استطلاعاتالرئيسية

التهريب‭ ‬قدام‭ ‬عينك‭ ‬يا‭ ‬مسؤول‭..‬‭ ‬طوابيـر‭ ‬البنزينه‭ ‬في‭ ‬فزان‭ ‬وكبار‭ ‬القوم‭ ‬عين‭ ‬عميــه‭ ‬وودن‭ ‬طرشه‭ ‬ويد‭ ‬متورطـة

منى‭ ‬الشريدي

تتجسد‭ ‬أمام‭ ‬محطات‭ ‬الوقود‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬الجنوب‭ ‬الليبي‭ ‬مشاهد‭ ‬تراجيدية‭ ‬تتكرر‭ ‬يومياً،‭ ‬حيث‭ ‬تصطف‭ ‬مركبات‭ ‬المواطنين‭ ‬في‭ ‬طوابير‭ ‬طويلة،‭ ‬لا‭ ‬لتحصل‭ ‬على‭ ‬مبتغاها،‭ ‬بل‭ ‬لتقف‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬سراب‭ ‬الوقود‭ ‬الذي‭ ‬بات‭ ‬شحّه‭ ‬يهدد‭ ‬شريان‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.. ‬هذه‭ ‬المحطات‭ ‬التي‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬هياكل‭ ‬صامتة‭ ‬خاوية،‭ ‬أفرزت‭ ‬واقعاً‭ ‬من‭ ‬المعاناة‭ .. ‬

‮«‬محمد‭ ‬غيث‮»‬،‭ ‬عضو‭ ‬المجلس‭ ‬البلدي‭ ‬‮«‬الغريفة‮»‬‭ :‬

  ‬قدمت‭ ‬مقترحاً‭ ‬للجهات‭ ‬ذات‭ ‬العلاقة‭ ‬يتلخص‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬حد‭ ‬لحالة‭ ‬الفوضى‭ ‬الراهنة‭ ‬عبر‭ ‬إلغاء‭ ‬نظام‭ ‬الطوابير‭ ‬المفتوحة‭ ‬الذي‭ ‬ينهك‭ ‬المواطنين،‭ ‬واستبداله‭ ‬بجدولة‭ ‬زمنية‭ ‬صارمة‭ ‬تمنع‭ ‬تواجد‭ ‬السيارات‭ ‬في‭ ‬المحطات‭ ‬طوال‭ ‬الليل،‭ ‬وتعتمد‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬على‭ ‬تطبيق‭ ‬نظام‭ ‬البطاقات‭ ‬الملونة‭ ‬التي‭ ‬تُمنح‭ ‬لكل‭ ‬فئة‭ ‬من‭ ‬السيارات،‭ ‬بحيث‭ ‬تُحدد‭ ‬يوماً‭ ‬معيناً‭ ‬في‭ ‬الأسبوع‭ ‬للتعبئة،‭ ‬مما‭ ‬يمنع‭ ‬التداخل‭ ‬ويضمن‭ ‬الرقابة‭ ‬الفاعلة‭.. ‬كما‭ ‬يسعى‭ ‬المقترح‭ ‬إلى‭ ‬ضبط‭ ‬الطاقة‭ ‬الاستيعابية‭ ‬للتوزيع‭ ‬ضمن‭ ‬سقف‭ ‬يومي‭ ‬يتراوح‭ ‬بين‭ ‬400‭ ‬إلى‭ ‬500‭ ‬سيارة،‭ ‬مما‭ ‬ينهي‭ ‬التدافع‭ ‬ويضمن‭ ‬وصول‭ ‬الخدمة‭ ‬لمستحقيها،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬معالجة‭ ‬التجاوزات‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭ ‬التعبئة‭ ‬المتكررة‭ ‬عبر‭ ‬جعل‭ ‬البطاقة‭ ‬الملونة‭ ‬المعيار‭ ‬الوحيد‭ ‬للعبور‭.. ‬وبذلك،‭ ‬تصبح‭ ‬البطاقة‭ ‬بمثابة‭ ‬تصريح‭ ‬دوري‭ ‬يبرز‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬محدد،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يلغي‭ ‬الحاجة‭ ‬للانتظار‭ ‬الطويل،‭ ‬ويحول‭ ‬المحطة‭ ‬من‭ ‬بؤرة‭ ‬للفوضى‭ ‬إلى‭ ‬مرفق‭ ‬خدمي‭ ‬منظم‭ ‬يلتزم‭ ‬بجدول‭ ‬زمني‭ ‬واضح‮»‬‭.‬

محطات‭ ‬حبيسة‭ ‬الإهمال

ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬هذه‭ ‬المعاناة‭ ‬على‭ ‬‮«‬الغريفة‮»‬‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬لتخيم‭ ‬بظلالها‭ ‬الثقيلة‭ ‬على‭ ‬مدينة‭ ‬‮«‬سبها‮»‬‭ ‬حيث‭ ‬يصف‭ ‬المواطن‭ ‬‮«‬محمد‭ ‬أبوعزوم‮»‬‭ ‬من‭ ‬سبها‭ ‬واقع‭ ‬المواطنين‭ ‬الذين‭ ‬يقضون‭ ‬ساعات‭ ‬طوال‭ ‬في‭ ‬طوابير‭ ‬الانتظار،‭ ‬قائلاً‭: ‬‮«‬لقد‭ ‬أرهقت‭ ‬هذه‭ ‬الطوابير‭ ‬كاهل‭ ‬المواطن،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يقف‭ ‬فيه‭ ‬الناس‭ ‬لساعات‭ ‬طوال‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬الوقود،‭ ‬تظل‭ ‬محطات‭ ‬استراتيجية‭ ‬داخل‭ ‬المدينة،‭ ‬ذات‭ ‬سعات‭ ‬تخزينية‭ ‬ضخمة‭ ‬تصل‭ ‬في‭ ‬بعضها‭ ‬إلى‭ ‬300‭ ‬ألف‭ ‬لتر،‭ ‬دون‭ ‬استغلال‭ ‬أمثل‭ ‬يحقق‭ ‬المصلحة‭ ‬العامة‮»‬‭.‬

ويضيف‭ ‬‮«‬أبوعزوم‮»‬‭ ‬مشدداً‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬استنهاض‭ ‬هذه‭ ‬المرافق‭: ‬‮«‬إن‭ ‬وجود‭ ‬محطات‭ ‬حيوية‭ ‬في‭ ‬أحياء‭ ‬مثل‭ ‬عبد‭ ‬الكافي،‭ ‬والمنشية،‭ ‬والناصرية،‭ ‬‮«‬5‭ ‬أكتوبر‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬معطلة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مفعلة،‭ ‬يمثل‭ ‬ضياعاً‭ ‬لفرص‭ ‬حقيقية‭ ‬لتخفيف‭ ‬المعاناة،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬هذه‭ ‬المواقع‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬لتغذية‭ ‬المدينة‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬تبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬الملحة‭ ‬لتشكيل‭ ‬لجان‭ ‬فنية‭ ‬وقانونية‭ ‬تتولى‭ ‬مراجعة‭ ‬أوضاع‭ ‬هذه‭ ‬المحطات‭ ‬وتقييم‭ ‬عقود‭ ‬تشغيلها،‭ ‬مع‭ ‬ضرورة‭ ‬إعادتها‭ ‬لإدارة‭ ‬الدولة‭ ‬إذا‭ ‬ثبت‭ ‬التقصير‭ ‬في‭ ‬استغلالها؛‭ ‬فالتشغيل‭ ‬الفعلي‭ ‬لهذه‭ ‬المرافق‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬الساعة‭ ‬بكامل‭ ‬طاقتها‭ ‬يبقى‭ ‬هو‭ ‬السبيل‭ ‬الجذري‭ ‬والوحيد‭ ‬لإنهاء‭ ‬هذا‭ ‬العناء‭ ‬اليومي‭ ‬وضمان‭ ‬وصول‭ ‬المحروقات‭ ‬بإنصاف‭ ‬إلى‭ ‬كافة‭ ‬أحياء‭ ‬سبها‮»‬‭.‬

أزمة‭ ‬وجود‭ ‬ليست‭ ‬عابرة

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يضيف‭ ‬المواطن‭ ‬‮«‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬البداوي‮»‬‭ ‬بُعداً‭ ‬آخر‭ ‬للأزمة،‭ ‬مؤكداً‭ ‬أن‭ ‬المعاناة‭ ‬تجاوزت‭ ‬حدود‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الوقود‭ ‬لتصبح‭ ‬أزمة‭ ‬وجودية‭ ‬للمواطن‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬يتعايش‭ ‬مع‭ ‬أعباء‭ ‬الأزمة‭ ‬اليومية‭. ‬ويشير‭ ‬‮«‬البداوي‮»‬‭ ‬بمرارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ظروف‭ ‬المرضى‭ ‬واحتياجات‭ ‬المدارس‭ ‬تُجبر‭ ‬المواطن‭ ‬على‭ ‬قضاء‭ ‬ليالٍ‭ ‬كاملة‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬قطرات‭ ‬الوقود،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬شبه‭ ‬تام‭ ‬للسوق‭ ‬السوداء‭ ‬نتيجة‭ ‬للضغط‭ ‬الأمني،‭ ‬مما‭ ‬دفع‭ ‬المواطنين‭ ‬المنهكين‭ ‬إلى‭ ‬بيع‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬مخصصاتهم‭ ‬الضئيلة‭ ‬لتوفير‭ ‬سيولة‭ ‬نقدية‭ ‬لأغراض‭ ‬معيشية‭ ‬أخرى‭. ‬ويرى‭ ‬‮«‬البداوي‮»‬‭ ‬أن‭ ‬الأزمة‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬مفتعلة‭ ‬ومدروسة،‭ ‬إذ‭ ‬يتم‭ ‬توجيه‭ ‬الأنظار‭ ‬نحو‭ ‬التهريب‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭ ‬لإغفال‭ ‬التهريب‭ ‬الأكبر‭ ‬الحاصل‭ ‬على‭ ‬الساحل،‭ ‬معتبراً‭ ‬أن‭ ‬المشكل‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬توحيد‭ ‬الصف‭ ‬وتفتيت‭ ‬هوية‭ ‬أهل‭ ‬الجنوب‭.‬

صرخة‭ ‬حق‭ ‬وعدالة

ومن‭ ‬وادي‭ ‬الشاطئ،‭ ‬تتصاعد‭ ‬أصوات‭ ‬المواطنين‭ ‬لتلتقي‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الرؤى‭ ‬في‭ ‬نبرة‭ ‬واحدة؛‭ ‬حيث‭ ‬يرى‭ ‬المواطن‭ ‬‮«‬محمد‭ ‬الشريف‮»‬‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يشهده‭ ‬الجنوب‭ ‬هو‭ ‬اختبار‭ ‬للعدالة‭ ‬الوطنية،‭ ‬مؤكداً‭ ‬بقوله‭: ‬‮«‬لقد‭ ‬سئمنا‭ ‬الانتظار‭ ‬تحت‭ ‬حرارة‭ ‬الشمس‭ ‬وسئمنا‭ ‬الوعود‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تغير‭ ‬من‭ ‬واقعنا‭ ‬شيئاً،‭ ‬إننا‭ ‬في‭ ‬إقليم‭ ‬فزان‭ ‬لسنا‭ ‬ضد‭ ‬أي‭ ‬منطقة‭ ‬في‭ ‬ليبيا،‭ ‬ولكننا‭ ‬نرفض‭ ‬أن‭ ‬نظل‭ ‬الحلقة‭ ‬الأضعف‭ ‬والآخيرة‭ ‬في‭ ‬قائمة‭ ‬الاهتمام،‭ ‬إن‭ ‬مطالبنا‭ ‬ليست‭ ‬طلباً‭ ‬لمعروف،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬نداء‭ ‬للعدالة‭ ‬والإنصاف؛‭ ‬فنحن‭ ‬لا‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬مخصصات‭ ‬لمدينة‭ ‬واحدة،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬إقليم‭ ‬شاسع‭ ‬يضم‭ ‬آلاف‭ ‬المواطنين‭ ‬الذين‭ ‬يحتاجون‭ ‬للوقود‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬العلاج،‭ ‬والدراسة،‭ ‬والعمل‭. ‬لذا،‭ ‬نطالب‭ ‬بتوزيع‭ ‬منصف‭ ‬يراعي‭ ‬عدد‭ ‬السكان‭ ‬والمساحة‭ ‬الجغرافية‭ ‬والاحتياج‭ ‬الفعلي،‭ ‬فالحق‭ ‬في‭ ‬موارد‭ ‬بلادنا‭ ‬ليس‭ ‬مكرمة،‭ ‬بل‭ ‬استحقاق‭ ‬أصيل‭ ‬لكل‭ ‬ليبي‮»‬‭.‬

رحلة‭ ‬علاج‭ ‬محفوفة‭ ‬بالقلق‭/‬‮«‬علي‭ ‬الورفلي‮»‬‭ / ‬سبها‭:‬

يروي‭ ‬المواطن‭ ‬‮«‬علي‭ ‬الورفلي‮»‬‭ ‬من‭ ‬سبها‭ ‬قصة‭ ‬معاناته‭ ‬التي‭ ‬تتجاوز‭ ‬مجرد‭ ‬أزمة‭ ‬وقود،‭ ‬فهي‭ ‬ترتبط‭ ‬بحياة‭ ‬والدته‭ ‬المريضة‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬للسفر‭ ‬الدوري‭ ‬إلى‭ ‬طرابلس‭ ‬لإجراء‭ ‬فحوصات‭ ‬الأورام‭. ‬يقول‭ ‬‮«‬الورفلي‮»‬‭: ‬‮«‬نعيش‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬استنفار‭ ‬دائم،‭ ‬نضطر‭ ‬لشراء‭ ‬الوقود‭ ‬من‭ ‬السوق‭ ‬السوداء‭ ‬بأسعار‭ ‬باهظة‭ ‬لنكون‭ ‬مستعدين‭ ‬لأي‭ ‬طارئ‭ ‬صحي‭ ‬لوالدتي،‭ ‬وأحياناً‭ ‬نضطر‭ ‬للوقوف‭ ‬في‭ ‬طوابير‭ ‬الانتظار‭ ‬التي‭ ‬تمتد‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬9‭ ‬ساعات‭ ‬تحت‭ ‬أشعة‭ ‬الشمس‭ ‬في‭ ‬المحطات‭ ‬العامة‮»‬‭.. ‬ويضيف‭ ‬‮«‬الورفلي‮»‬‭ ‬بمرارة‭: ‬‮«‬نحن‭ ‬نترك‭ ‬مصالحنا‭ ‬وأرزاقنا،‭ ‬ونعيش‭ ‬على‭ ‬أعصابنا‭ ‬بانتظار‭ ‬شحنات‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬موعداً‭ ‬ثابتاً‭ ‬للوصول،‭ ‬ورغم‭ ‬وجود‭ ‬بعض‭ ‬الشرفاء‭ ‬داخل‭ ‬المحطات‭ ‬ممن‭ ‬يقدرون‭ ‬ظروفنا‭ ‬الإنسانية‭ ‬ويساعدوننا‭ ‬في‭ ‬التعبئة‭ ‬عند‭ ‬اضطرارنا‭ ‬للسفر‭ ‬للعلاج،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬شبح‭ ‬الطوابير‭ ‬المستمر‭ ‬يظل‭ ‬مصدراً‭ ‬دائماً‭ ‬للقلق‭ ‬والضغط‭ ‬النفسي‮»‬‭.‬

حياة‭ ‬معلقة‭ ‬ونيّة‭ ‬للرحيل‭ ‬‮«‬أشرف‭ ‬الحسناوي‮»‬‭ / ‬وادي‭ ‬الشاطئ‭:‬

من‭ ‬جانبه،‭ ‬يصف‭ ‬‮«‬أشرف‭ ‬الحسناوي‮»‬‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬وادي‭ ‬الشاطئ‭ ‬الوضع‭ ‬بأنه‭ ‬مزر‭ ‬للغاية،‭ ‬مؤكداً‭ ‬أن‭ ‬الأزمة‭ ‬غيرت‭ ‬نمط‭ ‬حياتهم‭ ‬اليومي،‭ ‬حيث‭ ‬أصبح‭ ‬التنسيق‭ ‬مع‭ ‬الأهل‭ ‬والأصدقاء‭ ‬عبر‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لمتابعة‭ ‬حركة‭ ‬الوقود‭ ‬هو‭ ‬الشغل‭ ‬الشاغل‭ ‬للمواطن‭.. ‬ويقول‭ ‬‮«‬الحسناوي‮»‬‭: ‬‮«‬أصبحت‭ ‬حياتنا‭ ‬كلها‭ ‬طوابير،‭ ‬وأنا‭ ‬شخصياً‭ ‬أتجنب‭ ‬الوقوف‭ ‬المباشر،‭ ‬أنتظر‭ ‬إشارات‭ ‬من‭ ‬الأصدقاء‭ ‬حول‭ ‬خفة‭ ‬الزحمة‭ ‬لأذهب،‭ ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬أصل‭ ‬وقد‭ ‬نفد‭ ‬الوقود‮»‬‭.. ‬ويختتم‭ ‬‮«‬الحسناوي‮»‬‭ ‬حديثه‭ ‬بحسرة‭: ‬‮«‬لقد‭ ‬تلاشت‭ ‬فعالية‭ ‬عملنا‭ ‬وتأثر‭ ‬عطاؤنا‭ ‬بسبب‭ ‬الضغوط‭ ‬المتراكمة‭ ‬من‭ ‬انقطاع‭ ‬الكهرباء‭ ‬والمياه،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬غاز‭ ‬الطهو‭ ‬والوقود‭.. ‬لقد‭ ‬سئمنا‭ ‬هذه‭ ‬المعاناة،‭ ‬حتى‭ ‬بات‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬ترك‭ ‬الجنوب‭ ‬والنزوح‭ ‬إلى‭ ‬طرابلس‭ ‬هو‭ ‬الحل‭ ‬الوحيد‭ ‬للهروب‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬المرير‮»‬‭.‬

انتظار‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يأتي‭ ‬‮«‬سالم‭ ‬الخير‮»‬‭ / ‬غات‭:‬

يصف‭ ‬المواطن‭ ‬‮«‬سالم‭ ‬الخير‮»‬‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬غات‭ ‬حالة‭ ‬الإحباط‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬سيطر‭ ‬على‭ ‬الأهالي،‭ ‬قائلاً‭: ‬‮«‬لقد‭ ‬اعتدنا‭ ‬انتظار‭ ‬الشيء‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يأتي،‭ ‬فالمحطات‭ ‬خالية‭ ‬والوعود‭ ‬بالانفراج‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬كونها‭ ‬مسكنات‭ ‬مؤقتة‮»‬‭.. ‬ويضيف‭ ‬‮«‬الخير‮»‬‭ ‬بأسى‭: ‬‮«‬الأزمة‭ ‬تدور‭ ‬في‭ ‬حلقة‭ ‬مفرغة؛‭ ‬يتوفر‭ ‬الوقود‭ ‬والغاز‭ ‬لفترة‭ ‬وجيزة،‭ ‬ثم‭ ‬تعود‭ ‬الأزمة‭ ‬لتشتد‭ ‬ضراوتها‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬ولا‭ ‬يملك‭ ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬سوى‭ ‬الانتظار‭ ‬القسري‭ ‬بلا‭ ‬أمل‭ ‬في‭ ‬حل‭ ‬حقيقي‮»‬‭.‬

حياة‭ ‬معلقة‭.. ‬هل‭ ‬نحن‭ ‬مواطنون؟‭ ‬‮«‬عبد‭ ‬النبي‭ ‬صالح‮»‬‭ / ‬وادي‭ ‬عتبة‭:‬

من‭ ‬جانبه،‭ ‬ينقل‭ ‬‮«‬عبد‭ ‬النبي‭ ‬صالح‮»‬‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬‮«‬وادي‭ ‬عتبة‮»‬‭ ‬جانباً‭ ‬أكثر‭ ‬قسوة‭ ‬وإنسانية‭ ‬من‭ ‬الأزمة،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬ضياع‭ ‬الوقت،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬لتهديد‭ ‬حياة‭ ‬الأبرياء‭. ‬يقول‭ ‬‮«‬صالح‮»‬‭: ‬‮«‬حياتنا‭ ‬كلها‭ ‬طوابير،‭ ‬ولدينا‭ ‬مرضى‭ ‬يحتاجون‭ ‬للنقل‭ ‬العاجل‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬لحظة‭. ‬وأحياناً‭ ‬نواجه‭ ‬مواقف‭ ‬مرعبة،‭ ‬مثل‭ ‬إصابة‭ ‬طفل‭ ‬بلسعة‭ ‬عقرب،‭ ‬ولا‭ ‬نجد‭ ‬قطرة‭ ‬بنزين‭ ‬واحدة‭ ‬لننقله‭ ‬للمستشفى‮»‬‭.. ‬ويختتم‭ ‬‮«‬صالح‮»‬‭ ‬تساؤله‭ ‬بمرارة‭: ‬‮«‬إنها‭ ‬مأساة‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬تحمله‭ ‬الكلمة‭ ‬من‭ ‬معنى‭.. ‬ونشعر‭ ‬وكأننا‭ ‬لسنا‭ ‬ليبيين،‭ ‬وكأننا‭ ‬نتسول‭ ‬حقنا‭ ‬في‭ ‬الوقود‭ ‬من‭ ‬دولتنا‭ ‬التي‭ ‬تتربع‭ ‬على‭ ‬بحيرات‭ ‬من‭ ‬النفط‭.. ‬إذا‭ ‬كنتم‭ ‬ترون‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نستحق‭ ‬هذه‭ ‬المواطنة،‭ ‬فأخبرونا‭ ‬بذلك‭ ‬بصراحة‮»‬‭.‬

تراكم‭ ‬عدة‭ ‬عوامل

يرى‭ ‬المواطن‭ ‬‮«‬إدريس‭ ‬علي‮»‬‭ ‬من‭ ‬بلدية‭ ‬‮«‬أوباري‮»‬‭ ‬أن‭ ‬أزمة‭ ‬الوقود‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭ ‬الليبي‭ ‬ناتجة‭ ‬عن‭ ‬تراكم‭ ‬عدة‭ ‬عوامل‭ ‬جوهرية،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬ضعف‭ ‬الإمدادات‭.. ‬ويؤكد‭ ‬‮«‬إدريس‮»‬‭ ‬أن‭ ‬الأزمة‭ ‬تفاقمت‭ ‬نتيجة‭ ‬توقف‭ ‬وصول‭ ‬ناقلات‭ ‬الوقود‭ ‬إلى‭ ‬الموانئ‭ ‬الرئيسية‭ ‬‮«‬مصراتة،‭ ‬وطرابلس،‭ ‬وبنغازي‮»‬‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الماضية،‭ ‬مما‭ ‬انعكس‭ ‬سلباً‭ ‬على‭ ‬كافة‭ ‬المدن‭ ‬الليبية،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬مناطق‭ ‬الجنوب‭.‬

تغلب‭ ‬تجار‭ ‬السوق‭ ‬السوداء

ويشير‭ ‬‮«‬إدريس‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬الدور‭ ‬السلبي‭ ‬الذي‭ ‬يلعبه‭ ‬تجار‭ ‬الوقود‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬السوداء،‭ ‬حيث‭ ‬يستحوذون‭ ‬على‭ ‬كميات‭ ‬ضخمة‭ ‬من‭ ‬الوقود‭ ‬عبر‭ ‬الطوابير،‭ ‬ويبيعونها‭ ‬بأسعار‭ ‬باهظة‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬200‭ ‬دينار‭ ‬للجالون‭ ‬الواحد،‭ ‬معتبراً‭ ‬أن‭ ‬هؤلاء‭ ‬التجار‭ ‬معروفون‭ ‬للجهات‭ ‬الأمنية‭.‬

غياب‭ ‬العدالة‭ ‬في‭ ‬التوزيع

ويوجه‭ ‬‮«‬إدريس‮»‬‭ ‬انتقاداً‭ ‬للدولة‭ ‬ومديريات‭ ‬الأمن،‭ ‬مشيراً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نصيب‭ ‬الجنوب‭ ‬من‭ ‬الوقود‭ ‬لا‭ ‬يُعطى‭ ‬الأولوية‭ ‬اللازمة،‭ ‬حيث‭ ‬تذهب‭ ‬القوافل‭ ‬المتوفرة‭ ‬غالباً‭ ‬إلى‭ ‬المناطق‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬مراكز‭ ‬التوزيع‭ ‬الرئيسية‭ ‬‮«‬كمصراتة‮»‬‭ ‬قبل‭ ‬الجنوب‭.‬

واقع‭ ‬مزرٍ‭ ‬لأزمات‭ ‬متلاحقة

وأعرب‭ ‬المواطن‭ ‬‮«‬صالح‭ ‬محمد‭ ‬التونسي‮»‬‭ ‬المهتم‭ ‬بالشأن‭ ‬العام‭ ‬من‭ ‬بلدية‭ ‬الغريفة‭ ‬عن‭ ‬قلقه‭ ‬العميق‭ ‬تجاه‭ ‬الأوضاع‭ ‬الراهنة،‭ ‬وخاصة‭ ‬أزمة‭ ‬الوقود‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬تتكرر‭ ‬بشكل‭ ‬مستمر،‭ ‬وأشار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الأزمات‭ ‬المتلاحقة‭ – ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الطاقة‭ ‬أو‭ ‬التخبط‭ ‬في‭ ‬التقسيمات‭ ‬الإدارية‭ ‬للبلديات‭ – ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬استنزاف‭ ‬طموح‭ ‬المواطنين‭ ‬وتشتيت‭ ‬تفكيرهم،‭ ‬مما‭ ‬جعلهم‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬دائمة‭ ‬من‭ ‬القلق‭ ‬والترقب‭.‬

تحديات‭ ‬خدمية‭ ‬واجتماعية

وسلط‭ ‬‮«‬صالح‮»‬‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬معاناتهم‭ ‬مع‭ ‬انقطاعات‭ ‬التيار‭ ‬الكهربائي‭ ‬المفاجئة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬حرارة‭ ‬الصيف‭ ‬الشديدة،‭ ‬مؤكداً‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬الظروف‭ ‬أصبحت‭ ‬لا‭ ‬تطاق،‭ ‬كما‭ ‬تطرق‭ ‬إلى‭ ‬المقترحات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بنقل‭ ‬السكان‭ ‬من‭ ‬مناطقهم،‭ ‬معتبراً‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬لا‭ ‬تعالج‭ ‬جذور‭ ‬المشكلة،‭ ‬بل‭ ‬تزيد‭ ‬من‭ ‬معاناة‭ ‬الناس‭ ‬وتؤثر‭ ‬على‭ ‬استقرارهم‭ ‬الاجتماعي‭.‬

البحث‭ ‬عن‭ ‬حلول‭ ‬جذرية

ختم‭ ‬‮«‬صالح‮»‬‭ ‬حديثه‭ ‬بالتأكيد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬محاولات‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬المعاناة‭ ‬عبر‭ ‬الكتابة‭ ‬أو‭ ‬طرح‭ ‬الحلول‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تقابل‭ ‬بالتجاهل،‭ ‬مشيراً‭ ‬إلى‭ ‬استيائه‭ ‬من‭ ‬استغلال‭ ‬هذه‭ ‬الأزمات‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬البعض‭. ‬وشدد‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬وضع‭ ‬حد‭ ‬نهائي‭ ‬لهذه‭ ‬الدوامة،‭ ‬مطالباً‭ ‬بإيجاد‭ ‬حلول‭ ‬جذرية‭ ‬ومستدامة‭ ‬تضمن‭ ‬للمواطن‭ ‬حياة‭ ‬كريمة‭ ‬ومستقرة‭ ‬في‭ ‬كافة‭ ‬أنحاء‭ ‬البلاد،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬أو‭ ‬الغرب‭ ‬أو‭ ‬الجنوب‭.‬

تجاهل‭ ‬احتياجات‭ ‬السكان

يرى‭ ‬‮«‬أسعد‭ ‬أمبية‭ ‬أبوقيلة‮»‬‭ ‬الصحفي‭ ‬والمهتم‭ ‬بالشأن‭ ‬العام‭ ‬من‭ ‬بلدية‭ ‬سبها‭:‬‮«‬‭ ‬الجنوب‭ ‬الليبي‭ ‬يواجه‭ ‬واقعاً‭ ‬مريراً‭ ‬من‭ ‬التهميش‭ ‬والإقصاء‭ ‬المتعمد‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الحكومات‭ ‬المتعاقبة‭ ‬التي‭ ‬تجاهلت‭ ‬احتياجات‭ ‬سكانه‭.. ‬وتتجلى‭ ‬حدة‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬في‭ ‬طوابير‭ ‬الوقود‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬سمة‭ ‬يومية،‭ ‬وفي‭ ‬جوهر‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة،‭ ‬يبرز‭ ‬تهريب‭ ‬الوقود‭ ‬خارج‭ ‬الحدود‭ ‬الليبية‭ ‬كعامل‭ ‬رئيسي‭ ‬ومحرك‭ ‬أول‭ ‬لاستنزاف‭ ‬المقدرات‭ ‬الوطنية،‭ ‬حيث‭ ‬يتم‭ ‬ترحيل‭ ‬حصص‭ ‬الوقود‭ ‬المخصصة‭ ‬للمواطنين‭ ‬نحو‭ ‬أسواق‭ ‬خارج‭ ‬البلاد،‭ ‬مما‭ ‬يترك‭ ‬أهالي‭ ‬الجنوب‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬مستمرة‭ ‬مع‭ ‬النقص‭ ‬الحاد‭ ‬والانتظار‭ ‬الطويل،‭ ‬وسط‭ ‬غياب‭ ‬تام‭ ‬لآليات‭ ‬رادعة‭ ‬تضع‭ ‬حداً‭ ‬لهذه‭ ‬الممارسات‭ ‬التي‭ ‬تستنزف‭ ‬ثروات‭ ‬الوطن‭ ‬وتضاعف‭ ‬أعباء‭ ‬المواطن‮»‬‭.‬

سلعة‭ ‬استهلاكية

يرى‭ ‬السيد‭ ‬‮«‬إبراهيم‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬صوته‭ ‬وجع‭ ‬الشارع‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭: ‬‮«‬الوقود‭ ‬تجاوز‭ ‬كونه‭ ‬مجرد‭ ‬سلعة‭ ‬استهلاكية‭ ‬ليصبح‭ ‬الشريان‭ ‬الرئيسي‭ ‬في‭ ‬دورة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والاجتماع،‭ ‬ويوضح‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬المادة‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬توقف‭ ‬السيارات‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يعني‭ ‬إصابة‭ ‬المشهد‭ ‬العام‭ ‬بالشلل،‭ ‬حيث‭ ‬تتأثر‭ ‬حركة‭ ‬التنقل،‭ ‬وتتعطل‭ ‬الأعمال،‭ ‬وتتأزم‭ ‬الخدمات‭ ‬الصحية،‭ ‬وحتى‭ ‬التعليم‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬جدار‭ ‬من‭ ‬التوقف‭ ‬القسري،‭ ‬مما‭ ‬يولد‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التباطؤ‭ ‬الجماعي‭ ‬الذي‭ ‬يستهلك‭ ‬طاقة‭ ‬المجتمع‭ ‬وأوقاته‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬محلها‭.‬

ويتجاوز‭ ‬الأثر‭ ‬المادي‭ ‬لهذه‭ ‬الأزمة‭ ‬حدوده‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬البعد‭ ‬النفسي‭ ‬والاجتماعي،‭ ‬حيث‭ ‬يحذر‭ ‬المواطنون‭ ‬من‭ ‬أخطر‭ ‬مراحل‭ ‬الأزمة‭ ‬وهي‭ ‬مرحلة‭ ‬التطبيع‭ ‬القسري،‭ ‬حين‭ ‬يبدأ‭ ‬الإنسان‭ ‬بالتعايش‭ ‬مع‭ ‬الطوابير‭ ‬باعتبارها‭ ‬قدراً‭ ‬محتوماً‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬مقاومتها‭ ‬أو‭ ‬المطالبة‭ ‬بحلها‭ ‬جذرياً‭. ‬هذا‭ ‬الإرهاق‭ ‬الجماعي‭ ‬يولد‭ ‬شعوراً‭ ‬ضمنياً‭ ‬بأن‭ ‬الأزمة‭ ‬أبدية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمثل‭ ‬تآكلاً‭ ‬في‭ ‬روح‭ ‬المبادرة‭ ‬والاحتجاج‭ ‬السلمي‭ ‬لدى‭ ‬المجتمع،‭ ‬ويجعل‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬الانتظار‭ ‬الطويل‭ ‬مشهداً‭ ‬مألوفاً‭ ‬لا‭ ‬يثير‭ ‬صدمة،‭ ‬بل‭ ‬يثير‭ ‬قبولاً‭ ‬تدريجياً‭ ‬لوضعٍ‭ ‬يفترض‭ ‬أصلاً‭ ‬ألا‭ ‬يكون‭ ‬قابلاً‭ ‬للتعايش‮»‬‭.‬

أزمة‭ ‬مختزلة

ويستطرد‭ ‬‮«‬إبراهيم‮»‬‭ ‬قائلا‭: ‬‮«‬عند‭ ‬محاولة‭ ‬تحليل‭ ‬المسؤولية،‭ ‬يتبين‭ ‬أن‭ ‬اختزال‭ ‬الأزمة‭ ‬في‭ ‬طرف‭ ‬واحد‭ ‬يعد‭ ‬تضليلاً‭ ‬للحقائق،‭ ‬فالإشكال‭ ‬الحقيقي‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬المستودعات،‭ ‬وتمر‭ ‬بآليات‭ ‬النقل‭ ‬والتوزيع،‭ ‬وتصل‭ ‬إلى‭ ‬الرقابة‭ ‬الإدارية‭ ‬المفقودة‭.‬

يعني‭ ‬بالفلاقي‭ ‬هناك‭ ‬تجار‭ ‬وقود‭ ‬ومتنفذين‭ ‬أمنيين‭ ‬وعسكريين‭ ‬وحتى‭ ‬مدنيين‭.. ‬متواطئين‭ ‬ومتورطين‭ ‬واتهامات‭ ‬متبادلة‭ ‬بين‭ ‬المتصارعين‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬الليبي‭.. ‬وربما‭ ‬هم‭ ‬متفقين‭ ‬على‭ ‬المواطنين‭ ‬البسطاء‭ ‬لكي‭ ‬يستمر‭ ‬نهبهم‭ ‬للبنزين؟‭!‬

وتظل‭ ‬التساؤلات‭ ‬الجوهرية‭ ‬معلقة‭ ‬حول‭ ‬مصير‭ ‬الكميات‭ ‬المخصصة‭ ‬فعلياً،‭ ‬وآليات‭ ‬إدارة‭ ‬البيانات،‭ ‬ومدى‭ ‬الشفافية‭ ‬في‭ ‬التوزيع‭. ‬والمفارقة‭ ‬الكبرى‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الوسائل‭ ‬التقنية‭ ‬كأنظمة‭ ‬التتبع‭ ‬والرقابة‭ ‬الرقمية‭ ‬متوفرة‭ ‬ومجربة‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬مشابهة،‭ ‬لكنها‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬الإرادة‭ ‬التشغيلية‭ ‬التي‭ ‬تحولها‭ ‬من‭ ‬حلول‭ ‬نظرية‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬فاعلة‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬تضع‭ ‬حداً‭ ‬للفوضى‮»‬‭.‬

خلل

ويتابع‭ ‬عادل‭:‬‮«‬‭ ‬في‭ ‬المحصلة،‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬اصطفاف‭ ‬المركبات‭ ‬أمام‭ ‬المحطات‭ ‬مجرد‭ ‬مشهد‭ ‬للازدحام،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬اختبار‭ ‬حقيقي‭ ‬لقدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬مورد‭ ‬أساسي‭ ‬يمس‭ ‬كرامة‭ ‬الناس‭ ‬وحقهم‭ ‬في‭ ‬العيش‭ ‬الكريم،‭ ‬إن‭ ‬استمرار‭ ‬الأزمة‭ ‬بهذا‭ ‬الشكل‭ ‬يضع‭ ‬المؤسسات‭ ‬المعنية‭ ‬أمام‭ ‬تحدٍ‭ ‬أخلاقي‭ ‬وإداري‭ ‬لإنهاء‭ ‬حالة‭ ‬الغموض‭ ‬التي‭ ‬تكتنف‭ ‬توزيع‭ ‬الوقود،‭ ‬والانتقال‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمة‭ ‬عبر‭ ‬المسكنات‭ ‬المؤقتة‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬حلها‭ ‬عبر‭ ‬الشفافية‭ ‬والرقابة‭ ‬الفاعلة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬التعايش‭ ‬مع‭ ‬الخلل‭ ‬هو‭ ‬الهوية‭ ‬الوحيدة‭ ‬المتبقية‭ ‬للمواطن‭ ‬في‭ ‬الجنوب‮»‬‭.. ‬وفي‭ ‬قراءة‭ ‬تحليلية‭ ‬لملف‭ ‬أزمة‭ ‬الوقود‭ ‬المتجذرة‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭ ‬الليبي،‭ ‬يطرح‭ ‬الصحفي‭ ‬والمتابع‭ ‬للشأن‭ ‬العام،‭ ‬‮«‬إدريس‭ ‬احميد‮»‬،‭ ‬رؤية‭ ‬تشخيصية‭ ‬تعيد‭ ‬ترتيب‭ ‬أوراق‭ ‬الأزمة،‭ ‬متجاوزاً‭ ‬التفسيرات‭ ‬السطحية‭ ‬إلى‭ ‬جوهر‭ ‬الخلل‭ ‬المرتبط‭ ‬بآليات‭ ‬الإنتاج،‭ ‬والتوزيع،‭ ‬وغياب‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬للنقل‭.‬

ثغرات‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد

يشير‭ ‬الصحفي‭ ‬‮«‬إدريس‭ ‬احميد‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الأزمة‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬هيكلية‭ ‬قطاع‭ ‬النفط‭ ‬الليبي،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬تُلبي‭ ‬القدرة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬لمصفاة‭ ‬الزاوية‭ ‬الاحتياج‭ ‬المحلي،‭ ‬مما‭ ‬يضطر‭ ‬الدولة‭ ‬للاعتماد‭ ‬بشكل‭ ‬كلي‭ ‬على‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬البريقة‭ ‬لتسويق‭ ‬النفط‮»‬‭ ‬لتأمين‭ ‬الفارق‭ ‬عبر‭ ‬الاستيراد‭ ‬الدولي‭. ‬ويوضح‭ ‬‮«‬احميد‮»‬‭ ‬أن‭ ‬منظومة‭ ‬التوزيع،‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬تحولاً‭ ‬هيكلياً‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2007‭ ‬مع‭ ‬تأسيس‭ ‬شركات‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬الراحلة،‭ ‬وليبيا‭ ‬نفط،‭ ‬والطرق‭ ‬السريعة،‭ ‬والشرارة‭ ‬الذهبية،‭ ‬والثقة‮»‬،‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬اختلالات‭ ‬في‭ ‬حلقات‭ ‬التوريد‭. ‬ففي‭ ‬حالة‭ ‬الجنوب،‭ ‬يتم‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬مستودع‭ ‬‮«‬النصر‮»‬‭ ‬في‭ ‬مصراتة‭ ‬لتغذية‭ ‬مستودع‭ ‬سبها‭ ‬بكميات‭ ‬محددة،‭ ‬تصل‭ ‬في‭ ‬المتوسط‭ ‬إلى‭ ‬مليون‭ ‬ونصف‭ ‬لتر،‭ ‬وهي‭ ‬كمية‭ ‬يرى‭ ‬‮«‬احميد‮»‬‭ ‬أنها‭ ‬غير‭ ‬كافية‭ ‬لمواكبة‭ ‬التوسع‭ ‬السكاني‭ ‬وزيادة‭ ‬عدد‭ ‬المركبات،‭ ‬مما‭ ‬يخلق‭ ‬فجوة‭ ‬عرض‭ ‬وطلب‭ ‬حتمية‭.‬

معضلة‭ ‬النقل‭ ‬العام‭.. ‬الأزمة‭ ‬المنسية

ينتقد‭ ‬‮«‬احميد‮»‬‭ ‬التركيز‭ ‬المفرط‭ ‬على‭ ‬‮«‬أزمات‭ ‬المحطات‮»‬‭ ‬وتجاهل‭ ‬السبب‭ ‬البنيوي‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬منظومة‭ ‬النقل‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬الجنوبية‭. ‬ويؤكد‭ ‬أن‭ ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭ ‬بات‭ ‬رهينة‭ ‬لمركبته‭ ‬الخاصة؛‭ ‬ففي‭ ‬ظل‭ ‬تزايد‭ ‬عدد‭ ‬السيارات‭ ‬لكل‭ ‬أسرة‭ ‬وعدم‭ ‬وجود‭ ‬بدائل‭ ‬حضرية‭ ‬للنقل‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الدول،‭ ‬يصبح‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬محطات‭ ‬الوقود‭ ‬حتمياً‭ ‬ومهما‭ ‬كانت‭ ‬الإجراءات‭ ‬الرقابية،‭ ‬ويشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وجود‭ ‬وسائل‭ ‬نقل‭ ‬عامة‭ ‬فعالة،‭ ‬كالمترو‭ ‬أو‭ ‬حافلات‭ ‬النقل‭ ‬الجماعي،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬يسهم‭ ‬بشكل‭ ‬جذري‭ ‬في‭ ‬خفض‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬الوقود‭ ‬وتخفيف‭ ‬الازدحام‭ ‬الذي‭ ‬بات‭ ‬سمة‭ ‬يومية‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الجنوب‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تطال‭ ‬حتى‭ ‬العاصمة‭.‬

الأمن،‭ ‬التهريب،‭ ‬وتحدي‭ ‬السلطة‭ ‬الواحدة

في‭ ‬ملف‭ ‬الأمن‭ ‬والرقابة،‭ ‬يشير‭ ‬‮«‬احميد‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الجهود‭ ‬الأمنية‭ ‬قلصت‭ ‬الفوضى‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬سائدة‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يقر‭ ‬‮«‬احميد‮»‬‭ ‬بأن‭ ‬ظاهرة‭ ‬تهريب‭ ‬الوقود‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تشكل‭ ‬تحدياً‭ ‬عابراً‭ ‬للجغرافيا‭ ‬والمناطق‭.‬

تظل‭ ‬طوابير‭ ‬الوقود‭ ‬شاهدًا‭ ‬على‭ ‬تعثر‭ ‬منظومة‭ ‬الإمداد

في‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬المعطيات‭ ‬المتشابكة،‭ ‬وبينما‭ ‬تظل‭ ‬طوابير‭ ‬الوقود‭ ‬في‭ ‬سبها‭ ‬وعموم‭ ‬الجنوب‭ ‬الليبي‭ ‬شاهدًا‭ ‬حيًا‭ ‬على‭ ‬تعثر‭ ‬منظومة‭ ‬الإمداد،‭ ‬يبرز‭ ‬التساؤل‭ ‬الجوهري‭ ‬الذي‭ ‬يضع‭ ‬صناع‭ ‬القرار‭ ‬أمام‭ ‬مسؤولياتهم‭ ‬التاريخية‭ ‬والإدارية؛‭ ‬ففي‭ ‬ضوء‭ ‬تحليل‭ ‬الأبعاد‭ ‬الهيكلية‭ ‬لهذه‭ ‬الأزمة‭ ‬المتكررة،‭ ‬وتضارب‭ ‬الأولويات‭ ‬بين‭ ‬ضرورة‭ ‬ضبط‭ ‬الثروة‭ ‬الوطنية‭ ‬ومنع‭ ‬استنزافها‭ ‬عبر‭ ‬التهريب،‭ ‬وبين‭ ‬حق‭ ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬حاجته‭ ‬الأساسية‭ ‬دونما‭ ‬تكبد‭ ‬مشاق‭ ‬يومية،‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬الموازنة‭ ‬بين‭ ‬الحاجة‭ ‬الملحة‭ ‬لإجراءات‭ ‬رقابية‭ ‬صارمة‭ ‬تضمن‭ ‬العدالة‭ ‬في‭ ‬التوزيع،‭ ‬وبين‭ ‬مطالب‭ ‬المواطنين‭ ‬المشروعة‭ ‬بتيسير‭ ‬عمليات‭ ‬التزود‭ ‬بالوقود‭ ‬ورفع‭ ‬القيود‭ ‬الإدارية‭ ‬المعقدة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تزد‭ ‬المشهد‭ ‬إلا‭ ‬تعقيدًا؟‭ ‬وهل‭ ‬باتت‭ ‬الحلول‭ ‬التقنية‭ ‬والإدارية‭ ‬الحالية‭ ‬مجرد‭ ‬‮«‬مسكنات‮»‬‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬حل‭ ‬سياسي‭ ‬شامل‭ ‬يعيد‭ ‬هيكلة‭ ‬قطاع‭ ‬الطاقة‭ ‬ويخرج‭ ‬المواطن‭ ‬من‭ ‬دوامة‭ ‬الانتظار؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى