
تتجسد أمام محطات الوقود في مناطق الجنوب الليبي مشاهد تراجيدية تتكرر يومياً، حيث تصطف مركبات المواطنين في طوابير طويلة، لا لتحصل على مبتغاها، بل لتقف في انتظار سراب الوقود الذي بات شحّه يهدد شريان الحياة اليومية في المنطقة.. هذه المحطات التي تحولت إلى هياكل صامتة خاوية، أفرزت واقعاً من المعاناة ..
«محمد غيث»، عضو المجلس البلدي «الغريفة» :
قدمت مقترحاً للجهات ذات العلاقة يتلخص في وضع حد لحالة الفوضى الراهنة عبر إلغاء نظام الطوابير المفتوحة الذي ينهك المواطنين، واستبداله بجدولة زمنية صارمة تمنع تواجد السيارات في المحطات طوال الليل، وتعتمد هذه الرؤية على تطبيق نظام البطاقات الملونة التي تُمنح لكل فئة من السيارات، بحيث تُحدد يوماً معيناً في الأسبوع للتعبئة، مما يمنع التداخل ويضمن الرقابة الفاعلة.. كما يسعى المقترح إلى ضبط الطاقة الاستيعابية للتوزيع ضمن سقف يومي يتراوح بين 400 إلى 500 سيارة، مما ينهي التدافع ويضمن وصول الخدمة لمستحقيها، فضلاً عن معالجة التجاوزات المتمثلة في التعبئة المتكررة عبر جعل البطاقة الملونة المعيار الوحيد للعبور.. وبذلك، تصبح البطاقة بمثابة تصريح دوري يبرز في يوم محدد، وهو ما يلغي الحاجة للانتظار الطويل، ويحول المحطة من بؤرة للفوضى إلى مرفق خدمي منظم يلتزم بجدول زمني واضح».
محطات حبيسة الإهمال
ولا تقتصر هذه المعاناة على «الغريفة» وحدها، بل تمتد لتخيم بظلالها الثقيلة على مدينة «سبها» حيث يصف المواطن «محمد أبوعزوم» من سبها واقع المواطنين الذين يقضون ساعات طوال في طوابير الانتظار، قائلاً: «لقد أرهقت هذه الطوابير كاهل المواطن، وفي الوقت الذي يقف فيه الناس لساعات طوال بحثاً عن الوقود، تظل محطات استراتيجية داخل المدينة، ذات سعات تخزينية ضخمة تصل في بعضها إلى 300 ألف لتر، دون استغلال أمثل يحقق المصلحة العامة».
ويضيف «أبوعزوم» مشدداً على ضرورة استنهاض هذه المرافق: «إن وجود محطات حيوية في أحياء مثل عبد الكافي، والمنشية، والناصرية، «5 أكتوبر»، وهي معطلة أو غير مفعلة، يمثل ضياعاً لفرص حقيقية لتخفيف المعاناة، خاصة وأن هذه المواقع كانت في السابق ركيزة أساسية لتغذية المدينة. ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة لتشكيل لجان فنية وقانونية تتولى مراجعة أوضاع هذه المحطات وتقييم عقود تشغيلها، مع ضرورة إعادتها لإدارة الدولة إذا ثبت التقصير في استغلالها؛ فالتشغيل الفعلي لهذه المرافق على مدار الساعة بكامل طاقتها يبقى هو السبيل الجذري والوحيد لإنهاء هذا العناء اليومي وضمان وصول المحروقات بإنصاف إلى كافة أحياء سبها».
أزمة وجود ليست عابرة
وفي هذا السياق، يضيف المواطن «عبد السلام البداوي» بُعداً آخر للأزمة، مؤكداً أن المعاناة تجاوزت حدود البحث عن الوقود لتصبح أزمة وجودية للمواطن الذي أصبح يتعايش مع أعباء الأزمة اليومية. ويشير «البداوي» بمرارة إلى أن ظروف المرضى واحتياجات المدارس تُجبر المواطن على قضاء ليالٍ كاملة في الشوارع بحثاً عن قطرات الوقود، في ظل غياب شبه تام للسوق السوداء نتيجة للضغط الأمني، مما دفع المواطنين المنهكين إلى بيع جزء من مخصصاتهم الضئيلة لتوفير سيولة نقدية لأغراض معيشية أخرى. ويرى «البداوي» أن الأزمة في جوهرها مفتعلة ومدروسة، إذ يتم توجيه الأنظار نحو التهريب في الجنوب لإغفال التهريب الأكبر الحاصل على الساحل، معتبراً أن المشكل الحقيقي هو في عدم توحيد الصف وتفتيت هوية أهل الجنوب.
صرخة حق وعدالة
ومن وادي الشاطئ، تتصاعد أصوات المواطنين لتلتقي مع هذه الرؤى في نبرة واحدة؛ حيث يرى المواطن «محمد الشريف» أن ما يشهده الجنوب هو اختبار للعدالة الوطنية، مؤكداً بقوله: «لقد سئمنا الانتظار تحت حرارة الشمس وسئمنا الوعود التي لا تغير من واقعنا شيئاً، إننا في إقليم فزان لسنا ضد أي منطقة في ليبيا، ولكننا نرفض أن نظل الحلقة الأضعف والآخيرة في قائمة الاهتمام، إن مطالبنا ليست طلباً لمعروف، بل هي نداء للعدالة والإنصاف؛ فنحن لا نتحدث عن مخصصات لمدينة واحدة، بل عن إقليم شاسع يضم آلاف المواطنين الذين يحتاجون للوقود من أجل العلاج، والدراسة، والعمل. لذا، نطالب بتوزيع منصف يراعي عدد السكان والمساحة الجغرافية والاحتياج الفعلي، فالحق في موارد بلادنا ليس مكرمة، بل استحقاق أصيل لكل ليبي».
رحلة علاج محفوفة بالقلق/«علي الورفلي» / سبها:
يروي المواطن «علي الورفلي» من سبها قصة معاناته التي تتجاوز مجرد أزمة وقود، فهي ترتبط بحياة والدته المريضة التي تحتاج للسفر الدوري إلى طرابلس لإجراء فحوصات الأورام. يقول «الورفلي»: «نعيش في حالة استنفار دائم، نضطر لشراء الوقود من السوق السوداء بأسعار باهظة لنكون مستعدين لأي طارئ صحي لوالدتي، وأحياناً نضطر للوقوف في طوابير الانتظار التي تمتد لأكثر من 9 ساعات تحت أشعة الشمس في المحطات العامة».. ويضيف «الورفلي» بمرارة: «نحن نترك مصالحنا وأرزاقنا، ونعيش على أعصابنا بانتظار شحنات لا تملك موعداً ثابتاً للوصول، ورغم وجود بعض الشرفاء داخل المحطات ممن يقدرون ظروفنا الإنسانية ويساعدوننا في التعبئة عند اضطرارنا للسفر للعلاج، إلا أن شبح الطوابير المستمر يظل مصدراً دائماً للقلق والضغط النفسي».
حياة معلقة ونيّة للرحيل «أشرف الحسناوي» / وادي الشاطئ:
من جانبه، يصف «أشرف الحسناوي» من منطقة وادي الشاطئ الوضع بأنه مزر للغاية، مؤكداً أن الأزمة غيرت نمط حياتهم اليومي، حيث أصبح التنسيق مع الأهل والأصدقاء عبر منصات التواصل الاجتماعي لمتابعة حركة الوقود هو الشغل الشاغل للمواطن.. ويقول «الحسناوي»: «أصبحت حياتنا كلها طوابير، وأنا شخصياً أتجنب الوقوف المباشر، أنتظر إشارات من الأصدقاء حول خفة الزحمة لأذهب، وغالباً ما أصل وقد نفد الوقود».. ويختتم «الحسناوي» حديثه بحسرة: «لقد تلاشت فعالية عملنا وتأثر عطاؤنا بسبب الضغوط المتراكمة من انقطاع الكهرباء والمياه، وصولاً إلى غاز الطهو والوقود.. لقد سئمنا هذه المعاناة، حتى بات التفكير في ترك الجنوب والنزوح إلى طرابلس هو الحل الوحيد للهروب من هذا الواقع المرير».
انتظار ما لا يأتي «سالم الخير» / غات:
يصف المواطن «سالم الخير» من مدينة غات حالة الإحباط العام الذي سيطر على الأهالي، قائلاً: «لقد اعتدنا انتظار الشيء الذي لا يأتي، فالمحطات خالية والوعود بالانفراج لا تتجاوز كونها مسكنات مؤقتة».. ويضيف «الخير» بأسى: «الأزمة تدور في حلقة مفرغة؛ يتوفر الوقود والغاز لفترة وجيزة، ثم تعود الأزمة لتشتد ضراوتها من جديد، ولا يملك المواطن في نهاية المطاف سوى الانتظار القسري بلا أمل في حل حقيقي».
حياة معلقة.. هل نحن مواطنون؟ «عبد النبي صالح» / وادي عتبة:
من جانبه، ينقل «عبد النبي صالح» من منطقة «وادي عتبة» جانباً أكثر قسوة وإنسانية من الأزمة، حيث لا يقتصر الأمر على ضياع الوقت، بل يمتد لتهديد حياة الأبرياء. يقول «صالح»: «حياتنا كلها طوابير، ولدينا مرضى يحتاجون للنقل العاجل في أي لحظة. وأحياناً نواجه مواقف مرعبة، مثل إصابة طفل بلسعة عقرب، ولا نجد قطرة بنزين واحدة لننقله للمستشفى».. ويختتم «صالح» تساؤله بمرارة: «إنها مأساة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.. ونشعر وكأننا لسنا ليبيين، وكأننا نتسول حقنا في الوقود من دولتنا التي تتربع على بحيرات من النفط.. إذا كنتم ترون أننا لا نستحق هذه المواطنة، فأخبرونا بذلك بصراحة».
تراكم عدة عوامل
يرى المواطن «إدريس علي» من بلدية «أوباري» أن أزمة الوقود في الجنوب الليبي ناتجة عن تراكم عدة عوامل جوهرية، وفي مقدمتها ضعف الإمدادات.. ويؤكد «إدريس» أن الأزمة تفاقمت نتيجة توقف وصول ناقلات الوقود إلى الموانئ الرئيسية «مصراتة، وطرابلس، وبنغازي» خلال الفترة الماضية، مما انعكس سلباً على كافة المدن الليبية، بما في ذلك مناطق الجنوب.
تغلب تجار السوق السوداء
ويشير «إدريس» إلى الدور السلبي الذي يلعبه تجار الوقود في السوق السوداء، حيث يستحوذون على كميات ضخمة من الوقود عبر الطوابير، ويبيعونها بأسعار باهظة تصل إلى 200 دينار للجالون الواحد، معتبراً أن هؤلاء التجار معروفون للجهات الأمنية.
غياب العدالة في التوزيع
ويوجه «إدريس» انتقاداً للدولة ومديريات الأمن، مشيراً إلى أن نصيب الجنوب من الوقود لا يُعطى الأولوية اللازمة، حيث تذهب القوافل المتوفرة غالباً إلى المناطق القريبة من مراكز التوزيع الرئيسية «كمصراتة» قبل الجنوب.
واقع مزرٍ لأزمات متلاحقة
وأعرب المواطن «صالح محمد التونسي» المهتم بالشأن العام من بلدية الغريفة عن قلقه العميق تجاه الأوضاع الراهنة، وخاصة أزمة الوقود التي أصبحت تتكرر بشكل مستمر، وأشار إلى أن الأزمات المتلاحقة – سواء كانت في قطاع الطاقة أو التخبط في التقسيمات الإدارية للبلديات – أدت إلى استنزاف طموح المواطنين وتشتيت تفكيرهم، مما جعلهم يعيشون في حالة دائمة من القلق والترقب.
تحديات خدمية واجتماعية
وسلط «صالح» الضوء على معاناتهم مع انقطاعات التيار الكهربائي المفاجئة في ظل حرارة الصيف الشديدة، مؤكداً أن تلك الظروف أصبحت لا تطاق، كما تطرق إلى المقترحات المتعلقة بنقل السكان من مناطقهم، معتبراً أن مثل هذه الإجراءات لا تعالج جذور المشكلة، بل تزيد من معاناة الناس وتؤثر على استقرارهم الاجتماعي.
البحث عن حلول جذرية
ختم «صالح» حديثه بالتأكيد على أن محاولات التعبير عن هذه المعاناة عبر الكتابة أو طرح الحلول غالباً ما تقابل بالتجاهل، مشيراً إلى استيائه من استغلال هذه الأزمات من قبل البعض. وشدد على ضرورة وضع حد نهائي لهذه الدوامة، مطالباً بإيجاد حلول جذرية ومستدامة تضمن للمواطن حياة كريمة ومستقرة في كافة أنحاء البلاد، سواء في الشرق أو الغرب أو الجنوب.
تجاهل احتياجات السكان
يرى «أسعد أمبية أبوقيلة» الصحفي والمهتم بالشأن العام من بلدية سبها:« الجنوب الليبي يواجه واقعاً مريراً من التهميش والإقصاء المتعمد من قبل الحكومات المتعاقبة التي تجاهلت احتياجات سكانه.. وتتجلى حدة هذه الأزمة في طوابير الوقود التي باتت سمة يومية، وفي جوهر هذه الأزمة، يبرز تهريب الوقود خارج الحدود الليبية كعامل رئيسي ومحرك أول لاستنزاف المقدرات الوطنية، حيث يتم ترحيل حصص الوقود المخصصة للمواطنين نحو أسواق خارج البلاد، مما يترك أهالي الجنوب في مواجهة مستمرة مع النقص الحاد والانتظار الطويل، وسط غياب تام لآليات رادعة تضع حداً لهذه الممارسات التي تستنزف ثروات الوطن وتضاعف أعباء المواطن».
سلعة استهلاكية
يرى السيد «إبراهيم»، الذي يمثل صوته وجع الشارع في الجنوب: «الوقود تجاوز كونه مجرد سلعة استهلاكية ليصبح الشريان الرئيسي في دورة الاقتصاد والاجتماع، ويوضح أن غياب المادة لا يعني توقف السيارات فحسب، بل يعني إصابة المشهد العام بالشلل، حيث تتأثر حركة التنقل، وتتعطل الأعمال، وتتأزم الخدمات الصحية، وحتى التعليم يجد نفسه في مواجهة جدار من التوقف القسري، مما يولد حالة من التباطؤ الجماعي الذي يستهلك طاقة المجتمع وأوقاته في غير محلها.
ويتجاوز الأثر المادي لهذه الأزمة حدوده الاقتصادية ليصل إلى البعد النفسي والاجتماعي، حيث يحذر المواطنون من أخطر مراحل الأزمة وهي مرحلة التطبيع القسري، حين يبدأ الإنسان بالتعايش مع الطوابير باعتبارها قدراً محتوماً بدلاً من مقاومتها أو المطالبة بحلها جذرياً. هذا الإرهاق الجماعي يولد شعوراً ضمنياً بأن الأزمة أبدية، وهو ما يمثل تآكلاً في روح المبادرة والاحتجاج السلمي لدى المجتمع، ويجعل من حالة الانتظار الطويل مشهداً مألوفاً لا يثير صدمة، بل يثير قبولاً تدريجياً لوضعٍ يفترض أصلاً ألا يكون قابلاً للتعايش».
أزمة مختزلة
ويستطرد «إبراهيم» قائلا: «عند محاولة تحليل المسؤولية، يتبين أن اختزال الأزمة في طرف واحد يعد تضليلاً للحقائق، فالإشكال الحقيقي يكمن في منظومة متكاملة تبدأ من المستودعات، وتمر بآليات النقل والتوزيع، وتصل إلى الرقابة الإدارية المفقودة.
يعني بالفلاقي هناك تجار وقود ومتنفذين أمنيين وعسكريين وحتى مدنيين.. متواطئين ومتورطين واتهامات متبادلة بين المتصارعين في المشهد الليبي.. وربما هم متفقين على المواطنين البسطاء لكي يستمر نهبهم للبنزين؟!
وتظل التساؤلات الجوهرية معلقة حول مصير الكميات المخصصة فعلياً، وآليات إدارة البيانات، ومدى الشفافية في التوزيع. والمفارقة الكبرى تكمن في أن الوسائل التقنية كأنظمة التتبع والرقابة الرقمية متوفرة ومجربة في ظروف مشابهة، لكنها تفتقر إلى الإرادة التشغيلية التي تحولها من حلول نظرية إلى أدوات فاعلة على أرض الواقع تضع حداً للفوضى».
خلل
ويتابع عادل:« في المحصلة، لا يمثل اصطفاف المركبات أمام المحطات مجرد مشهد للازدحام، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إدارة مورد أساسي يمس كرامة الناس وحقهم في العيش الكريم، إن استمرار الأزمة بهذا الشكل يضع المؤسسات المعنية أمام تحدٍ أخلاقي وإداري لإنهاء حالة الغموض التي تكتنف توزيع الوقود، والانتقال من مرحلة إدارة الأزمة عبر المسكنات المؤقتة إلى مرحلة حلها عبر الشفافية والرقابة الفاعلة، قبل أن يصبح التعايش مع الخلل هو الهوية الوحيدة المتبقية للمواطن في الجنوب».. وفي قراءة تحليلية لملف أزمة الوقود المتجذرة في الجنوب الليبي، يطرح الصحفي والمتابع للشأن العام، «إدريس احميد»، رؤية تشخيصية تعيد ترتيب أوراق الأزمة، متجاوزاً التفسيرات السطحية إلى جوهر الخلل المرتبط بآليات الإنتاج، والتوزيع، وغياب البنية التحتية للنقل.
ثغرات سلاسل الإمداد
يشير الصحفي «إدريس احميد» إلى أن الأزمة تبدأ من هيكلية قطاع النفط الليبي، حيث لا تُلبي القدرة الإنتاجية لمصفاة الزاوية الاحتياج المحلي، مما يضطر الدولة للاعتماد بشكل كلي على شركة «البريقة لتسويق النفط» لتأمين الفارق عبر الاستيراد الدولي. ويوضح «احميد» أن منظومة التوزيع، التي شهدت تحولاً هيكلياً منذ عام 2007 مع تأسيس شركات مثل «الراحلة، وليبيا نفط، والطرق السريعة، والشرارة الذهبية، والثقة»، تعاني من اختلالات في حلقات التوريد. ففي حالة الجنوب، يتم الاعتماد على مستودع «النصر» في مصراتة لتغذية مستودع سبها بكميات محددة، تصل في المتوسط إلى مليون ونصف لتر، وهي كمية يرى «احميد» أنها غير كافية لمواكبة التوسع السكاني وزيادة عدد المركبات، مما يخلق فجوة عرض وطلب حتمية.
معضلة النقل العام.. الأزمة المنسية
ينتقد «احميد» التركيز المفرط على «أزمات المحطات» وتجاهل السبب البنيوي المتمثل في غياب منظومة النقل العام في المنطقة الجنوبية. ويؤكد أن المواطن في الجنوب بات رهينة لمركبته الخاصة؛ ففي ظل تزايد عدد السيارات لكل أسرة وعدم وجود بدائل حضرية للنقل كما هو الحال في بعض الدول، يصبح الضغط على محطات الوقود حتمياً ومهما كانت الإجراءات الرقابية، ويشير إلى أن وجود وسائل نقل عامة فعالة، كالمترو أو حافلات النقل الجماعي، كان من الممكن أن يسهم بشكل جذري في خفض الطلب على الوقود وتخفيف الازدحام الذي بات سمة يومية لا تقتصر على الجنوب فحسب، بل تطال حتى العاصمة.
الأمن، التهريب، وتحدي السلطة الواحدة
في ملف الأمن والرقابة، يشير «احميد» إلى أن الجهود الأمنية قلصت الفوضى التي كانت سائدة. ومع ذلك، يقر «احميد» بأن ظاهرة تهريب الوقود لا تزال تشكل تحدياً عابراً للجغرافيا والمناطق.
تظل طوابير الوقود شاهدًا على تعثر منظومة الإمداد
في ظل هذه المعطيات المتشابكة، وبينما تظل طوابير الوقود في سبها وعموم الجنوب الليبي شاهدًا حيًا على تعثر منظومة الإمداد، يبرز التساؤل الجوهري الذي يضع صناع القرار أمام مسؤولياتهم التاريخية والإدارية؛ ففي ضوء تحليل الأبعاد الهيكلية لهذه الأزمة المتكررة، وتضارب الأولويات بين ضرورة ضبط الثروة الوطنية ومنع استنزافها عبر التهريب، وبين حق المواطن في الوصول إلى حاجته الأساسية دونما تكبد مشاق يومية، كيف يمكن الموازنة بين الحاجة الملحة لإجراءات رقابية صارمة تضمن العدالة في التوزيع، وبين مطالب المواطنين المشروعة بتيسير عمليات التزود بالوقود ورفع القيود الإدارية المعقدة التي لم تزد المشهد إلا تعقيدًا؟ وهل باتت الحلول التقنية والإدارية الحالية مجرد «مسكنات» في انتظار حل سياسي شامل يعيد هيكلة قطاع الطاقة ويخرج المواطن من دوامة الانتظار؟



