استطلاعات

الألم والأمل المكسور

هدي الميلودي

يعيش‭ ‬مريض‭ ‬الأورام‭ ‬واقعًا‭ ‬قاسيًا‭ ‬ومؤلمًا‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬المعلنة؛‭ ‬فبدل‭ ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬الرعاية‭ ‬المتكاملة‭ ‬والدعم‭ ‬الذي‭ ‬يليق‭ ‬بإنسانيته‭ ‬يترك‭ ‬وحيدًا‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬مرض‭ ‬شرس‭ ‬بإمكانات‭ ‬محدودة،‭ ‬ونظام‭ ‬صحي‭ ‬يفتقر‭ ‬إلى‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬التنظيم‭ ‬والكفاءة‭.‬أول‭ ‬ما‭ ‬يصطدم‭ ‬به‭ ‬مريض‭ ‬الأورام‭ ‬ضعف‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الصحية،‭ ‬ونقص‭ ‬التجهيزات‭ ‬الأساسية‭ ‬فالكثير‭ ‬من‭ ‬المستشفيات‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬أعطال‭ ‬متكرَّرة‭ ‬في‭ ‬أجهزة‭ ‬العلاج‭ ‬الإشعاعي،‭ ‬أو‭ ‬نقص‭ ‬في‭ ‬الأدوية‭ ‬الكيماوية‭ ‬ما‭ ‬يدفع‭ ‬المرضى‭ ‬إلى‭ ‬تأجيل‭ ‬جلساتهم‭ ‬وهذا‭ ‬التأخير‭ ‬لا‭ ‬يؤثر‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬الحالة‭ ‬الجسدية‭ ‬فحسب‭ ‬بل‭ ‬يضاعف‭ ‬من‭ ‬معاناة‭ ‬المريض‭ ‬النفسية؛‭ ‬حيث‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬قلق‭ ‬دائم‭ ‬وخوف‭ ‬من‭ ‬تدهور‭ ‬حالته‭. ‬الأمر‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬المستشفيات‭ ‬العامة‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬اعتماد‭ ‬المريض‭ ‬بشكل‭ ‬شبه‭ ‬كامل‭ ‬على‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬فمعظم‭ ‬الأدوية‭ ‬خاصة‭ ‬المكلفة‭ ‬منها‭ ‬يضطر‭ ‬المريض‭ ‬لشرائها‭ ‬من‭ ‬الصيدليات‭ ‬الخاصة‭ ‬بأسعار‭ ‬باهظة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬نظام‭ ‬تأمين‭ ‬صحي‭ ‬فعال‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الفحوصات‭ ‬الدقيقة‭ ‬مثل‭ : ‬التصوير‭ ‬بالرنين‭ ‬المغناطيسي،‭ ‬أو‭ ‬الأشعة‭ ‬المقطعية‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬التحاليل‭ ‬المخبرية‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬متوفرة‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬المراكز‭ ‬الخاصة‭ ‬ما‭ ‬يثقل‭ ‬كاهل‭ ‬المريض‭ ‬وأسرته‭ ‬مادياً‭.‬

وفي‭ ‬خضم‭ ‬هذه‭ ‬المعاناة‭ ‬يغيب‭ ‬جانبٌ‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭: ‬ألا‭ ‬وهو‭ ‬الدعم‭ ‬النفسي‭ ‬والعلاج‭ ‬التلطيفي‭ ‬لأن‭ ‬مريض‭ ‬الأورام‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬دواء‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يسانده‭ ‬نفسياً‭ ‬وإلى‭ ‬بيئة‭ ‬صحية‭ ‬تمنحه‭ ‬الأمل‭ ‬وتخفف‭ ‬من‭ ‬ألمه‭ ‬ولكن‭ ‬الواقع‭ ‬يكشف‭ ‬نقصاً‭ ‬حاداً‭ ‬في‭ ‬خدمات‭ ‬الدعم‭ ‬النفسي‭ ‬وغيابا‭ ‬ًشبه‭ ‬تام‭ ‬لبرامج‭ ‬الرعاية‭ ‬التلطيفية‭ ‬التي‭ ‬تعنى‭ ‬بجودة‭ ‬حياة‭ ‬المريض‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬المراحل‭ ‬المتقدمة‭ ‬من‭ ‬المرض‭.‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬يدفع‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المرضى‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬العلاج‭ ‬خارج‭ ‬البلاد‭ ‬رغم‭ ‬التكاليف‭ ‬الباهظة‭ ‬وصعوبة‭ ‬الإجراءات‭ ‬،‭ ‬السفر‭ ‬للعلاج‭ ‬يصبح‭ ‬أملاً‭ ‬أخيراً‭ ‬لكنه‭ ‬ليس‭ ‬متاحاً‭ ‬للجميع‭ ‬ما‭ ‬يخلق‭ ‬فجوة‭ ‬مؤلمة‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يستطيع‭ ‬ومن‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬ويعمّق‭ ‬الإحساس‭ ‬بالظلم‭ ‬والضياع‭.‬في‭ ‬النهاية‭ ‬يشعر‭ ‬مريض‭ ‬الأورام‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬أنه‭ ‬عالق‭ ‬بين‭ ‬مرض‭ ‬ينهك‭ ‬جسده،‭ ‬ونظام‭ ‬صحي‭ ‬لا‭ ‬يحتضنه‭ ‬وهو‭ ‬شعور‭ ‬يتناقض‭ ‬بشدة‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬تمتلكه‭ ‬البلاد‭ ‬من‭ ‬إمكانات‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬تضمن‭ ‬له‭ ‬حياة‭ ‬كريمة‭ ‬وعلاجاً‭ ‬لائقاً‭.‬

إنَّ‭ ‬إصلاح‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬خيارًا‭ ‬بل‭ ‬ضرورة‭ ‬إنسانية،‭ ‬وأخلاقية‭ ‬تبدأ‭ ‬بالاعتراف‭ ‬بالمشكلة‭ ‬وتنتهي‭ ‬بوضع‭ ‬سياسات‭ ‬صحية‭ ‬عادلة‭ ‬تعيد‭ ‬للمريض‭ ‬حقه‭ ‬في‭ ‬العلاج‭ ‬والأمل‭ ‬وتمنحه‭ ‬فرصة‭ ‬حقيقية‭ ‬للحياة‭ ‬بكرامة‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الألم‭ ‬والتهميش‭ .‬

د‭.‬حسن‭ ‬شيخ‭ ‬الرمل

استشاري‭ ‬أورام‭ ‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى