
ما أن تهب نسائم الشهر الفضيل حتى تشرع ذاكرة الأيام في طرق أبوابها لتستحضر صور لم يمحوها غبار التكنولوجيا، وأصوات لا يزال صداها حاضرًا في )زناقي حاراتنا القديمة( ورغم تطور سُبل الراحة وتوفر كل ما لذّ وطاب، لا يزال الكثيرون يبحثون في جراب الذاكرة عن «رمضان زمان»؛ ذلك الشهر الذي كان يخلو من البهرجة الزائدة لكنه يفيض بالبركة.
لم تكن الموائد حينها تتسابق في عرض الأصناف، بل كانتْ القلوب هي التي تتسابق في احتضان بعضها بعضًا قبل غزو الشاشات.
هكذا كانت ليالينا
تقول جميلة كرباج : الفانوس الخشبي وصوت «المدفع»..هكذا كانت ليالينا قبل أن تغزو الشاشات الملونة بيوتنا، وقبل أن تصبح التهنئة مجرد «رسالة نصية»، كان لرمضان طقوسٌ تُرسم ملامحه بالصبر والبهجة هنا رائحة «الخبز الطازج» تفوح من الأفران الطينية، وهناك صبية يتسابقون لتعليق الزينة الورقية الملونة بين البيوت المتلاصقة.
رمضان «أيام زمان» كان حكاية بطلها «المدفع» الذي يترقبه الجميع بصمتٍ مهيب، و«اللمَّة» العائلية التي لا يكسر هدوءها سوى صوت ضحكات الأطفال وهم يطاردون خيال المسحراتي لم يكن رمضان قديمًا مجرد صيامٍ وإفطار، بل كان «حالةً» من الدفء الإنساني تبدأ من «سحور» يوقظه طبل المسحراتي، وتنتهي بسهرات بسيطة تحت ضوء القمر.
في هذا التقرير نُبحر في ذاكرة الأجداد، لنستعيد تفاصيل زمنٍ كان فيه الفانوس شمعة، والمائدة طبقًا واحدًا يلفّ الحارة بأكملها.
عزومة ولمَّة وعيلة
تقول مفيدة القريتلي: زمان كانت العزومة «لمّة عيلة» ونيّة صافية، توه ولّتْ في هلبا حالات «عرض عضلات»، وتعب زايد. خليني نلخص لكِ الفرق في نقاط بسيطة:
تضيف مفيدة : زمان كان التركيز على القعدة والضحكة، والماعون عادي حتى لو مش طقم كامل توه، قبل ما يمد حد يده، لازم «التصوير» لـ)لسناب وشات وإنستغرام(.
الطاولة ولّت ديكورًا أكثر مما هي مائدة إفطار، وهذا نحّى البركة والبساطة اللي كنا نعرفوها المظاهر والتكليف الزايد.
وتواصل مفيدة: زمان كانت «شربة وبراك، ومبطن» والحمد لله. توه ولت العزومة تبي ميزانية بروحها؛ أنواع وأشكال من المعجنات والحلويات اللي نصها يتقصص وما يتاكلش الغلاء توه خلا العزومة «همّ» لصاحب الحوش بدل ما تكون «فرحة»، والنَّاس ولتْ تتحشم تعزم لو مش هيديروا بوفيه كامل.
ضياع «الهدرزة» الصاح
وتواصل مفيدة : زمان كنا نقعمزوا بعد الإفطار نهدرزوا لللسحور. توه، كل واحد شاد تليفونه، أو طالع يجري للقهوة مع صحابه. العزومة ولت «واجب» نبي نتمه ونروح، مش وقت ممتع نبي نعيشه مع قرايبي..
كل واحد مسكر بابه
وتنهي مفيدة حديثها بالقول : زمان كانت السفره تمشي وتجي بين الجيران، والصحن اللي يطلع يرجع مليان بحاجة ثانية. توه كل واحد مسكر بابه على روحه، والعزومات ولت محصورة في «الرسميات» بس زمان كان كل شي احسن واللي راح معاش ايولي مشي مع امهاتنا وآبائنا واجدادنا .
سفرة ترفع الراس
تعبر الحاجة فطيطيمة الأشعل عن واقع الأسر الليبية ثم تتذكر أيام الماضي معلقة: واقفة من الظهر، ركابي يوجعوا فيا وصايمة، وعازمة سلامتهم لكناين وبناتهم وفرحانه لاني درت صفرة زمان مش صفرة توه درت شربه وبازين وخبزة المعندوس وبراك وسلاطه خضراء
وأضافت: اني مش مهتمة بشكل السفره؛ كل همي إن «الصفرة» ترفع الرأس، وإن البازين جي «مقوم»، والبراك «جي زي الزبدة»..حاجات خفيفة أغلب هادي العزومات قايمة على كتاف لبنيات آحني انطيبوا في الزمني بس وهن ايكملن في بقية حاجات لفطور وهما مهدود حيلهم، ويقضوا في السهرة يغسلوا في المواعين لليوم الثاني لكن كله بأجره….
العزومة مش ماكلة
هكذا يصف الحاج محمد لامين درويش عزومة زمان قائلاً : اني لما نعزم نعزم يعني منعزمش في شخص، نعزم في «تاريخ وعلاقة وخبزة وملح»
ويؤكد : «العزومة وجه» مش مجرد ماكلةبالنسبة لشريكي هو الشخص اللي يعرف «البير وغطاه». يعني سري ومعاشي معاه. لازم الصفرة تكون «تارسة» والعين تشبع قبل الفم مش وقت ريجيم ولا وقت مقبلات صغيرة بالشوكة، نبي «قصعة» وطنية ترفع الرأس.
ويمضي في حديثه ممازحًا لنا ومتذوقًا متعة تلك الأيام : هني يبدأ الصراع مع «الحاجة» في المطبخ في اليوم هذا نبدأ «مدير» مزعج انخش المطبخ كل ربع ساعة: «يا حاجة، كثرتي اللحم؟ اللوز مقلي كويس؟ العصبان نبي الحشو متاعه موزوز راهو الراجل ذواق» الحاجة تكون مهدودة، وتقول «يا حاج والله درنا اللي علينا، غير اطلع من المطبخ وسهل علينا.» لكن اني ما يهداليش بال إلا لما يشوف الصفرة طالعة «تشوي». وقت «الهدرزة» بعد الفطور «الشاهي المنعنع» وصنّة البخور بعد الصلاة هنا تبدأ لغة «الشراكة»: ذكريات الشغل، فلان اللي غدر بينا، السوق اللي طاح، والسيولة اللي اختفت اني انشوف إن هادي اللحظة هي اللي تبني «الثقة»؛ لأن الشريك لما يشوف حوشك وعيلتك وكرمك، يحس بالأمان أكثر معاك في الشغل.صح الدنيا غالية والسيولة ميته، واللحم بـ 70 و 80، لكن قدام الشريك؟ والله لو نبيع الساعة اللي في يدي ما ينقص شي من الصفرة.
أنانية غير مقصودة
ومن جانبه أوضح معتز دومه أن العزومه مش «خسارة في لصحاب؟» معلقًا: عيب صاحبي عزمني وأنا ما نعزمش، والبيوت مفتوحة. والضحك بعد الفطور، ومباراة البلايستيشن أو الكارطة. الموضوع ساهل أمي وأخواتي ايديرولي الحاجه الباهية رز بالالواز وطبيخة بازيليا ومشقشقات ومدخلنيش في التفاصيل المهم ننستر مع صحابي.
وواصل معتز: صح مجهود بدني مضاعف: من الصبح وقوف على الرجلين، تقطيع، قلي، وتجهيز «السفرة» اللي لازم تكون ترفع الرأس بصراحه العزومات من غير مراعاة لأهلي فيها نوع من الأنانية غير المقصودة. المفروض اللي يعزم يشاور قبلها: مش يجي قبل المغرب بساعتين يقول «عازم عشرة» أحني الشباب فينا الحركة هادي الحقيقة العزومات معاش وقتها بدت مكلفة غير مرات تنحرج من صحابك.



