
يعيش مريض الأورام واقعًا قاسيًا ومؤلمًا لا يعكس هذه الصورة المعلنة؛ فبدل أن يجد الرعاية المتكاملة والدعم الذي يليق بإنسانيته يترك وحيدًا في مواجهة مرض شرس بإمكانات محدودة، ونظام صحي يفتقر إلى الحد الأدنى من التنظيم والكفاءة.أول ما يصطدم به مريض الأورام ضعف البنية التحتية الصحية، ونقص التجهيزات الأساسية فالكثير من المستشفيات تعاني من أعطال متكرَّرة في أجهزة العلاج الإشعاعي، أو نقص في الأدوية الكيماوية ما يدفع المرضى إلى تأجيل جلساتهم وهذا التأخير لا يؤثر فقط على الحالة الجسدية فحسب بل يضاعف من معاناة المريض النفسية؛ حيث يعيش في قلق دائم وخوف من تدهور حالته. الأمر لا يتوقف عند حدود المستشفيات العامة بل يمتد إلى اعتماد المريض بشكل شبه كامل على القطاع الخاص فمعظم الأدوية خاصة المكلفة منها يضطر المريض لشرائها من الصيدليات الخاصة بأسعار باهظة في ظل غياب نظام تأمين صحي فعال كما أن الفحوصات الدقيقة مثل : التصوير بالرنين المغناطيسي، أو الأشعة المقطعية إضافة إلى التحاليل المخبرية غالباً ما تكون متوفرة فقط في المراكز الخاصة ما يثقل كاهل المريض وأسرته مادياً.
وفي خضم هذه المعاناة يغيب جانبٌ لا يقل أهمية: ألا وهو الدعم النفسي والعلاج التلطيفي لأن مريض الأورام لا يحتاج فقط إلى دواء بل إلى من يسانده نفسياً وإلى بيئة صحية تمنحه الأمل وتخفف من ألمه ولكن الواقع يكشف نقصاً حاداً في خدمات الدعم النفسي وغيابا ًشبه تام لبرامج الرعاية التلطيفية التي تعنى بجودة حياة المريض وخاصة في المراحل المتقدمة من المرض.هذا الوضع يدفع العديد من المرضى إلى البحث عن العلاج خارج البلاد رغم التكاليف الباهظة وصعوبة الإجراءات ، السفر للعلاج يصبح أملاً أخيراً لكنه ليس متاحاً للجميع ما يخلق فجوة مؤلمة بين من يستطيع ومن لا يستطيع ويعمّق الإحساس بالظلم والضياع.في النهاية يشعر مريض الأورام في ليبيا أنه عالق بين مرض ينهك جسده، ونظام صحي لا يحتضنه وهو شعور يتناقض بشدة مع ما تمتلكه البلاد من إمكانات كان من الممكن أن تضمن له حياة كريمة وعلاجاً لائقاً.
إنَّ إصلاح هذا الواقع لم يعد خيارًا بل ضرورة إنسانية، وأخلاقية تبدأ بالاعتراف بالمشكلة وتنتهي بوضع سياسات صحية عادلة تعيد للمريض حقه في العلاج والأمل وتمنحه فرصة حقيقية للحياة بكرامة بعيدًا عن الألم والتهميش .
د.حسن شيخ الرمل
استشاري أورام


