
تشهد شوارع المدن الليبية وأزقتها في الآونة الأخيرة حراكًا تجاريًا واسعًا يثير الكثير من الجدل والتباين في الآراء؛ إنه قطاع تجارة الخردة، والمخلفات المعدنية. فبينما يرى فيه ممارسوه ومَنْ تقطعتْ بهم سُبل العيش منشطًا اقتصاديًا يفيض بالأرباح ويفتح أبواب الرزق لأصحاب الدخل المحدود، ينظر إليه آخرون بعين الريبة والوجل، معتبرين إياه واجهة غير قانونية تُشرعن نهب مقدرات البلاد وتخريب بنيتها التحتية. يتقاطع هذا الجدل الميداني مع أرقام رسمية صادمة تكشف حجم التدفقات المالية واقتصادات الظل التي تدير هذا «الكار»، في ظل غياب شبه تام لمنشآت التدوير المحلي الفعال وتنامي نفوذ العمالة الوافدة غير المنظمة.
فوضى الأسواق العشوائية وتغوّل العمالة الوافدة
يقف تجار الرعيل الأول في هذه الصّنعة شاهدين على التحولات العميقة التي عصفتْ بها. وفي هذا السياق يتحدث السيد محمد المسلاتي، وهو صاحب محل خردة في سوق الجملة يمارس هذا النشاط منذ عام 2007، أي قبل أن يكثر الهرج والمرج في المشهد الحالي. يوضح المسلاتي أنّ «الأسعار مَنْ يتحكم بها هو التاجر»، مشيرًا بكثير من القلق إلى واقع السوق اليوم: )ما هو حاصل الآن من سيطرة الأجانب والمغتربين هو سيطرة مطلقة دون حتى امتلاكهم لأوراق رسمية، أو إذن مزاولة، وهذا ما يعفيهم من دفع الضرائب؛ هم مستفيدون ويفيدون بلادهم بإدخال العُملة الصعبة(
ولا تتوقف هواجس التاجر المسلاتي عند حدود المنافسة غير المتكافئة، بل تمتد لتطال سلوكيات تخريبية تضرب المصلحة العامة في مقتل.
ويضيف مستغربًا: «أنا مستغرب الحقيقة من تصرفات بعض المواطنين وقيامهم بأعمال تخريبية من فك لأسلاك الكهرباء والكوابل الكبيرة والأغطية المعدنية لمجاري الصرف الصحي، هي أشياء ذات قيمة مالية كبيرة وكبيرة جدًا تكلف الدولة مبالغ طائلة. من غير المعقول السماح لمثل هؤلاء ضعاف النفوس بالتطاول والهجوم على ممتلكات عامة وتخريدها، ويعد انتهاكًا صارخًا للقانون على يد أشخاص يمرَّرون بضاعتهم المسروقة من كوابل ومكيفات ومحركات وغيرها من المواد، وهذا أمرٌ على صعيدي الشخصي لا أقبله».
وحول الوجهة النهائية لهذه المواد، يكشف المسلاتي: «نبيعها في أماكن عدة؛ مصراتة، الخمس، قصر بن غشير، عدة أماكن يقومون بتجميعها في مستودعات ضخمة وعلى ما أعتقد يقومون بتصديرها للخارج».
البديل الصناعي الغائب..
تساؤلات التوطين المحلي
يقودنا حديث المستودعات الضخمة والتصدير المجهول إلى تساؤل محوري يفرض نفسه على صُنّاع القرار الاقتصادي في البلاد: لماذا لا يتم تدوير هذه الثروات المهدرة والاستفادة منها محليًا مادام الموضوع يمس الدخل الوطني بشكل مباشر؟. إن استقطاب الآلاف من العمالة الليبية التي هي بأمس الحاجة للعمل يتطلب رؤية شجاعة لإنشاء مصانع كبرى متخصَّصة في هذا المجال، أسوة بالمجمعات الصناعية الرائدة كـ)مجمع الحديد والصلب بمصراتة(، لتكون هناك قلاعٌ وطنية معنية بتدوير الخردة، والمواد البلاستيكية والمعادن، مما يحمي الاقتصاد من النزيف الخارجي وينأى بالبلاد عن تصدير المواد الخام بأسعار زهيدة.
ملاذ المسحوقين بالغلاء..صيانة المستعمل وإنعاش الدخل المحدود
رغم الأبعاد السلبية، يبرز وجهٌ آخر لهذه التجارة يبدو أكثر رأفةً بالشرائح الاجتماعية الضعيفة التي أنهكها الغلاء وضيق ذات اليد. فبالقرب من أحد الأحياء السكنية المكتظة، يقع مستودع السيد عبد السلام سلام؛ حيث تتراكم أكوام من الحديد والأبواب والمخلفات البلاستيكية، ومضخات الآبار والمياه المعطوبة. ينظر السيد سلام إلى مهنته بوصفها طوق نجاة متبادل، قائلاً: «تعد التجارة مربحة وبها فائدة للمواطن والتاجر معًا، نقوم بصيانة الأبواب الحديدية والأقفال والمضخات المعطوبة ومن ثم نبيعها بأسعار مناسبة أقل من السوق».
ويصف سلام الإقبال الكثيف قريبًا من مستودعه بالقول: «النَّاس يقبلون على الشراء إقبالًا كبيرًا الذين أرهقهم الدَيَن والغلاء، المواطن يجد نفسه مرتاحًا بالمجيء إلى هنا، عدا ذلك مميزاتنا كثيرة لا يوجد شيء للكب، كل البضاعة تباع».
وتدعم هذا الطرح المتفائل السيدة ثريا إسماعيل، التي ترى في هذا النشاط وسيلة لتطهير الفضاء العام من النفايات الصلبة المزعجة؛ حيث توضح قائلة: «هذا نوع من التجارة وربي يساعد الجميع، إذا كان ثم شيء إيجابي هو أن الشوارع نظفتْ من المخلفات والرابش وأكوام الحديد والسيارات المعطوبة أي شيء غير صالح للاستعمال الناس لم تعد بحاجة لمثل هذه الكراكيب، ووجهتها في اتجاهها الصحيح».
الجانب المظلم.. ذريعة النهب واستنزاف البنية التحتية
بيد أن هذا التفاؤل يصطدم بقراءة نقدية حذرة يحذر أصحابها من شرعنة الجريمة تحت غطاء الكسب التجاري العفوي. يذهب السيد رياض نعيم إلى رصد ما هو أعمق وأخطر، معتبرًا أن انتشار هذه المحال أتاح لضعاف النفوس استباحة الممتلكات بلا رادعٍ أخلاقي. يقول نعيم بنبرة تحذيرية: «الخردة هي من أباح السرقة والنهب لدى ضعاف النفوس واباح لنفسه وبرر فعل السرقة «ووينك يا حديدة طايحة وغطاء مجاري» يعده مشروعًا مربحًا من وجهة نظره».
ويرى نعيم أنَّ «هذا الأمر قد يحمل الدولة تبعات هي في غنٍ عنها، ضروريًا جدًا تفعيل الوعي المجتمعي ووعي المواطن بأن لا يلمس شيئاً ليس له».
ويتفق معه المواطن علي عبد الله مع ضرورة الحزم والرقابة الفورية لتفادي استفحال الأزمة، مشيرًا إلى اختلال التوازن الديمغرافي والمهني في السوق لصالح أطراف خارجية. يقول عبد الله: «أنا مع أنه النَّاس تسترزق في حدود المعقول ولو زاد الأمر عن الحد واستفحل بلا ضوابط أو رقيب فهذا يتطلب تدخلات عاجلة»، كاشفًا عن الحجم الحقيقي للمستفيدين: «المستفيد الأول بصراحة كلنا نعلم الأجانب ‹العمالة الوافدة› من مصري وسوداني وسوري وبنغلاديشي وغيرهم من الأفارقة الأجانب أكثر من الليبيين».
وفي السياق ذاته يطالب السيد مصطفى الوحيشي باستبدال هذه البؤر العشوائية بمنشآت حضارية تخضع لرقابة حازمة وقوانين حديثة؛ حيث يرى أنه «لو تقام صناعات مشتقة نستفيد منها بدل محال الخردة المتعفنة وما تحويه من قوارض وحشرات وأوساخ ومظهرها اللا حضاري، لماذا لا يكون مكانها تشاركيات وشركات ومصانع حديثة بقوانين السوق وضواظبه».
المنظور البيئي والقانوني .. المسؤولية المشتركة وجدار التشريعات
من جانب بيئي وقانوني صرف، يضع م. مكي عياد عجيل، مدير إدارة المحافظة على الطبيعة بوزارة البيئة، هذه الظاهرة في ميزان الدولة والمسؤولية المجتمعية المشتركة.
يؤكد م. عجيل أن «المواطن يلعب دورًا محوريًا في النظافة العامة وهو دور يجمع بين الالتزام القانوني والمسؤولية المجتمعية خاصة في ظل التحديات التي تواجهها الدولة، وتقع على وزارة البيئة الداعمة للمواطن».
ويوضح أنه من هذا المنطلق أُنشئت الوزارة وحدَّدتْ اختصاصاتها لتشمل القيام بحملات التوعية البيئية ومراقبة مصادر التلوث بأنواعه كافة ومن ضمنها القمامة والمخلفات.
ويربط عجيل بين السلوك اليومي والذوق العام قائلاً: «وهناك ربط بين القمامة والذوق العام، وتعكس الممارسات اليومية تجاه النظافة مستوى وعي المجتمع ورقيه فرمي القمامة في غير أماكنها المخصصة يعدّ تصرفاً يتنافى مع الذوق العام والسلوك الحضاري وفي الوقت نفسه ترك النفايات تتراكم هذا التراكم يتحوَّل إلى مؤشر عل« غياب المسؤولية المجتمعية ومن هنا يأتي دور وزارة البيئة في إيجاد حلول تكاملية بين وعي الفرد وكفاءة الخدمات العامة والتوعية المجتمعية بحيث تصبح النظافة جزءًا لا يتجزأ من جوهر المجتمع وقيمه».
ويُنبه عجيل إلى المخاطر المباشرة لتكدس هذه المواد في المخططات العمرانية: « إنّ تكدس الخردة في المناطق السكنية وتشويه الذوق العام يضر بالمواطن ومن هذا المنطلق اعتمدتْ وزارة البيئة على الإطار القانوني المنظم الذي يمكن البناء عليه لمعالجة هذه الظاهرة من خلال تنفيد قانون النظافة النظافة العامة رقم )13( لسنة 1984 الذي يُلزم الجهات الرسمية بوضع برامج لجمع مواد الخردة مثل: الثلاجات، والمواد المعدنية ويوجه بتنظيم حملات تنظيف ويكلف البلدية بتشكيل فريق للإشراف على النظافة وتحديد أماكن التخلص منها والمشاركة في حملات التوعية وفق الاسترتيجيات وآليات الرقابة والمتابعة».
ويستعرض المدير الخطوات الرقابية المتخذة، مشيرًا إلى تأسيس جهاز الحرس البيئي في عام 2022 ليكون الذراع الرقابي لوزارة البيئة ويراقب المخالفات البيئية التي تشوه المظهر العام والذوق العام.
ويضيف عجيل أن دور الوزارة يستند بقوة إلى «قانون حماية وتحسين البيئة رقم )15( لسنة 2003 والذي يضع الأسس لمكافحة الثلوث بجميع أشكاله بما في ذلك حرق النفايات وتحدد المادة السادسة من القانون مهام وزارة البيئة ‹كجهة مختصة› والتي تشمل اقتراح خطط حماية البيئة والقيام بحملات التوعية بمخاطر الثلوت ويعد حرق المخلفات شكلًا من أشكال تلوث الهواء».
ويختم م.عجيل محددًا ملامح التدخل الحكومي الفعلي: «دور وزارة البيئة في هذا الجانب يشمل عدة محاور رئيسة، الدور الرقابي، والدور التشريعي ودور انفاذ القانون، فدور الوزارة لا يقتصر على التوعية بل يتعداه للرقابة الفعلية واتخاذ إجراءات رادعة بحق المخالفين سوء أكانوا أفرادًا أم جهات رسمية، وفي الوقت نفسه تتولى الوزارة دورًا تنظيميًا عبر وضع شروط وتراخيص للانشطة المتعلقه بجمع النفايات ومعالجتها لضمان عدم تحويلها الي مصدر تلوث بالحرق العشوائي ومن هنا فإن دور وزارة البيئة يتجاوز التوعية ليشمل الرقابة الميدانية وانفاد القانون الرادعة بحق المخالفين وضع الأطر التنظيمية التي تضمن التعامل الأمن مع النفايات».
مسألة لا تتعلق بالحرس البلدي فقط
وتوجهنا للمقدم «امحمد الناعم» المتحدث باسم جهاز الحرس البلدي، بسؤالنا عن ظاهرة كثرة محال ومستودعات وحتى السيارات المتنقلة لتجميع وبيع وشراء الخردة داخل الأحياء السكنية..وما موقف الحرس البلدي.. أجاب قائلًا: وجود مستودعات لتجميع الخردة داخل المدن والتجمعات السكنية نادرًا ما تكون، لأنَّ معظمها خارج المخططات وفي حالة وجودها داخل المدينة يجب حصولها على ترخيص لتجميع الخردة.. وبالتالي يتم متابعتها متابعة دقيقة، أما عن العمالة الوافدة التي تعمل في تجميع الخردة معظمها تتجه للمكبات وغيرها، وتجمع الخردة من الشوارع والنفايات، وهذه مسألة لا تتعلق بالحرس البلدي فقط بل مسؤولية كل الجهات.
لغة الأرقام الصادمة..مئات آلاف الأطنان المهربة ورهانات التنظيم
إذا غادرنا مساحات الآراء الفردية والتحليلات القانونية نحو لغة الأرقام الصارمة، تتبدى لنا أبعاد المشهد الاقتصادي بوضوح أكبر وبلا مواربة. تفيد الإحصاءات الرسمية المجمعة لدى وزارة الاقتصاد بأن الاستهلاك المحلي من الخردة بحاجة ماسة إلى خطة تطوير شاملة تقودها الشركات الوطنية، وفي مقدمتها الشركة الليبية للحديد والصلب، التي يرتكز نشاطها الإنتاجي على الخردة كمادة خام بنسبة اعتماد كاملة تصل إلى 100 %.
وعلى صعيد التصدير والتجارة العابرة للحدود، تكشف التقديرات عن حجم النزيف المستمر للموارد؛ إذ تُقدّر الكميات المهربة من الخردة الليبية عبر الموانئ المختلفة خلال عام واحد فقط بنحو 867 ألف طن، في حين تُظهر المؤشرات الدولية رغبة دول كتركيا في استيراد نحو 26 ألف طن من خردة الألمنيوم الليبية بقيمة مالية تُناهز 41 مليون دولار.
أما على مستوى السوق المحلية، فقد شهدتْ مراكز التجميع الكبرى الواقعة في مناطق غرب ليبيا، لا سيما منطقة القره بوللي، انتعاشًا تجاريًا استثنائيًا؛ حيث قفز سعر الكيلوغرام الواحد من الحديد في فترات ذروة الطلب إلى دينارين ليبيين كاملين. هذا النشاط المحموم استدعى تدخلاً تنظيمياً حاسمًا من وزارة الاقتصاد والتجارة التي أصدرت حزمة من القرارات الصارمة، كان على رأسها القرار رقم )30( لسنة 2021، الذي يقضي بالحظر التام لتصدير الخردة بمختلف أشكالها وأنواعها، بما يشمل الحديد الخفيف، والزهر، والسيارات المكبوسة، فضلاً عن مخلفات المعدات والبطاريات المستهلكة.
وأمام هذه المعادلة المعقدة، يطرح خبراء ومتخصصون في الشأن الاقتصادي رؤية بديلة ومستقبلية؛ إذ يرون أن السماح بالتصدير وفق شروط صارمة ودقيقة تشرف عليها هيئات الدولة الرسمية؛ بحيث يقتصر حصراً وبشكل قطعي على الخردة غير القابلة لإعادة التدوير محلياً، من شأنه أن يحوَّل هذا القطاع التائه من عبء أمني وفوضى ميدانية إلى مصدر استراتيجي إضافي لرفد الدخل القومي وجلب العُملة الصعبة، بدلاً من بقائه فريسة سائغة في يد شبكات السوق السوداء واقتصاد الظل.



