
لم يعد مشهد الأطفال الذين يجوبون الشوارع ويقفون أمام الإشارات الضوئي، أو يتنقلون بين المركبات، والمحال التجارية طلبًا للمال مجرد صورة عابرة اعتادها النَّاس، بل تحول إلى جرس إنذار اجتماعي يدق بقوة، معلنًا عن أزمة تتجاوز الفقر إلى تهديد مباشر لحقوق الطفل وأمن المجتمع. ففي كثيرٍ من المدن الليبية، أصبح تسول الأطفال ظاهرة تتسع رقعتها يومًا بعد آخر، حتى غدتْ جزءًا من المشهد اليومي، في وقت يفترض أن يكون هؤلاء الأطفالُ داخل مدارسهم، أو بين أسرهم، لا في مواجهة قسوة الشارع واستغلال ضعاف النفوس.
ولا يقف خطر هذه الظاهرة عند حدود الحاجة المادية، بل يمتد إلى حرمان الطفل من التعليم والرعاية الصحية والحماية النفسية والاجتماعية، ويفتح أمامه أبواب الاستغلال والعنف والانحراف، ويجعل منه الحلقة الأضعف في معادلة اجتماعية واقتصادية معقدة. كما أن استمرارها يعكس تحديات حقيقية تواجه الأسرة ومؤسسات الدولة والمجتمع، ويطرح تساؤلات حول مدى فاعلية منظومة الحماية الاجتماعية في صون حقوق الأطفال.
ويؤكد مختصون أن الطفل المتسول ليس مسؤولاً عن واقعه، بل هو ضحية لظروف اقتصادية قاسية، أو لتفكك أسري، أو لاستغلال من قبل شبكات وأفراد يتاجرون ببراءة الصغار لتحقيق مكاسب مالية. ومن هنا، فإن التعامل مع الظاهرة لا ينبغي أن يكون تعاملاً عاطفياً أو آنياً، بل يستوجب رؤية وطنية شاملة تقوم على الوقاية، والحماية، وإعادة التأهيل، وتجفيف الأسباب التي تدفع بالأطفال إلى الشارع.
وفي هذا الاستطلاع، رصدتْ الصحيفة آراء عدد من المواطنين، إلى جانب رأي أختصاصية اجتماعية، للإجابة عن سؤالين رئيسيين: ما أسباب انتشار ظاهرة تسول الأطفال في المدن الليبية؟ وكيف يمكن الحد منها؟
الأوضاع الاقتصادية وغياب الرقابة الأسرية
بداية المشكلة
يرى محمد السنوسي، وهو موظف، أن تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة من أبرز الأسباب التي أسهمتْ في انتشار تسول الأطفال،
أطفال على الأرصفة ..
مَنْ يحمي براءةً تُباع على قارعة الطريق ؟!
إلى جانب ضعف الرقابة الأسرية في بعض الحالات.
ويقول إنّ هذه الظاهرة لا تضر الطفل وحده، وإنما تنعكس آثارها على المجتمع بأكمله، لأنها تحرم الأطفال من أبسط حقوقهم، وعلى رأسها التعليم والحياة الكريمة، وتزيد من احتمالات تعرضهم للاستغلال والجريمة.
ويشدد السنوسي على أن الدولة مطالبة بتفعيل دورها في حماية الطفولة، عبر توفير برامج دعم حقيقية للأسر المحتاجة، وملاحقة كل من يستغل الأطفال في أعمال التسول، باعتبار أن حماية الطفل مسؤولية وطنية لا يجوز التهاون فيها.
استغلال الأطفال..مسؤولية لا تتحملها الأسرة وحدها
أما فاطمة الزوي، ربة منزل، فتعبر عن قلقها من تزايد مشاهد الأطفال الذين يتسولون في الطرقات، معتبرة أن الأخطر من الظاهرة نفسها هو استغلال بعض الكبار لهؤلاء الأطفال لتحقيق مكاسب مالية.
وتؤكد أن ضعف الوعي الأسري وغياب المتابعة يسهمان في استمرار المشكلة، لكنها ترى أن المسؤولية لا تقع على الأسرة وحدها، بل تمتد إلى المجتمع بأسره.
وتضيف أن الحل يبدأ بنشر الوعي، ودعم الأسر ذات الدخل المحدود، مع ضرورة الامتناع عن منح الأموال للأطفال في الشوارع، لأن ذلك قد يشجع على استمرار الظاهرة بدلاً من معالجتها، داعية إلى توجيه المساعدات عبر الجهات المختصة والمؤسسات الخيرية المنظمة.
صورة المجتمع ومستقبل الأطفال على المحك
من جانبه، يرى سالم الورفلي، طالب جامعي، أن انتشار تسول الأطفال يترك آثارًا سلبية على صورة المجتمع الليبي، ويهدد مستقبل هؤلاء الأطفال، الذين قد يجدون أنفسهم مع مرور الوقت عرضة للانحراف أو التسرب من التعليم.
ويؤكد أن المدرسة لا ينبغي أن يقتصر دورها على التعليم فقط، بل يجب أن تكون شريكاً في اكتشاف الحالات المعرضة للخطر، والعمل مع الأسرة والجهات المختصة على احتواء الأطفال وإعادتهم إلى مقاعد الدراسة.
كما يشدد على أهمية دور الشباب ومنظمات المجتمع المدني في تنفيذ المبادرات والبرامج التي تستهدف الأطفال الموجودين في الشوارع، وتوفر لهم بيئة آمنة تساعدهم على بناء مستقبل أفضل.
أختصاصية اجتماعية: التسول أحد أخطر أشكال الإهمال والعنف الاجتماعي
توضح الأختصاصية الاجتماعية د. عائشة المقريف أن تسول الأطفال يعد من أخطر مظاهر الإهمال والعنف الاجتماعي، لأنه يحرم الطفل من حقوقه الأساسية، ويعرضه لمخاطر متعددة قد تلازمه طوال حياته.
وتبين أن هذه الظاهرة ترتبط غالبًا بعوامل متداخلة، أبرزها الفقر، والتفكك الأسري، والنزاعات، وضعف برامج الحماية الاجتماعية، مؤكدة أن بقاء الطفل في الشارع يجعله أكثر عرضة للاستغلال والعنف والانحراف، ويؤثر بشكل مباشر في نموه النفسي والسلوكي.
وترى أن مواجهة الظاهرة تتطلب تحركاً متكاملاً يبدأ بتشريعات صارمة تجرّم استغلال الأطفال في التسول، مروراً بتقديم الدعم الاقتصادي للأسر الفقيرة، وانتهاءً بتفعيل دور المدارس والمؤسسات الاجتماعية في رصد الحالات وإعادة دمج الأطفال في العملية التعليمية، باعتبار أن التعليم هو خط الدفاع الأول لحماية الطفولة.
مسؤولية مشتركة لا تحتمل التأجيل
تكشف آراء المواطنين والمتخصصين أن تسول الأطفال ليس ظاهرة عابرة، وإنما قضية تتشابك فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والقانونية، الأمر الذي يجعل مواجهتها مسؤولية جماعية تتطلب تكاتف الأسرة، والدولة، والمؤسسات التعليمية، ومنظمات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام.
فكل طفل يُجبر على الوقوف في الشارع هو قصة تستحق الإنقاذ، ومستقبل مهدد بالضياع، وحق أصيل ينتظر من يحميه.
إنّ بناء مجتمع آمن لا يبدأ من الشوارع، بل من حماية الطفولة، لأنها الثروة الحقيقية لأي وطن. وكل يوم يتأخر فيه التدخل الجاد لمعالجة هذه الظاهرة، يعني مزيدًا من الأطفال خارج مقاعد الدراسة، ومزيدًا من البراءة المهددة، ومزيدًا من الخسائر التي سيدفع المجتمع ثمنها مستقبلاً. لذلك فإن القضاء على تسول الأطفال لم يعد خيارًا، بل ضرورة وطنية وأخلاقية، تفرضها مسؤولية حماية الإنسان قبل أي شيء آخر.



