬اتصلوا‭ ‬بالإسعاف‭ ‬والجهات‭ ‬الصحية‭ ‬لطلب‭ ‬نقله‭ ‬إلى‭ ‬المستشفى‭ ‬لكن‭ ‬الاستجابة‭ ‬تأخرتْ‭ ‬وفق‭ ‬روايتها‭.‬

وتضيف‭ ‬أن‭ ‬مدير‭ ‬المركز‭ ‬حاول‭ ‬نقله‭ ‬بسيارته‭ ‬الخاصة‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬المريض‭ ‬فارق‭ ‬الحياة‭ ‬قبل‭ ‬وصوله‭ ‬إلى‭ ‬المستشفى‭.‬

وبعد‭ ‬أيام،‭ ‬استُدعيتْ‭ ‬عائشة‭ ‬إلى‭ ‬النيابة‭ ‬العامة‭ ‬ثم‭ ‬أُبلغتْ‭ ‬بتوقيفها‭ ‬عقب‭ ‬التحقيق‭ ‬لتبدأ‭ ‬ثمانية‭ ‬أيام‭ ‬تصفها‭ ‬بأنها‭ ‬من‭ ‬أصعب‭ ‬مراحل‭ ‬حياتها‭.‬

وجع‭ ‬الأم

تضيف‭ ‬عائشة‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تتخلَّ‭ ‬يومًا‭ ‬عن‭ ‬مريض‭ ‬احتاج‭ ‬إلى‭ ‬المساعدة‭ ‬حتى‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬الحرب‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ ‬تفتح‭ ‬المستوصف‭ ‬وتتنقل‭ ‬بسيارتها‭ ‬الخاصة‭ ‬إلى‭ ‬المرضى‭. ‬لكنها‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬مَنْ‭ ‬يحتاجون‭ ‬إليها‭: ‬أبناؤها‭ ‬الخمسة‭.‬

وتستعيد‭ ‬لحظة‭ ‬عودتها‭ ‬إليهم‭ ‬بمرارة،‭ ‬قائلة‭ ‬إنهم‭ ‬استقبلوها‭ ‬بالدموع‭ ‬والفرح،‭ ‬وإن‭ ‬حزنهم‭ ‬على‭ ‬غيابها‭ ‬كان‭ ‬مضاعفًا‭ ‬بعد‭ ‬فقدان‭ ‬والدهم‭. ‬وتقول‭: ‬‭)‬أنا‭ ‬أم‭ ‬لخمسة‭ ‬صغار‭ ‬يتامى‭ ‬ودمعة‭ ‬اليتيم‭ ‬ربي‭ ‬يعلم‭ ‬بيها‭(.‬

بالنسبة‭ ‬إليها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الأيام‭ ‬الثمانية‭ ‬مجرد‭ ‬توقيف‭ ‬بل‭ ‬غيابًا‭ ‬عن‭ ‬أطفال‭ ‬لم‭ ‬يعتادوا‭ ‬الابتعاد‭ ‬عنها‭ ‬ووجعًا‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬الأم‭ ‬وصفه‭ ‬بسهولة‭.‬

أسئلة‭ ‬تنتظر‭ ‬الإجابة

تفتح‭ ‬الواقعة‭ ‬أسئلة‭ ‬تتجاوز‭ ‬حكاية‭ ‬عائشة‭ ‬هل‭ ‬كانت‭ ‬الإمكانات‭ ‬الطبية‭ ‬المتاحة‭ ‬كافية‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬الحالة؟‭. ‬وما‭ ‬ظروف‭ ‬تأخر‭ ‬الإسعاف؟‭ ‬وكيف‭ ‬تُحدَّد‭ ‬المسؤوليات‭ ‬في‭ ‬واقعة‭ ‬كهذه،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬حق‭ ‬المريض‭ ‬في‭ ‬الرعاية‭ ‬وحق‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬عادل؟

تؤكد‭ ‬عائشة‭ ‬براءتها،‭ ‬وتقول‭ ‬إنها‭ ‬أدت‭ ‬واجبها‭ ‬بما‭ ‬توفر‭ ‬لديها‭ ‬من‭ ‬إمكانات‭. ‬وبين‭ ‬روايتها‭ ‬وما‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكشفه‭ ‬التحقيق،‭ ‬تبقى‭ ‬الحقيقة‭ ‬مسؤولية‭ ‬الجهات‭ ‬المختصة‭.‬

أما‭ ‬أبناؤها،‭ ‬فقد‭ ‬عاشوا‭ ‬ثمانية‭ ‬أيام‭ ‬من‭ ‬الغياب‭ ‬لتبقى‭ ‬حكايتهم‭ ‬تذكيرًا‭ ‬بأن‭ ‬وراء‭ ‬كل‭ ‬قضية‭ ‬أسرةً‭ ‬تتأثر‭ ‬بما‭ ‬يجري‭ ‬وأطفالًا‭ ‬قد‭ ‬يدفعون‭ ‬ثمن‭ ‬المحن‭ ‬بصمت‭.‬

فالعدالة‭ ‬لا‭ ‬تكتمل‭ ‬إلا‭ ‬بكشف‭ ‬الحقيقة‭ ‬ومراعاة‭ ‬حقوق‭ ‬الجميع‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى